الطريق إلى “بشمزين” بزيتونه وأخضره يمر من قلب الفنانة ديما يوسف ربيز المفعم بالحب والدفء. تحيي ربيز ما تجد من مواد وقماش، وتُجدّد فيها الحياة بـ”درزها” إلى جانب أقمشة أخرى أو مواد أخرى تتناغم فيما بينها.
أقامت الفنانة والمصممة ديما معرضها الفردي الأول «[In] Seam» مما كانت تجمعه وتفرزه من مواد على مدى أكثر من عشر سنوات في معرض ماهر العطار في الجميزة أثناء “أيام بيروت الفنية”.
أُلهمت من قطعتي قماش بشكل مثلث لعملها “بيت” فأصبحت تبحث عن أقمشة مربعة لتكمل درز شبابيكه وأبوابه وحيطانه. يتقاطع عملها مع الحرب القائمة في لبنان واللبنانيون الذين خسروا بيوتهم وتهجروا منها. والناس تحتاج للأمان والحماية والاستقرار والبيت هو مصدر ذلك كما عبّرت لـ”المدن” في مقابلة معها.
في لوحة “بيروت السبعينات” استخدمت الفنانة المتعددة الوسائط ربطات عنق والدها التي تعود لفترة السبعينات، تلك الربطات العريضة. ضمتها إلى أقمشة أخرى وخاطت بها اللوحة. وجدت ربطات عنق والدها بعدما توفى وكانت ترتب أغراضه. امتد عمر تلك الربطات في عملها الفني إلى جانب أقمشة أخرى بنوعيات مختلفة وألوان مغايرة لكنها دائمة متناغمة.
المصممة ربيز التي درست تصميم الأزياء في الجامعة اللبنانية الأميركية تملك عينين تبحثان عن الجمال والإيجابية في كل شيء: “ما بلاقي شي بلا عازة” تقول. كل ما يرميه الناس أو ربما ما تجد على الطريق ترى فيه شيئًا يجذبها. تجمع ما يلفت نظرها وتشعر أنه يناديها، تنظفه، تفرزه، حتى يأتي ما ينسجم معه من أقمشة، حديد، بلاستيك، مطاط، أو أي شيء آخر وتعلم أنها “ليست لوحدها، ثم تجتمع من تلقاء نفسها”.
نشأ حب التجميع والفرز وإعادة التدوير عند ربيز منذ طفولتها وتحديدًا أثناء عطلها الصيفية في بشمزين في الكورة. لم تكن جدتها أو عمتها يرمون أي شيء تقريبًا مثلًا كالزيت المقلي الذي كان يستفيد منه أحدهم لصنع صابون منخفض الجودة.
تشعر أننا بحاجة للحنان وللاهتمام ببعضنا وأن “نمسك”. ترى أننا نحتاج لـ”العبطة” وليس للقبلة فقط: “بدك العبطة، بدك تحسي بالحرارة الإنسانية”.
لوحة “محادثات بيرت” أخذت حوالي ثماني سنوات حتى أصبحت ما هي عليه اليوم. اللوحة هي عملها الأول وقد اقترح أستاذها عليها الاسم واختارت أن تبقيه لأنها رأت فيه «أضوية» منطقة «الحمرا» وزحمتها وكيف تسير الحياة فيها متداخلة ببعضها. تعني لها هذه اللوحة الكثير وقد أخذت منها كل هذه السنوات لتجد «قطع البازل» الخاصة فيها لتنجزها.
تترك الفنانة ديما الأبر في أعمالها. تشعر وهي تخيط أن الإبرة لا تريد مغادرة القماش ولا الخيط: «بركي هيدول هيك بدن يبقوا؟». فتتركها بحب إلى جانب «أصدقائها الجدد» لتعيش معهم حياة جديدة.
«قوس قزح»
لطالما كان يلفت انتباه ربيز الأقمشة «المبرومة» الشكل. كانت تجمعهم لكن لا تدري ماذا تصبع بهم، حتى وضعتهم إلى جانب بعضهم لتستكشف ذلك. مارست الكثير من الحركات الرياضية أثناء خياطة «قوس قزح»، فقد أخذت مساحة كبيرة وأماكن مختلفة قبل أن تأخذ شكلها النهائي. «قوس قزح» هو العمل الذي يحمل توقيعها الشخصي لأخذه أيضًا ثماني سنوات ليُستكمل. تضم أقمشته «درزات» الخيوط الصفراء جامعة فيه الكثير من التاريخ والأقمشة.
تنتبه ربيز للون الخيط الذي تستخدمه أثناء درزها، كما يغير الرسام ألوانه. الأخضر هو لونها المفضل: «إذا كان أخضرًا يصبح تلقائيًا شيئًا ثمينًا» تقول. استخدمت زجاج مقاوم للانعكاسات في براويز بعض أعمالها رغم تكلفتهم العالية لحفظهم.
تجد الدفء الإنساني في أعمالها الثماني عشرة في «نظرتها» التي ترى فيها الأشياء. تبحث عن الجمال الموجود والجمال الذي سيخلق. تؤمن أنه يجب الانتباه لكل شيء وبذلك تكتشف الأشياء الإيجابية فيه: «بدك تغيري النظرة».
نظرة ربيز إلى الأشياء والمواد والألوان والقماش وأكياس الثوم والبصل وتنكات المشروبات الغازية، نظرة ملئها الدفء الإنساني والحنان والتعاطف والقرب العاطفي والتعبير عنه بالعناق الجسدي واللمس والملمس.
«درزة» هو معرض راكم سنوات من الانتباه والالتفات والعناية والاهتمام بتفاصيل كانت ستكون قمامة. حفظت الفنانة ديما ماضي حيواتها. وكما ال«درزة» التي تُبقي الأشياء متماسكة ومضمومة و«محتضنة» دون أن تُرى أو تلفت الانتباه، منحتهم روحًا جديدة من الدفء والاهتمام والمسؤولية والاستمرارية والحب.
