تحويل رواية Carrie 1976 إلى فيلم –يبلغ هذا العام عامه الخمسين- حكاية درامية تصلح أن نبدأ بها حديثنا عن واحد من أبرز افلام سينما الرعب في السبعينيات، والذي اعتبر أيقونة نوعية مؤثرة في السينما الأميركية التي احتكرت لعقود منجازات أفلام الفزع، فقبل ثلاثة أعوام من عرض Carrie الذي اقتبسه لورانس كوهين عن رواية ستفين كينج وخراج براين دي بالما، بدأت قصة أخرى تصلح كفيلم مواز، وهي من الحالات النادرة التي غيّرت مصير كاتب ومخرج وممثلة في وقت واحد!

كان ستيفن كينج القاص الشاب في هذا الوقت – مواليد 1947- يعمل في مدرسة ثانوية داخل حدود بلدة أميركية صغيرة، وتأثراً بالبيئة المدرسية التي يقضى جل يومه بداخلها، كتب الفصول الأولى من Carrie عام 1973، لكنه لم يكن مقتنعاً بها، شعر أنه لا يستطيع كتابة شخصية فتاة مراهقة تملك قدرات غير مفهومة، ورأى أن الفكرة ضعيفة، فألقى الصفحات الأولى في سلة المهملات، لكن ما حدث أن زوجته تابيثا كينج أخرجت الأوراق من القمامة، قرأتها، وأقنعته بإكمال الرواية، فيما بعد سوف يعترف كينج بأنه لولا تابيثا لما وُجدت كاري.

اعتبرت Carrie أول رواية منشورة لكينج –عقب نشره قصص متفرقة في الصحف المحلية بأجور وصل أقصاها إلى 35 دولار عن القصة- وبعد صدورها عام 1974، اشترت إحدى دور النشر الكبرى حقوق الطبعة الورقية، بمبلغ يقارب 400 ألف دولار، وكانت حصة كينغ نحو 200 ألف دولار، وهو مبلغ انتشله من الفقر تماماً.

كان يعمل مدرساً ويعيش مع أسرته في ظروف مالية صعبة، وفجأة أصبح كاتباً محترفاً ومتفرغاً، وصلت مبيعات كتبه إلى 300 مليون نسخة وترجمت رواياته إلى 33 لغة ولقب بسيد أدب الرعب وأمير سينما الفزع.

في العام التالي وافقت شركة United Artists على إنتاج الفيلم، ولم يكن المخرج الواعد وقتها براين دي بالما الخيار المتوقع، لكن الشركة أسندته إليه، والمفارقة أن دي بالما نفسه لم يتحمس للرواية في البداية، وهنا تدخلت زوجة أخرى، الممثلة نانسي ألين زوجة دي بالما آنذاك، والتي ستلعب لاحقاً دور كريس هارجنسن التي سوف تحيك مؤامرة الدم في حفل التخرج ضد كاري، وأعجبها النص وأقنعته بقراءته.

وعندما بدأ البحث عن ممثلة شابة لأداء دور كاري، جاءت سيسي سباسيك وهي ترغب بشدة في الدور، ولأن دي بالما كان يبحث عن فتاة تبدو غريبة الأطوار أكثر من كونها جميلة، حضرت اختبار الأداء دون مساحيق تجميل، ودهنت شعرها بمادة دهنية ليبدو مهملاً، وقدمت نفسها في هيئة فتاة منبوذة بالفعل، فاختيرت للدور، وكان أداؤها من الأسباب الرئيسية التي جعلت الفيلم خالداً، ورُشحت عنه لجائزة أوسكار أفضل ممثلة، وهو أمر نادر جداً لفيلم رعب في تلك الفترة.

حقق الفيلم نجاحاً نقدياً وتجارياً كبيراً، وأثبت لهوليوود أن روايات ستيفن كينج تصلح لأفلام ذات قيمة فنية، لا مجرد أفلام رعب تجارية، وبعد Carrie بدأت موجة اقتباسات كينج التي لا تزال مستمرة حتى اليوم، من The Shining وThe Dead Zone إلى Misery وThe Shawshank Redemption وThe Green Mile وغيرها.

من هي كاري؟

كاري وايت هي فتاة شقراء، تعيش في بلدة أميركية صغيرة – في الرواية هي بلدة متخيلة تقع في ولاية مين التي ولد بها كينج، لكن الفيلم يقوم بتجريد البلدة تماماً دون اسم أو سمات جغرافية مميزة- مراهقة لديها قدرات خاصة أقرب إلى التخاطر وتحريك الأشياء عن بعد، بريئة حد النقاء الكامل، حتى أنها تصاب بدورتها الشهرية الأولى وهي في السابعة عشرة من عمرها دون أن تدري ما سر الدم الذي يسيل بين ساقيها، ولكن أمها المصابة بالهوس الديني، ومجتمع الطالبات في المدرسة الثانوية المصاب بهوس نبذ المختلف وغير المفهوم، يحولاها من زهرة برية إلى وحش دموي خارق للطبيعة والناموس.

يمكن القول أن كاري ليست مجرد أول رواية لكينج، بل ربما هي البذرة التي تحتوي الكثير من عناصر عالمه كله، لأن معظم ثيمات كينج الكبرى موجودة هنا بالفعل، سنجد فيها؛ المراهقة بوصفها لحظة رعب في مواجهة العالم، والمدينة الأميركية الصغيرة التي تخفي عنفاً أخلاقياً رغم تحفظها الظاهري، والدين حين يتحول إلى تعصب، والتنمر الجماعي، والقوى الخارقة باعتبارها استعارة للغضب المكبوت، لا مجرد عنصر فانتازي، وأخيرا المأساة الناتجة عن عجز المجتمع عن فهم المختلف.

لم يكتف براين دي بالما بتصوير الرواية، بل أنجز لغة سينمائية تعادلها، فالفيلم يبدأ كأنه دراما مدرسية رومانسية، ثم يتسلل الرعب تدريجياً حتى يبلغ ذروته في مشهد حفلة التخرج، أحد أشهر المشاهد في تاريخ السينما – استخدم دي بالما فيه تقنيات كانت جريئة في وقتها، مثل تقسيم الشاشة (Split Screen)، والانتقال بين الإيقاعات المختلفة، والتصوير البطيء، وبناء التوتر تدريجياً قبل سقوط دم الخنزير على رأس الشقراء البريئة، الكثير من النقاد يرون أن هذا المشهد وحده كان كافياً ليضع الفيلم في موقع مميز من دفاتر السينما.

هنا يمكن أن ندرك مغزى الحالة الفيلمية التي صنعها دي بالما، فالرعب لا يأتي من الوحش/الفتاة الخارقة بل من البشر أنفسهم، حيث تصبح قوى كاري مجرد وسيلة لإطلاق العنف الذي صنعه الآخرون.

لم تكن كاري شريرة قط، بل إنها ضحية طوال الفيلم، منذ المشهد الأول حين نرى ملعب الكرة في فناء المدرسة من زاوية علوية كأنها عين الآلة المراقبة في حياد مستفز، بينما تتنمر عليها الطالبات دون أن ندري لماذا! بينما هي واقفة كفراشة شقراء مذهولة من أثر العداء غير المفهوم، ثم اعتبار أمها المهووسة دينياً أن دم الحيض خطيئة تستوجب التوبة! وصولاً إلى النهاية المرعبة عندما تتحول إلى قوة مدمرة، فالسيناريو لا يحتفل بانتقامها، بل يقدمه بوصفه خاتمة مأساوية كان يمكن تجنبها لو امتلك المجتمع قدراً أقل من القسوة، وهذه إحدى السمات التي ستصبح لاحقاً علامة مميزة في عالم ستيفن كينج؛ فالوحوش الحقيقية كثيراً ما تكون بشراً عاديين.

بين الرواية والفيلم

يستخدم دي بالما في افتتاحية الفيلم إضاءة ناعمة وصورة ذات Soft Focus تمنح المكان مسحة حالمة تكاد تقترب من الحلم الرومانسي، المفارقة أن هذا العالم الذي يبدو نقياً هو نفسه الذي سيكشف بعد دقائق عن أقصى درجات الوحشية! كأن الصورة تكذب علينا عمداً، وهذا يتسق مع الفيلم كله؛ فالرعب لا يخرج من بيت مهجور أو غابة مظلمة، بل من مدرسة مضاءة، وملعب، وكنيسة، وبيوت أميركية عادية.

عبر فلتر شفاف يضع البلدة الصغيرة في نقاء ضبابي ناصع ومريح في حين أنها تغرق تدريجياً في عملية تحويل الزهرة البرية إلى وحش! في المشهد الأول حين نرى كاري وهي تستحم، يبدو كل شيء غارقاً في هذه النعومة الشفافة، كأننا في عالم نقي شعورياً وجسدياً، هذا النقاء لا يلبث أن يتحول إلى لحظة تنمر إلى حد العذاب عندما يهبط الدم للمرة الأولى من بين ساقي كاري وتصاب بالفزع الطفولي المعروف للفتيات في العمر الطبيعي، لكنها هنا أكبر من هذا العمر بكثير، وهو ما يستفز زميلاتها اللائي يبدو من أسلوبهن العنيف معها أن ثمة تراكم عميق تجاه غرابتها أو فرادتها المرفوضة منهم!

هنا يبدأ الفيلم من نقطة متقدمة نسبياً عن الرواية، يستغني عن أسلوب التقارير الصحفية والاقتباسات من كتب سجلت الواقعة – واقعة تدمير البلدة المتخيلة وليس المدرسة فقط- والتي يبدو أنها أثارت شهية الصحافة وكتاب الحوادث الغريبة ودارسي الظواهر غير المعتادة، وفي حين يستخدم كينج أسلوب الحكاية داخل الحكاية أو توثيق الواقعة عبر كتب متخيلة يقتبس منها نبذات تشير بغموض لما حدث أو شهادات من أشخاص مثل زميلة كاري- سو- التي تعيش طويلاً بعد تدمير البلدة مصابة بعقدة الذنب- يبدأ سيناريو الفيلم بسرد خطي تقليدي من لحظة اكتشاف كاري لأنوثتها كأنها اللحظة التي سوف يتفجر بعدها الدم في البلدة! لا بسببها! بل بسبب نفوس وأذهان الطالبات اللائي لا يرغبن في أي خروج عن نمطهم الساكن أو عاديتهم المقدسة.

الفيلم لا يقول أن قوى كاري هي سبب الكارثة، بل إن المجتمع هو الذي صنع اللحظة التي أطلقت هذه القوى؛ لو لم توجد الأم المتطرفة، والتنمر، والإذلال الجماعي، لما انتهت القصة بتلك المذبحة.

كتب كينج الرواية كما لو أنها حدث تاريخي انتهى بالفعل، ليصبح القارئ منذ البداية على يقين بأن الكارثة وقعت، بينما يبقى السؤال: كيف وقعت؟ أما دي بالما فتخلى مع لورنس كوهين عن هذا البناء الوثائقي، واختار السرد الخطي، استغنى عن الإطار التوثيقي عبر بناء التوتر من خلال الصورة، فالمشاهد يعرف شيئاً فشيئاً أن النهاية ستكون مأساوية، لا لأن الفيلم يخبره بها، بل لأن كل لقطة تحمل إحساساً بأن هذا الهدوء هش للغاية.

استخدام دي بالما تكنيك Deep Focus في بعض لقطات Carrie، وهو الأسلوب الذي طوّره مدير التصوير جريج تولاند مع المخرج أورسن ويلز في فيلم Citizen Kane، ويعني أن نرى وجوه الشخصيات مقدمة الكادر بنفس الحدة والوضوح التي نرى بها الأشخاص في عمق الكادر، كما يبدو في مشاهد الفصل المدرسي حيث ندرك إعجاب كاري الخفي بتوم، الذي سوف يصبح رفيقها للحفل الدموي بتوصية من سو زميلتها الطيبة، المعروف عن دي بالما تأثره الشديد في شبابه بـ Citizen Kaneكأول فيلم شاهده في طفولته.

عروس الدم

الفيلم يبدأ بلحظة دخول الجسد في التاريخ، نزول الدم ليس مجرد علامة بلوغ، بل إعلان بأن الجسد خرج من البراءة، بينما عقل كاري ما يزال طفلاً، لأن أمها حرمتها من أي معرفة بالعالم، لذلك لا تصرخ لأنها ترى الدم فقط، بل لأنها لا تعرف ما هو الدم أصلاً! وهنا يصبح المشهد مؤلماً أكثر مما هو مرعب، يبدأ الفيلم بساقي كاري يتسرب عليهم دم الحيض، وينتهي بيدها تخرج من قبرها المجازي لتمسك بسو داخل عقلها الذي صار مضطرباً عقب موت الجميع في الحفل.

من هنا تأتي عبقرية دي بالما في الافتتاحية؛ يبدأ بمشهد يكاد يكون احتفالاً بالجسد الأنثوي، ثم يحوله في لحظات إلى مشهد رعب خالص، وكأنه يقول إن المجتمع هو الذي يحول الأنوثة إلى مصدر للخوف والعار.

معظم أعمال ستيفن كينج لا تتحدث عن الشر المطلق، بل عن ديكتاتورية العادي؛ ذلك المجتمع الذي لا يحتمل المختلف، سواء كان طفلاً يمتلك موهبة، أو رجلاً يرى أشباحاً، أو فتاة تحرك الأشياء بعقلها، في عالم كينج، ما يهدد الناس ليس الخارق للطبيعة بقدر ما يهددهم إيمانهم بأن كل خروج عن المألوف يجب أن يُسحق.

يجدر ايضا ان نشير إلى أن  Carrie في حد ذاته لا يحمل في الإنجليزية معنى معجمياً أما White فدلالته واضحة ومباشرة؛ أبيض، وهنا يبدأ المجال الرمزي، فالبياض يمكن أن يُقرأ بعدة مستويات؛ البراءة: حيث أن كاري هي أكثر شخصيات الفيلم براءة، رغم أنها تُعامل كما لو كانت مصدراً الشر، كما أنها تشبه الصفحة البيضا، فهي فتاة لم تُمنح فرصة لتكوين شخصية طبيعية بسبب عزلة أمها الدينية، فتبدو كأنها صفحة لم تُكتب بعد، ثم يكتب المجتمع عليها بالعنف، ثم أن الأبيض هو اللون الذي يكشف الأحمر بأقصى درجات الحدةـ ومن الصعب ألا نتذكر أن الفيلم كله يبدأ بقطرات دم على جسد كاري، وينتهي بسكب دم الخنزير على فستانها الأبيض – الذي حاكته بنفسها – في حفلة التخرج، الأبيض هنا ليس مجرد لون، بل سطح تُكتب عليه المأساة، 

ومن اللافت أن دي بالما يركز بصرياً على هذه الفكرة؛ فالفستان الأبيض، والإضاءة الناعمة، والضبابية الحالمة في البداية، كلها تجعل اللون الأبيض عنصراً درامياً قبل أن يصبح عنصراً تشكيلياً، ثم يأتي الأحمر ليقتحم هذا البياض، وكأن الفيلم كله قائم على صدام بين اللونين.

أما اختيار سيسي سباسيك، فهو أيضاً ملاحظة مثيرة للنظر، في الرواية يصف كينج كاري بأنها فتاة ممتلئة نسبياً، تعاني حب الشباب، ولا تبدو جذابة وفق المعايير السائدة، لكن سباسيك مختلفة؛ فهي نحيلة، شاحبة البشرة، ذات ملامح رقيقة وعينين واسعتين تمنحانها هشاشة واضحة.

لا يوجد دليل موثق على أن دي بالما اختارها تحديداً لأنها بيضاء بما ينسجم مع اسم White، لكن المؤكد أنه استثمر مظهرها إلى أقصى حد؛ بشرتها الشاحبة وشعرها الفاتح وملامحها الطفولية جعلتها تبدو أقرب إلى كائن هش أو شبح منه إلى فتاة مراهقة عادية، وهو ما يخدم الفكرة البصرية للفيلم.

كاري وروز ماري

يمكن القول أن الفيلم يجعل كاري مركز الثقل العاطفي للسرد من البداية، فالرواية منذ صفحاتها الأولى تخلق مسافة بيننا وبين الحدث، الراوي العليم، والاقتباسات من الكتب، والمقالات، والتحقيقات، كلها تجعلنا ننظر إلى كارثة كاري كما لو كانت واقعة تاريخية يعاد تركيبها بعد انتهائها. 

أما دي بالما، فيزيل هذه المسافة تقريباً، لا يبدأ من (حادثة كاري)، بل من (كاري الفتاة) لذلك تصبح لحظة نزول الدم هي لحظة ولادة الفيلم نفسها، لا مجرد معلومة ضمن ملف تحقيق! نحن لا نعرف الكارثة مسبقاً، بل نعيشها وهي تتشكل، وهذا يغير طبيعة التعاطف تماماً، في الرواية قد تنشغل بالسؤال كيف انتهت البلدة إلى هذه المأساة؟ أما في الفيلم، فالسؤال يصبح كيف انتهت هذه الفتاة إلى أن تصبح أداة لهذه المأساة؟

يبدو الفيلم أيضاً وكأنه يوزع وظائفه السردية بين مستويين؛ فكلما اقترب من كاري تحول إلى سينما للشعور، تنشغل الكاميرا فيها بارتباكها الداخلي أكثر من انشغالها بالفعل الخارجي، أما حين يغادرها إلى الشخصيات الأخرى، فإنه يعود إلى سرد أكثر وظيفية، غايته نقل المعلومات، ورسم شبكة القرارات والأفعال التي ستقود إلى المأساة، وهكذا تحتفظ كاري وحدها بحق الامتلاء النفسي، بينما يؤدي الآخرون دور العالم الذي يطبق عليها تدريجياً.

ورغم أننا لا نملك دليلاً على أن دي بالما كان يستحضر فيلم Rosemary’s Baby  لرومان بولانيسكي أثناء صنع Carrie ومع ذلك، هناك تشابهات لافتة نود الإشارة لها!

ما يجمع الفيلمين ليس الرعب الخارق للطبيعة في المقام الأول، بل الطريقة التي يولد بها الرعب من المجتمع!

في Rosemary’s Baby، تبدأ روزماري امرأة عادية، بريئة، تثق في زوجها وجيرانها، ثم تكتشف تدريجياً أن كل من حولها جزء من مؤامرة أكبر منها، المجتمع المهذب، الهادئ، يتحول إلى قناع يخفي الشر.

وفي Carrie تبدو البلدة الأميركية الصغيرة نموذجاً للنظام والاستقرار، لكنها لا تحتاج إلى الشيطان كي ترتكب جريمتها! الشيطان، إن جاز التعبير، يخرج من داخلها، من التنمر، ومن التعصب الديني، ومن قسوة الجماعة، ومن خوفها المرضي من المختلف.

في روزماري، الشر يتسلل إلى المجتمع من الخارج، عبر الشيطان والعبادة الشيطانية، لكنه لا ينجح إلا لأن المجتمع يتواطأ معه، وفي Carrie، لا نحتاج إلى شيطان أصلًا؛ المجتمع نفسه ينتج الكارثة، بينما تأتي القوى الخارقة بوصفها النتيجة لا السبب، كل من روزماري وكاري تدخلان الفيلم وهما لا تفهمان العالم الذي تعيشان فيه! الفيلمان يجعلان المشاهد يكتشف العالم مع بطلتين بريئتين، لا مع شخصيتين تسيطران على الأحداث! وهذا يخلق حالة من القلق المستمر، لأن المعرفة دائماً متأخرة عن الخطر.

دي بالما

قد لا يوصف Carrie بأنه الانطلاقة الحقيقية لبراين دي بالما، لأن المخرج الأميركي من أصل إيطالي أنجز قبله أفلاماً صنفت مهمة على مستوى نوع الإثارة والرعب في السبعينيات منها Sisters (1972) وPhantom of the Paradise (1974) وObsession (1976)، لكن Carrie لفت الانتباه إلى موهبته بالفعل! وكان  أول نجاح جماهيري ونقدي كبير جعله اسماً رئيسياً في هوليوود.

خرج دي بالما من دائرة المخرج الواعد- كان قد بلغ ساعتها السادسة والثلاثين من العمر- إلى مصاف الأسماء القادرة على الجمع بين النجاح الجماهيري والتقدير النقدي، وهو إنجاز عززه ترشيح الفيلم لجائزتي أوسكار عن أفضل ممثلة (سيسي سباسيك) في دور كاري وايت وأفضل ممثلة مساعدة (بايبر لوري) في دور أم كاري المهووسة دينيا، وبدا Carrie وكأنه البيان الأول لأسلوب دي بالما الذي سيبلغ ذروته في العقود التالية؛ شغفه بتقسيم الشاشة، وحركته الإنسيابية بالكاميرا، واعتماده على الإيقاع الموسيقي في بناء التوتر، والمزج بين الحركة البطيئة والانفجار المفاجئ، إلى جانب ولعه بتحويل الصورة نفسها إلى أداة للسرد لا مجرد وسيط له، وهي العناصر التي ستتطور لاحقاً في أفلام مثل Dressed to Kill (1980)، وBlow Out (1981)، وScarface (1983)، وThe Untouchables (1987)، ثم Carlito’s Way (1993)، لتجعل من دي بالما أحد أبرز صناع سينما الإثارة في الولايات المتحدة، يستخدم النوع بوصفه مختبراً للشكل السينمائي، فالرعب والإثارة والجريمة ليست عنده غايات في ذاتها، بل أدوات لتجريب اللغة البصرية، وكأن سؤاله الأساسي هو كيف تبني الكاميرا التوتر؟ كيف يغير المونتاج إدراك المشاهد؟ كيف تتحول الموسيقى إلى عنصر درامي؟ ولهذا السبب ظل دي بالما، حتى لدى من يختلفون مع بعض أفلامه، يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر المخرجين اهتماماً بـخلق الصورة في السينما الأميركية الحديثة، لا مجرد صانع أفلام تشويق ناجحة! 

في النهاية لا يمكن النظر إلى Carrie باعتباره مجرد فيلم ناجح؛ لقد كان لحظة ميلاد لعدة مسارات فنية تداخلت في لحظة واحدة؛ ميلاد ستيفن كينج كظاهرة أدبية، وترسيخ براين دي بالما كأحد أبرز مخرجي السينما الأميركية الجديدة، وصعود سيسي سباسيك إلى الصف الأول في التمثيل، ولهذا يبدو الاحتفاء بمرور خمسين عاماً عليه احتفاءً بعمل لم ينجح فقط، بل غيّر مسارات كاملة في الأدب والسينما الأميركية.

* ناقد فني