لم يعد الذكاء الاصطناعي في الدراما المصرية مجرد أداة تجريبية، بل أصبح شريكاً في صناعة الصورة، من تصميم شارات المسلسلات وتصغير أعمار الممثلين إلى بناء عوالم بصرية كاملة وإنتاج المواد الدعائية. وبينما يَعِد بخفض التكاليف وتسريع التنفيذ، يثير في الوقت نفسه أسئلة عن حدود التكنولوجيا في الفن ومستقبل الإبداع البشري. وقد شهدت الفترة الأخيرة توسعاً ملحوظاً في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل صناعة الدراما المصرية، ولا سيما في تصميم شارات الأعمال والمؤثرات البصرية، بما أتاح تنفيذ مشاهد معقدة بصرياً بتكلفة أقل ووقت أقصر مقارنة بالأساليب التقليدية، في تحول يعيد رسم خريطة الإنتاج التلفزيوني.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك مسلسل “أولاد الراعي”، بطولة مصطفى شعبان، إذ استعانت شركة المؤثرات البصرية بأدوات الذكاء الاصطناعي في تنفيذ تتر العمل، لتقديم رحلة بصرية توثق صعود أبطاله. ونجحت التقنية في إعادة الممثلين أحمد عيد وخالد الصاوي وماجد المصري إلى ملامحهم في العشرينيات، في معالجة رقمية جنّبت الإنتاج تكاليف تصوير كانت ستتطلب ميزانية ضخمة.
وفي مسلسل “اتنين غيرنا”، لجأ صناع العمل إلى توليد نسخ رقمية بالكامل من بطليه آسر ياسين ودينا الشربيني، ليظهرا في مشاهد راقصة داخل عوالم فانتازية صُممت بالذكاء الاصطناعي. كذلك امتد استخدام التقنية إلى الحملات التسويقية، إذ اعتمد صناع مسلسل “الكابتن” على الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور دعائية للممثل أكرم حسني بزي طيار في بيئات بصرية متعددة، ما اختصر الحاجة إلى يوم تصوير كامل كان سيخصص لإنتاج الملصقات الدعائية.
ولم يقتصر حضور الذكاء الاصطناعي على الجوانب البصرية، بل دخل أيضاً في بناء السرد الدرامي عبر تقنية “تصغير الأعمار”. ففي مسلسل “حق عرب”، ظهر رياض الخولي ووفاء عامر بملامح شابة في مشاهد الفلاش باك، فيما استخدم صناع مسلسل “المعلم” التقنية نفسها لإظهار عبد العزيز مخيون وأحمد فؤاد سليم في مراحل عمرية أصغر، كذلك استعان مسلسل “فهد البطل” بالذكاء الاصطناعي لتعديل ملامح صفاء الطوخي، بما يخدم السياق الزمني للأحداث.
أما التجربة الأكثر طموحاً بصرياً، فتمثلت بمسلسل “ألف ليلة وليلة” المكون من 15 حلقة، الذي اعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي في تصميم شخصياته وخلفياته وعوالمه المستوحاة من التراث، من دون استخدام ديكورات تقليدية، ليقدم رؤية بصرية تمزج بين الحكايات التراثية وأحدث التقنيات الرقمية.
وفي مقابل هذا التوسع، انقسمت آراء العاملين في المجال بين مؤيد يرى في الذكاء الاصطناعي أداة لتطوير الصناعة، وآخرين يحذرون من الإفراط في الاعتماد عليه.
عبّرت مخرجة مسلسل “ألف ليلة وليلة” ريم يونس، لـ”العربي الجديد”، عن سعادتها بتقديم أول عمل مصري يعتمد على الذكاء الاصطناعي ويحقق هذا النجاح، مؤكدة أن التقنية لم تُلغ دور الإنسان، بل كانت أداة لتنفيذ الرؤية الإبداعية، إذ يظل العقل البشري صاحب القرار الأول والأخير.
وقال المخرج محمد فاضل، لـ”العربي الجديد”، إن الاعتماد المبالغ فيه على الذكاء الاصطناعي في الأعمال الفنية ليس مرغوباً، مشدداً على ضرورة الاستفادة من التطور التكنولوجي ضمن حدود واضحة حتى لا تفقد الأعمال روحها وطبيعتها الإنسانية. وأوضح أنه لاحظ في بعض الأعمال التلفزيونية المعروضة أخيراً محاولات لتصغير أعمار الفنانين بصورة بدت غير مقنعة للجمهور، مؤكداً أنه لا يرفض التكنولوجيا في حد ذاتها، بل يرى أن استخدامها ينبغي أن يقتصر على ما يضيف قيمة إلى العمل، مثل تنفيذ الشارات والمؤثرات البصرية أو استكمال أعمال تعذر إنهاؤها بسبب وفاة أحد أبطالها، لا أن تتحول إلى بديل للعنصر البشري.
بدوره، يرى الناقد الفني كمال رمزي، الذي يرى أن مواكبة التطور التكنولوجي أصبحت ضرورة، وأشار في حديثه لـ”العربي الجديد” إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يطوّر الصناعة إذا استُخدم بطريقة لا تنتقص من “روح العمل”، مؤكداً أن العنصر البشري سيظل المحرك الأساسي لكل هذه الأدوات.
ويرى رئيس قطاع الذكاء الاصطناعي في شركة ليوميديا، أشرف مفيد، أن عام 2026 يمثل نقطة تحول حقيقية في دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجالات الإبداع الفني، من الموسيقى والسيناريو إلى السينما والدراما، متوقعاً أن يصبح إنتاج أعمال متكاملة بواسطة وكلاء الذكاء الاصطناعي أمراً قريباً. وأضاف، لـ”العربي الجديد”، أن مصر تمتلك كفاءات تقنية تضاهي نظيراتها العالمية، إلا أن الخطر لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في استخدامها العشوائي من دون تدريب أو إشراف بشري، وهو ما قد يؤدي إلى “هلوسة رقمية” مليئة بالأخطاء. ودعا إلى تجنب إنتاج أعمال تعتمد على تزييف هويات الفنانين أو الشخصيات العامة من دون موافقتهم أو موافقة ورثتهم، والتوجه بدلاً من ذلك إلى ابتكار شخصيات رقمية جديدة تمتلك هويتها الخاصة وجمهورها، كما حدث في تجربة المطربة الافتراضية “روعة”. واختتم بالقول إن الذكاء الاصطناعي “لن يستبدل الإنسان، بل سيستبدل من لا يجيد استخدامه بشخص آخر أكثر وعياً وتدريباً”.
من جهتها، عبّرت الممثلة إلهام شاهين عن مخاوفها من الاستخدامات المسيئة للذكاء الاصطناعي، مؤكدة أنها تؤيد التطور التكنولوجي إلى درجة أرشفة تاريخها الفني بالكامل عبر هذه التقنية، لكنها ترى أن المشكلة الحقيقية تكمن في إساءة استخدامها، مثل تركيب صور الفنانين على أجساد عارية أو فبركة تصريحات لم يدلوا بها، وهو ما يشكل خطراً أخلاقياً في ظل صعوبة تمييز كثير من الجمهور بين المحتوى الحقيقي والمزيّف. وأضافت أنه، رغم إيمانها بأهمية التطور التقني، فإن المخاوف من الاستغناء عن العنصر البشري تظل مشروعة، لأن الفن، في جوهره، يبقى انعكاساً للخيال والإحساس الإنساني.
وبين من يراه فرصة لإعادة تشكيل اقتصاد الإنتاج التلفزيوني، ومن يحذر من تأثيره في الإبداع والهوية الفنية، يبدو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد احتمالاً مستقبلياً في الدراما المصرية، بل أصبح واقعاً يفرض حضوره أمام الكاميرا وخلفها، فيما يبقى التحدي الحقيقي في كيفية توظيفه لخدمة الفن من دون أن يحل محل الإنسان.
