لقد بات هذا المصطلح متجذراً بعمق في قاموسنا اللغوي المعاصر، لدرجة أننا نسينا أنه كان ذات يوم مجرد عنوان لعمل فني. فقبل عقود طويلة من تحول تعبير (Gaslighting) «التلاعب النفسي» إلى كلمة ريادية دارجة في الثقافة الشعبية وركيزة أساسية في العيادات النفسية، كان هذا المصطلح يمثل أداة مادية وآلية ملموسة لبث الرعب في فيلم الإثارة النفسية الشهير «Gaslight» للمخرج جورج كوكور عام 1944.

​الفيلم -المقتبس عن مسرحية الكاتب باتريك هاملتون عام 1938- أعاد، وبشكل جذري، صياغة الحمض النووي لسينما التشويق في هوليوود. فمن خلال نقل مصدر الفزع والترويع من الوحوش الخارجية إلى هندسة وبنية العقل البشري، وضع فيلم «Gaslight» التيمات والقواعد التأسيسية التي قام عليها فيلم الإثارة النفسية الحديث.

وقبل أربعينيات القرن الماضي، كان الفزع السينمائي يرتكز في مجمله على ثنائية الظلال والوحوش؛ كالقلاع الكئيبة في فيلم «Dracula» لـ استوديوهات يونيفرسال، أو الغيلان التعبيرية المخيفة في عصر السينما الصامتة.

غير أن فيلم «Gaslight» كان سبّاقاً في إحداث نقلة ترويعية نحو الداخل؛ حيث تتبع القصة مسيرة «بولا ألكويست» التي جسدتها إنغريد برغمان ونالت عنها جائزة الأوسكار، وهي تُساق بشكل ممنهج نحو الشك في قواها العقلية بفعل تدبير زوجها ذي الشخصية الساحرة «غريغوري أنتون» (تشارلز بوير).

لم يكن سلاح غريغوري سكيناً، بل كان تلاعباً بطيئاً ومدروساً بدقة بواقع «بولا» – وهو ما تجسد في أبهى صوره السينمائية عبر خفوت أضواء مصابيح الغاز في منزلهما اللندني – والتي كان يصرّ الزوج على أنها محض أوهام من نسج خيالها.

​وقد قدّم هذا الطرح نمطاً جديداً من الشخصيات الشريرة في السينما الأمريكية: «الوحش الأليف». فلم يعد التهديد كامناً في شخص غريب يترصدك في زقاق مظلم، بل في ذات الشخص الذي يشاركك الفراش.

وبعد مرور عقود، سارت أفلام مثل «Rosemary’s Baby» عام 1968، و«The Shining» عام 1980، و«The Invisible Man» عام 2020 على نفس المخطط بحذافيره؛ محتجزةً شخصياتها في مساحات تحول فيها ملاذهم المنزلي الآمن إلى سجن خانق.

إن العبقرية لأثر فيلم «Gaslight» تكمن في تلاعبه بعلاقة الجمهور بالبطل؛ ففي قصص الغموض التقليدية يحاول المشاهدون حل الجريمة جنباً إلى جنب مع المحقق، أما في «Gaslight»، فإن الجمهور يُدفع دفعاً نحو حالة من القلق، لأنهم يرون الحقيقة الساطعة في الوقت الذي جُرِّدت فيه البطلةُ ووُجِّهت نفسيّاً لإنكارها.

​وقد تولد عن هذا التوتر بزوغ تيمة «الإدراك غير الموثوق» التي باتت تُحدد معالم التشويق النفسي المعاصر، إذ يفرض الفيلم على المشاهد حالة عميقة من التعاطف؛ فنحن نختبر مع «بولا» تشتتها الذهني، ونعايش معها ذلك الإحباط المرير الناجم عن عدم تصديق الآخرين لها.

​وفي كل مرة يرتكز فيها فيلم إثارة معاصر على بطل تشكك البيئةُ المحيطة في سلامة قواه العقلية – سواء كانت «جودي فوستر» وهي تبحث عن ابنتها المفقودة في فيلم «Flightplan» عام 2005، أو «ليوناردو دي كابريو».

وهو يفكك طلاسم الغموض في فيلم «Shutter Island» عام 2010 – فإن صناع هذه الأعمال يلهون في المساحة الإبداعية ذاتها التي شيدها فيلم «Gaslight». إن المحرك الأساسي لهذه الأفلام هو: هل يحدث هذا فعلاً، أم أنها أوهام في رأسي؟

​وضع فيلم «Gaslight» أيضاً المعايير للغة الجمالية والبصرية الخاصة بالفزع النفسي؛ إذ وظفت إدارة التصوير بقيادة «جوزيف روتنبرغ» الظلال العميقة والإضاءة الحادة ذات التباين العالي لتجسيد عالم «بولا» الآخذ في الانكماش، وشكوكها الآخذة في التمدد بصرياً.

وجاء خفوت مصابيح الغاز ليكون استعارة بصرية لتآكل الحقيقة وانحسارها – وهي تقنية بصرية لا يزال يتردد صدى محاكاتها في الأسلوب السردي لمخرجين من طينة «ديفيد فينشر» و«دارين أرونوفسكي».

​وفي نهاية المطاف، تمثلت المساهمة الكبرى لفيلم «Gaslight» في سينما التشويق في إدراكه أن العقل البشري هو المسرح الأعتى والأبرز لقصص الرعب؛ فقد برهن على أن الشرير يمكنه إلحاق دمار شامل بضحيته، بمجرد تحويل عقل الضحية إلى سلاح موجه ضد ذاتها.

وبعد مرور ثمانين عاماً، وفي الوقت الذي يواصل فيه صناع الأفلام استكشاف الهشاشة المرعبة للحقيقة، لا تزال مصابيح «Gaslight» المتذبذبة تلقي بظلالها الطويلة والعبقرية على مشهد السينما النفسية بأكمله.