يحصل أن تَحول أسباب دون تصوير فيلم في بلدِ شخصياته. منطقتنا أليفة مع ذلك، لأفلام فلسطينية أو إيرانية مثلاً، أو حتى للفيلم الفائز بالدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الأخير، «رسائل صفراء»، الذي صُور في برلين وهامبورغ، على أنهما أنقرة وإسطنبول، وكلها لأسباب سياسية. فيلم المخرجة اللبنانية دانيال عربيد، الذي افتتح مسابقة «بانوراما» في المهرجان ذاته، صوّرته في فرنسا على أن المَشاهد والشخصيات وقصصها، تدور في بيروت.
ينحصر هذا الاضطرار، عموماً، في شكل الفيلم، مع اجتهادات لفريق العمل على الإيحاء بأن المكان فعلاً مطابق لما أريدَ له أن يكون وإن حالت أسباب دون التصوير حقيقةً في البلاد. ثم تخرج آراء تلوم إخفاق الفيلم، كما حصل مع «ولد من الجنة» الذي تعذّر تصويره في القاهرة، ودائماً لأسباب سياسية.
في «لمن يجرؤ» استحال التصوير في بيروت بسبب القصف الإسرائيلي، كما قرأنا عن الشاشة أوّل الفيلم، وحاولت المخرجة الإيحاء، من خلال تصوير داخلي أو ليلي تحديداً، أو بلقطات مقرَّبة، بمحيط محدود، وديكورات منتقاة، حاولت الإيحاء بأن القصة هذه تدور في بيروت. ارتقى الإيحاء إلى حد فاصل بين الواقع والوهم. كان مقنِعاً إلى القدر الذي لا يخلق ارتياحاً تاماً لكونه مصوّرا في بيروت، فلا مشهد في شوارع وأمام محال معروفة هناك على الأقل، والذي في المقابل يخلق، بالتوازي، وهماً ثابتاً بأنها بيروت، لهذه التفاصيل المقرَّبة وتلك. فالمدينة لا تُصنع صورُها بممراتها وحواريها وحسب، بل بالمركون على حواف الممرات ووسط الحواري وداخل البيوت وأمام المقاهي. لم تختفِ المدينة هنا، فأشياؤها، وتحديداً شخصياتها، حضرت بالتمام الذي أمكن لها أن تحضر فيه الآن وهنا في بيروت.
حالة المابين هذه، حالة البرزخ/الليمبو بين الواقع والوهم، وإن كانت اضطرارية لأسباب قاهرة، فإنها أتت، أخيراً، بما يماهي في الفيلم ما بين عمليات إنتاجه، التصوير تحديداً، والفيلم الروائي الذي خرجت به هذه العمليات، أي ما بين التصوير الواقعي والمصوَّر الخيالي. هنا، في حالة المابين هذه، كان الوهم، تماماً، بصدفةٍ ما كان للمخرجة أن تنالها لو أنها صوَّرت، بواقعية وعاديّة. في بيروت. وهم عملية الصناعة هذا تآلفَ مع وهم الحب الذي عشناه على طول الفيلم، امتدّ من المشهد الأول للفيلم حتى الأخير منه. وهمُ حبٍّ متراوحٍ بين الاستحالة والاحتمال.
في مشهد سيجلس الحبيبان على مقعد على كورنيش بيروت. واضح التركيب فيه، صورة من بيروت للخلفية والحبيبان في استديو في فرنسا. هذه الإحالة ما بين خلفية الصورة وواجهتها، ستعود إليها عربيد في المشهد الأخير لتجلس الحبيبةُ لوحدها، ثم تخرج من الكادر، من الوهم، لتدخل إلى واقع تلحقها فيه الكاميرا في استديو مزدحم بفريق العمل ومعداته. هذا هو الواقع الذي دخلت إليه الحبيبة، خارجة من قصة حب مستحيلة في واقع بيروت، وغير بيروت. ينتهي الفيلم بمشهد «فيلم داخل الفيلم»، مؤكداً وهمية ما كنّا نشاهده، ما كنا نسمعه ونحسه من حب جمّع كلّ المعيقات محاولاً تخطّيها. ولأن قصص الحب لا تكون مثالية، ولا يكون الحب مثالياً، إلا بمعيقات كثيرة، وإلا بطغيانها وانهزام الحب أمامها، كان الحب في هذا الفيلم مثالياً.


في الفيلم «سوزان»، (هيام عباس) بأداء بديع، تنقذ في المشهد الأول، عاملاً سودانياً يتعرض للضرب، وتسعفه في بيتها. تنشأ علاقة حب بينهما. هو بلا أوراق ثبوتية ويحاول إكمال هجرته إلى أوروبا. يتنقّل من عمل لآخر، يتعرض للاحتيال، ولأشكال لا تنتهي من العنصرية. وهي فلسطينية ومسيحية وأرملة وتكبره بأربعين عاماً. لا زميلاتها في محل بيع الأقمشة يتقبلون العلاقة ولا جيرانها ولا حتى أبناؤها، وتتلقى من جميعهم إهانات لا تنتهي. لكنها، وكذلك حبيبها عثمان، يعيشان خارج كل تلك البشاعة، بيتها مملكة لهما، مملكة من الوهم، ذلك الذي ما إن ينتهي ينتبه أحدنا إلى شساعة المساحة ما بينه وبين واقع قاهر وبشع.
للفيلم نغمات بيانو من «دخلت مرة في جنينه» تغلّف الحبَّ وتزيد من وهميّته. فيلم شديد الحساسية والجمال، في روحه كما نشعر بها من كلام شخصياته وملامحها، وهو كذلك بكل ما فيه، بالتصوير الليلي في معظمه، الحُلميّ، بألوانه الحيوية في بيتها، والقاتمة في العالم خارجه، بمحيط سوزان وعثمان، إذ لا يتقبلهما سوى المحرومين والمهمشين مثلهم، لأسباب دينية وعرقية وقومية وجندرية.
هذه الرهافة بين امرأة ورجل يدخلان علاقة حب (أو يدخلان جنينة) تخالف كل ما تراكم من سرديات للحب في السينما، رأيناها في أفلام للفنلندي أكي كاوريسماكي. وإن كان الحب هناك محصوراً بالفقر والطبقات العاملة، في «لمن يجرؤ» فقر وطبقيّة وكذلك عُمر وعِرق وكله في مجتمع موبوء بالعنصرية والتنميط ورهاب كل ما هو مخْتلف، وتخلُّف وسقوط إنساني. «لمن يجرؤ» يجمع، بجمالية وحساسية تسمح بهذه المقاربة، بين كاوريسماكي والألماني راينر فاسبيندر، حيث الحب يتخطى الهويات الجنسية والعرقية. في كلا التجربتين الأوروبيتين علاقات حب غير مقبولة، أو على الأقل غير متوقَّعة، لا يعني كثيراً تمكنُّها من تخطي العقبات، فهي، كما في فيلم عربيد، علاقات حب لا تكون مثالية ومكتملة إلا بوصفها وهماً. الحب هنا يصل مدياته في الوهم.
«لمن يجرؤ» واحد من أجمل وأرقّ الأعمال في السينما العربية خلال السنوات الأخيرة، جمع كماً هائلاً ونوعاً مريعاً من العقبات، ثم نفضها كأنها غبار، مقابل حبٍّ كبير استطاع بالوهم والإيحاء المرورَ من خلالها، كالطيف عابراً العالم، أو داخلاً جنينة.

كاتب فلسطيني سوري