د. بسكال الديب*

بعد قراءة الكتاب الأول الصادر باللغة الفرنسية والذي يحمل عنوان “بعد الحرب؟ التهديد على أبوابنا” لميشال فياض، المتخصص في الاقتصاد والطاقة وباحث في أطروحة دكتوراه تهدف إلى معالجة موضوع غياب سيادة الدولة اللبنانية بين 1984-1986، يلفتنا عملية ربط الماضي بالحاضر وبالمستقبل. كما يستوقفنا التطرق إلى موضوع يُعدّ من المسائل الجدلية في علم السياسة وفي القضايا الدولية المعاصرة. هاتان النقطتان أساسيتان سنقوم بالتطرق لهما في ملخص يختصر هذا الكتاب.

عند قراءتنا لعنوان الكتاب نعتقد للوهلة الأولى أن فياض يتكلم عن حرب مستقبلية محتملة بين لاعبين دوليين أو اقليميين. لكن القراءة حتى نقطة الخاتمة تجعلنا نعرف ما هي الحرب التي يريد الكاتب أن يبرهنها. قدّم الكاتب ربطاً مهمّا بين الماضي والحاضر والمستقبل وبالتحديد ربط تاريخ بعض دول الشرق الأوسط وبالأخص إيران ولبنان وإسرائيل بحاضر الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وبمستقبل فرنسا. اعتبر أن الحرب القائمة بين ايران والولايات المتحدة لن تكون الأخيرة.

 ينطلق فياض من الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط في أواخر شباط الفائت ليغوص من بعدها في عرض لمكونات النظام الإيراني ودوره في المنطقةـ يتوقف عند الدور الايراني في لبنان في ثمانينات القرن الماضي. كما يذكر أن دور هذا النظام كان أساسياً في تغيرات الشرق الأوسط، خاصة عن طريق تأسيس الأذرع كـ”حزب الله” والحوثيين والحشد الشعبي في العراق إضافة إلى دعم “حماس”. يذكر الكاتب أن الهدف من ذلك هو تطبيق الاستراتيجة التي وضعتها الجمهورية الإسلامية والقائمة على عدم مهاجمة إسرائيل والولايات المتحدة بطريقة عسكرية مباشرة إنما بواسطة الأذرع. يشرح فياض كيف استطاعت إيران الاستفادة من الحرب في لبنان في ثمانينات القرن الماضي لتأمين صعود “حزب الله”. كذلك كيف استغلّت ظهور “داعش” في الموصل بعد إسقاط صدام حسين لتأسيس الحشد الشعبي ووضع يدها على الأمن في العراق.

يطرح ميشال فياض السؤال حول كيف يمكن لفرنسا القائمة على مبدأ العلمانية وفصل الدين عن الدولة أن تسمح بقيام أيديولوجيا على أراضها. ويقول أنه على الدولة الفرنسية إعادة النظر في روابطها مع الدول العربية. يشرح أن الاعتماد على بعض الدول العربية من قبل فرنسا بموضوع الطاقة والتعاون العسكري أصبح كبيراً، في وقت تقوم هذه الدول نفسها بتمويل الفكر الإسلامي المتطرف في فرنسا، من هنا على الدولة الفرنسية رفض هذا الامر  رفضاً قاطعاً. أما في ما يتعلق بسياسة الهجرة الفرنسية، يجب وضع موضوعي الاندماج وإتقان اللغة الفرنسية كأمرين ملزمين لمن يريد الإقامة على الارض الفرنسية. إضافة إلى أنه على الدولة أن تقوم بعملها في ما يتعلق بتأمين العمل وتحسين الوضع الاجتماعي لمنع أي تمويل إسلامي متطرف من تلبية حاجات اجتماعية هي بالاصل من واجبات الدولة.

أما النقطة المهمة هي تطرق الكاتب إلى حرب يمكن أن تواجهها فرنسا ناتجة عن الأيدلوجيات الإسلامية. من هنا يفتح الباب على وضع فرنسا فيما يتعلق بالإسلام السياسي ويقول أنه من غير الدقيق اختصار الإسلام السياسي في فرنسا بالخط الشيعي المتمثل بإيران، لأن الإسلام السياسي السني هو موضوع أساسي أيضاً. أما احتمال انهيار النطام الإيراني الذي يمكنه أن يحرر لبنان والعراق والشعب الإيراني لن يريح فرنسا من التطرف الإسلامي السياسي، لأنه سيتيح الفرصة للحركات السنية الراديكالية لتجد مكاناً لها لاعادة التمركز والانطلاق.

ما قدمه الكاتب من ربط بين الماضي والحاضر والمستقبل يبرز أهمية الإشكالية التي أراد أن يبرهنها. عالج في كتابه موضوعا ما زال الحديث عنه في فرنسا يشكل نوعاً من الحذر لدى الكثيرين، لأنّ الكلام عن فكر الإسلام السياسي وتهديداته للدولة الفرنسية يربطبه الكثيرون بنوع من الفوبيا.

لكن فياض بعلمه بواقع الشرق الأوسط وبتاريخ الدول فيها وبالأخص لبنان وأسباب الحرب التي أطلق عليها أهلية ولكن لم تكن كذلك كما ذكر، استطاع أن يجيب على إشكالية مهمة وهي أن الخطر الذي يمكن أن يطال فرنسا مصدره مزدوج أي خطين إسلاميين سياسيين رادياكليين . أما الحلّ حسب الكاتب فهو يمكن في إلزامية فرملة الدولة الفرنسية لهذا التهديد التطرفي الراديكالي.

* باحثة في السياسة الخارجية الأميركية وقضايا الشرق الأوسط