عنب بلدي – أمير حقوق
منذ بداياتها، استطاعت الفنانة السورية ناهد الحلبي أن تحجز لنفسها مكانًا ثابتًا في ذاكرة الدراما السورية، عبر عشرات الشخصيات التي تنقلت بين الاجتماعي والتاريخي والبيئة الشامية.
الحلبي واحدة من الفنانات اللواتي واكبن تطور الدراما السورية على مدار عقود، وشهدن تحولات المشهد الفني بكل مراحله، من سنوات ازدهاره إلى التحديات التي يواجهها اليوم.
ورغم هذا المشوار الطويل، لا تتعامل الحلبي مع تجربتها بوصفها محطة مكتملة، بل ترى أن الفنان يبقى في حالة تعلم مستمرة، وأن النجاح الحقيقي لا يتحقق بالاعتماد على ما أُنجز في الماضي، وإنما بالقدرة على التجدد، واختيار الأدوار التي تضيف إلى مسيرته وتواكب التحولات التي يعيشها المجتمع.
في هذا الحوار مع عنب بلدي، تتحدث ناهد الحلبي عن فلسفتها في الاستمرار، ورؤيتها لواقع الدراما السورية بعد المرحلة الجديدة التي تعيشها البلاد، وأزمة النصوص، ومعايير اختيارها للأدوار، إضافة إلى أهمية الانفتاح العربي على الإنتاج السوري.
التطور.. شرط البقاء في المهنة
تؤمن الفنانة ناهد الحلبي في حديثها بأن الفنان لا يملك رفاهية التوقف عند إنجازاته السابقة، فالفن بالنسبة إليها مهنة تتغير باستمرار، وتتطلب مواكبة دائمة لكل ما هو جديد، سواء على مستوى النصوص أو الأداء أو طبيعة الموضوعات التي يطرحها المجتمع.
وقالت إن أي شخص يعمل في أي مجال يحتاج إلى تطوير نفسه باستمرار، لكن الفنان مطالَب بذلك أكثر من غيره، لأن الجمهور وذائقته وأدوات الصناعة تتغير، ولذلك فإن الجمود يعني التراجع تلقائيًا.
وأكدت أن ما وصلت إليه اليوم هو نتيجة سنوات طويلة من العمل المتواصل، والإيمان بالمسؤولية تجاه المهنة، وليس نتيجة الحظ أو المصادفة، بل حصيلة شغف حقيقي بالفن وحرص دائم على تقديم الأفضل.
لا تنكر الحلبي أن الجمهور لا يزال يحمل حنينًا كبيرًا إلى الأعمال السورية التي صنعت ذاكرة الدراما خلال العقود الماضية، لكنها ترى أن هذا الحنين ظاهرة طبيعية تتكرر مع كل جيل، ولا ينبغي أن يتحول إلى معيار للحكم على الإنتاج الحالي.
وترى أن لكل مرحلة أعمالها التي تعبر عنها، وأن الدراما ليست مطالبة بإعادة إنتاج الماضي، بل بصناعة أعمال جديدة تلامس قضايا الناس اليوم، وتنسجم مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية التي يشهدها العالم.
وأضافت أن الأهم هو التفكير فيما يمكن تقديمه للمستقبل، لأن كل زمن يحتاج إلى حكاياته الخاصة، وليس إلى استنساخ ما مضى.
الدراما ليست مطالبة بإعادة إنتاج الماضي، بل بصناعة أعمال جديدة تلامس قضايا الناس اليوم، وتنسجم مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية.
ناهد الحلبي
فنانة سورية
النص أولًا.. ثم تأتي الشخصية
رغم تنوع الشخصيات التي قدمتها خلال مسيرتها، أكدت الحلبي أنها لا تضع قالبًا محددًا لاختياراتها، بل تمنح الأولوية للنص المتكامل.
وأوضحت أن الشخصية تصبح جذابة عندما تكون مكتوبة بشكل جيد داخل عمل متماسك، مؤكدة أن أكثر ما يحفزها هو أن تجد دورًا يحمل تحديًا جديدًا ويمنحها مساحة مختلفة للأداء، ولذلك فإن قرار المشاركة في أي عمل يبدأ من جودة النص قبل أي شيء آخر.
وفي السياق، تواصل الحلبي حضورها الفني من خلال مشاركتها في المسلسل المعرّب “حب ع ورق” الذي يُعرض حاليًا، كما بدأت تصوير مشاهدها في المسلسل السوري المصري “عيلة تعمل عمايل”، في تجربة جديدة تعكس اتساع مساحة التعاون بين الدراما السورية ونظيرتها العربية.
رحلة طويلة ورضا عن المسيرة
بعد سنوات طويلة من الوقوف أمام الكاميرا، تنظر ناهد الحلبي إلى مسيرتها بكثير من الرضا، ليس فقط بسبب عدد الأعمال التي قدمتها، وإنما لأنها استطاعت الحفاظ على احترامها لمهنتها طوال هذه السنوات.
ورفضت ربط الفن بالممارسات الفردية لبعض الأشخاص، مؤكدة أن الفن في جوهره رسالة إنسانية ومهنة راقية، وأن الأخطاء تبقى مسؤولية أصحابها، ولا يجوز تعميمها على الوسط الفني بأكمله.
وترى أن أكثر ما يمنحها الشعور بالفخر هو أنها استطاعت أن تحقق حضورًا محترمًا، وأن تبني مسيرتها على الالتزام والعمل الجاد.
النصوص.. الحلقة الأضعف في الدراما
عند الحديث عن واقع الدراما السورية اليوم، أشارت الحلبي إلى أن الأزمة الأبرز تكمن في النصوص، معتبرة أن هذه المشكلة لا تقتصر على سوريا وحدها، بل تعاني منها الدراما العربية عمومًا.
وترى أن النص الجيد هو نقطة الانطلاق لأي عمل ناجح، وأن توفر ممثلين متميزين أو إنتاج ضخم لا يكفي إذا لم تكن الحكاية نفسها قادرة على جذب الجمهور وإقناعه.
أبرز أزمة تواجه الدراما السورية اليوم هي أزمة النص.
ناهد الحلبي
فنانة سورية
الدراما الاجتماعية.. الأقرب إلى الناس
شهد الموسم الرمضاني الماضي طغيان الدراما الاجتماعية على بقية الأنواع الدرامية، وهنا تعتبر الحلبي أن عودة الدراما الاجتماعية إلى الواجهة بعد التحولات التي شهدتها سوريا أمر طبيعي، لأن المجتمع يعيش مرحلة مختلفة تحتاج إلى أعمال تناقش قضاياه وهمومه اليومية.
وأكدت أن الدراما المعاصرة يجب أن تكون مرآة للناس، تنقل واقعهم وتطرح أسئلتهم، ولذلك فإن الأعمال الاجتماعية القادرة على ملامسة تفاصيل الحياة اليومية تكتسب أهمية مضاعفة في هذه المرحلة.
التعاون العربي يفتح آفاقًا جديدة
في ختام حديثها، أعربت ناهد الحلبي عن تفاؤلها بمستقبل التعاون الفني بين سوريا والدول العربية، معتبرة أن الانفتاح على تجارب عربية مختلفة ينعكس إيجابًا على الفنانين وعلى مستوى الإنتاج.
وأكدت أن العمل إلى جانب فنانين من مصر ولبنان والأردن وسائر الدول العربية يثري الخبرات، ويمنح الدراما السورية فرصًا أكبر للحضور، ويسهم في تطوير التجربة الفنية وتبادل الرؤى بين مختلف المدارس الدرامية العربية.
Related
