هناك لقطة في فيلم «The French Connection» لا تُعلن عن نفسها، كاميرا مثبتة بمسامير على مقدمة سيارة تندفع بسرعة جنونية تبلغ 90 ميلاً في الساعة تحت قضبان القطار العلوية في بروكلين، تلاحق قطاراً يمر من فوقها.

لا وجود لموسيقى تصويرية، ولا لقطات بالحركة البطيئة، بل مجرد تجسيد مرعب ومحايد لفيزيائية السرعة. وعندما طرح المخرج «ويليام فريدكين» الفيلم في عام 1971، لم يكن يصنع مجرد فيلم تحقيقات شرطية تقليدي، بل كان يفجر عبوة ناسفة لآلية سرد القصص في هوليوود.

​وصل الفيلم إلى الشاشات في لحظة تصدع تاريخية؛ حيث كان نظام الاستوديوهات القديم يتفكك وينهار، وحرب فيتنام مشتعلة، والجماهير متضايقة من الأكاذيب التي سادت العقد السابق.

وقد استوعب فريدكين هذا الأمر، إذ جرد «The French Connection» من العواطف والمثالية، مقدماً للجمهور بطلاً محورياً، هو المحقق «جيمي بوباي دويل»، الذي جسده «جين هاكمان» في أداء سينمائي أمريكي قد يكون الأبرز والأكثر تحديداً لمعالم تلك الحقبة، لم يكن بطلاً بالمعنى التقليدي بقدر ما كان رجلاً مدفوعاً بهوس شرس، فالمحقق «دويل» شخص متحيز، متهور، ومخطئ في كثير من الأحيان؛ إنه ينتصر في النهاية، لكن الفيلم يرفض أن يمنح هذا الانتصار أي شعور بالنزاهة الأخلاقية.

وما ابتكره فريدكين كان لغة بصرية تبناها صناع السينما اللاحقون وكأنها عقيدة فنية راسخة: كاميرات محمولة باليد ترصد تذبذب الحركة البشرية وتعثرها، وتصوير في مواقع حقيقية يُحوّل المدينة إلى شخصية بحد ذاتها لا مجرد خلفية للأحداث، وإيقاعات مونتاجية تعكس القلق والتوتر بدلاً من الارتياح.

​وقد غرس هذا الأسلوب الجمالي بذور العقد الذي تلاه مباشرة؛ إذ امتص المخرج «سيدني لوميت» هذا الأسلوب الوثائقي الجاف في فيلميه «Serpico» عام 1973، و«Dog Day Afternoon» عام 1975. كما أن المخرج «مايكل مان»، الذي شيد مسيرته المهنية بأكملها لاحقاً على قواعد وتفاصيل التوتر الإجرائي الشرطي وإضاءة المدن الليلية المعاصرة، أشار مراراً إلى أثر هذا الفيلم في صياغة أسلوبه الإخراجي برائعتيه «Heat» و«Collateral».

وحتى «مارتن سكورسيزي»، الذي خرج فيلمه «Mean Streets» إلى النور بعد عامين من فيلم فريدكين، اعترف بالضوء الأخضر والجرأة التي منحها فيلم «The French Connection» لصناع الأفلام لتقديم نيويورك كحقيقة معيشة وخالية من أي بريق أو تجميل.

وتحولت مطاردة القطار العلوي، الممتدة لاثنتي عشرة دقيقة كاملة دون حوار واحد، والمعتمدة بشكل شبه كلي على المؤثرات والمحاكاة المادية الواقعية، إلى المعيار القياسي والأصيل الذي تقاس بناءً عليه جودة إخراج أفلام الحركة والأكشن منذ ذلك الحين.

ولم يكن مكمن الراديكالية والتجديد في هذه اللقطات هو السرعة الفائقة، بل كان في «التبعات والخطورة الحقيقية»؛ إذ يحرص فريدكين على تصوير المارة والموجودين في محيط الحدث، مثل امرأة تدفع عربة أطفال، أو رجل يهم بالنزول من على الرصيف.

إن حجم المخاطر والمجازفة يبدو حقيقياً لأن القوانين الفيزيائية تبدو حقيقية، وهي كذلك بالفعل لأنها نُفذت واقعياً، فحتى منسق الخدع والمجازفات «بيل هيكمان» قاد تلك السيارة بتلك السرعات الجنونية وسط حركة المرور الحية واليومية لشوارع بروكلين.

​إن هذا الإرث الفني متغلغل في كل مكان اليوم؛ بدءاً من التزام سلسلة أفلام «Bourne» بالتصوير المهتز والقريب جداً من قلب المعركة، مروراً بإصرار «كريستوفر نولان» على استخدام المؤثرات المادية والموقع الحقيقي وثقله البصري في فيلم «The Dark Knight»، وصولاً إلى التحفظ والهدوء الإجرائي الصارم لـ«دنيس فيلنوف» في فيلم «Sicario».

لقد منح الفيلم الضوء الأخضر والجرأة لأعمال لاحقة مثل Chinatown، وNo Country for Old Men، وZodiac؛ وهي أفلام استوعبت جيداً أن الواقع الحقيقي لا ينحني أبداً لخدمة الرفاهية النصية.

​لم يصنع فريدكين سوى جزء واحد من «The French Connection»، لكن السينما واصلت إعادة إنتاجه وصناعته منذ ذلك الحين، نلمحه في كل فيلم تحقيقات يملك الجرأة لكي يثق بوعي جمهوره ويواجههم بالارتياب والضيق، وفي كل تتابع حركة وأكشن يكتسب الأدرينالين فيه قيمته من الثقل والواقعية، وفي كل عمل يملك الشجاعة لينتهي دون إجابات مريحة. إن هذا إرث ضخم وباهظ وممتد لفيلم دارت قصته ببساطة حول محققين، وشحنة مخدرات، وسيارة واحدة.