داستن هوفمان يُلقي كلمة تكريمه: ثقل سنين واختبارات (جيرارد ماتزكا/Getty)
بداية الدورة الـ60 (3 ـ 11 يوليو/تموز 2026) لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي، أقلّه في أول فيلمين يُعرضان للصحافة والنقد في اليوم الأول بعد حفلة الافتتاح، تُثير قلقاً إزاء المختار في مسابقة الكرة الكريستالية. بينما مسابقة بروكسيما تشي ببعض جماليات، مع أنّ المسألة الأبرز ستكون الأسرة ومشاكلها، بحسب فيلمين آخرين يعرضان للصحافة والنقد أيضاً بعد ظهر أمس الأول السبت.
هذا توقّع يستند إلى إحساس، فيه شيءٌ من النقد. مع أن الإحساس يُفترض به ألا يرتبط بفيلمين اثنين فقط من أصل 12 فيلماً في المسابقة، والعدد نفسه لأفلام بروكسيما. لكن، لا بأس بتوقّعات انفعالية، والكتابة النقدية مؤجّلة إلى مقالة أخرى. فهذه بداية، والبداية تُحرِّض أحياناً على قول غير نقدي كلّياً.
أول فيلمين يُشاهَدان في المسابقة يتشابهان في انزياح قليل للسينما عن معالجة درامية لمسألة، تنتشر كثيراً في صناعة الأفلام، الغربية تحديداً: العلاقات الأسرية. ومع أن مسألة كهذه مهمّة، اجتماعياً وثقافياً وأخلاقياً وانفعالياً، ينوء فيلما “شيكا شِكا” (Chica Checa) للتشيكي سايمون هولي و”عائلة سعيدة” للسويسري يان ـ إيريك ماك (إنتاج 2026)، تحت ثقل بلادة بصرية يمكن تفاديها، بتقصير مدتهما (الأول 97 د. والثاني 121 د.). فبعض المشاهد أطول من أن تُحتمل، إذ لا فائدة درامية وجمالية منها، بل قدرة على إثارة ملل.
والبداية أيضاً معقودة على حفلة افتتاح، يُكرَّم فيها الأميركيان داستن هوفمان وماغي جيلينهال، الأول بمنحه جائزة الكرة الكريستالية الفخرية، “تقديراً لمساهماته الفنية المتميزة في السينما العالمية” (العربي الجديد، 3 يوليو/تموز 2026)، والثانية بمنحها جائزة الرئيس، التي تُعطى لمن “يُساهم بشكل كبير في تشكيل السينما العالمية المعاصرة” (العربي الجديد، 17 يونيو/حزيران 2026)، إضافة إلى جيسي أيزنبورغ البولندي الأميركي.
لكن هوفمان أكثر تأثيراً في مشهدٍ، يكشف شيئاً من حالته الراهنة بسبب شيخوخته. فالممثل (والمنتج والمخرج) سيبلغ 89 عاماً في 8 أغسطس/آب المقبل، ما يعني أنه يحمل ثقل سنين ومهنة واختبارات ومواجهات، وكلمته تقول حنيناً وحبّاً إلى ماضٍ يصنع بعض تاريخ وحكايات، في السينما وأميركا والسياسة والثقافة والاجتماع. يقول أيضاً إنه واقع في حبّ التمثيل “منذ اللحظة الأولى لشعوري بفقدان الإحساس بالوقت”. فهو يدرك بالفطرة أن هذه الحياة يريد عيشها: “أريد فقدان إحساسي بالوقت، والاندماج فيه (في اللحظة نفسها). لماذا؟ لأن هذا يجعلني أشعر بأني (لا أزال) حيّاً”. هذا غير مانع أن يعتذر عن عدم إجراء مقابلات (إعلام وإذاعة ومطبوعات)، ولقاءات عامة، رغم استجابته لأناس يتجمهرون أمام مقر المهرجان لسلام وتوقيع سريعين. هذا يتردّد في كواليس المهرجان.
إلى ذلك، يستمر المهرجان في إنتاج أشرطة قصيرة جداً (أقلّ من ثلاث دقائق إجمالاً)، تُعرض قبل عروض أفلام المسابقة، “أبطالها” مُكرّمون ومُكرّمات سابقون، يُمنحون جائزة الكرة الكريستالية الفخرية. هؤلاء يتعاملون مع تمثال الجائزة بسخرية ضاحكة وكوميديا هازئة. هذا غير موجود في بقية المهرجانات الأبرز، واعتماده سنوياً في كارلوفي فاري محصور بشخصية واحدة، يُتّفق معها على تنفيذه لحظة تكريمه. الشريط الجديد للسويدي ستلان سكاسغارد، إخراج التشيكي إيفان زاكرياس. اشتغالات الأشرطة سينمائية ومهمّة وجميلة، تصويراً ومونتاجاً وكادرات ومضموناً، “تُريح” المُشاهِد قبل مشاهدته مصائب أقوام وأزمات تتعلّق بمسائل جمّة.
مع سكسغارد، يُخيّم الرمادي على مركب صيد، يقوده الممثل وسط بحيرة. عند توقفه في وسطها، لا يجد معه غير تمثال تكريمه بالدورة الـ59 (4 ـ 12 يوليو/تموز 2025) كي يُثبّت المركب، فيرميه بالبحيرة، ويُكمل تأملاته وسط شيءٍ من الصمت، وكثير من السخرية المبطّنة. هذه الأخيرة تُذكّر بشريط لزاكارياس نفسه مع الأميركي جوني ديب، المنجز بالدورة الـ57 (30 يونيو/حزيران ـ 8 يوليو/تموز 2023): تبلغ السخرية ذروتها فيه، لأن الممثل غير حاصل البتة على أي جائزة من المهرجان، ومع هذا، بلقائه سيدة في بهو فندق، يُخرج تمثالاً من حقيبة الكمان الجهير، ويضعه على الطاولة أمامها، فتصدم بمفاجأة غير متوقّعة. واضح أن التمثال “مسروق”، فاسم ديب مكتوب عليه بطريقة غير مستخدمة في تماثيل كهذه.
هذا جزءٌ من مشهد يرافق افتتاحاً، ويتابع أول عروض. جزءٌ آخر منه يتمثّل بمعارض صُور فوتوغرافية. فبعد عامين على تنظيم معرض “نجوم”، للسلوفاكي تونو سْتانو (العربي الجديد، 8 يوليو/تموز 2024)، بالدورة الـ58 (28 يونيو/حزيران ـ 6 يوليو/تموز 2024)، يُقام معرض متواضع يضمّ 12 صورة فوتوغرافية، بالأسود والأبيض كما بالألوان، “بطلها” فاتسلاف هافل (1936 ـ 2011)، المسرحي والسياسي ورجل الدولة التشيكوسلوفاكية ثم جمهورية التشيك، وعلاقته بمهرجان كارلوفي فاري. صُور كبيرة الحجم (بالطول والعرض) توثّق لقاءاته مع سينمائيين وسينمائيات تشيكيين وأجانب، في أعوام مختلفة، بدءاً من 1994.
حاملاً بإحدى يديه سيجارة. جالساً في سيارة أو على مقعد في أروقة المهرجان. واقفاً يتحدّث أو لالتقاط صورة. بهذا، يظهر هافل كمن له في السينما حضور قديم. أسماء يلتقيها: ميلوش فورمان، ووبي غولدبيرغ، روبرت ريدفورد، شارون ستون، جيري بارتوشكا (2001) رئيس المهرجان، وآخرين وأخريات. أما الصورة المختلفة قليلاً، فتجمعه بمادلين أولبرايت، السياسية الأميركية المولودة ببراغ عام 1937، والمهاجرة مع أهلها إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1948.
في الصُّور تلك عالمٌ متكامل، في زمن اضطرابات، ينجو بلده من عنفها. صُور تؤكّد مكانته في الثقافة والفنون، وهذا يُعتبر أساسياً في المهرجان.
