في خطابه أمام الأكاديمية الفرنسية عام 2012، اختصر أمين معلوف جوهر تجربة الكاتب الذي يحمل أكثر من هوية، حين قال إنه يأتي إليها حاملاً ما منحه إياه لبنان وفرنسا من جذور ولغات وأفكار. فكتابته بالفرنسية جعلت من اللغة جسراً للتأمل في العلاقة بين الشرق والغرب ومواجهة الصور النمطية والصراعات الثقافية.

أمين معلوف ليس حالة منفردة، إذ ينضم إلى قائمة طويلة من الأدباء العرب الذين اختاروا لغات أخرى للتعبير عن تجاربهم، من جبران خليل جبران إلى أهداف سويف وهشام مطر وليلى سليماني وغيرهم. وتؤكد هذه التجارب أن اللغة التي يكتب بها الكاتب قد تتغير، لكن الأسئلة الكبرى التي يحملها تظل حاضرة في أدبه.

كيف يُعبِّر الكاتب عن هويته وثقافته بلغةٍ ليست لغته الأمّ؟ وهل تستطيع لغة أُخرى أن تحمل همومه ودلالاته بالعمق نفسه؟ انطلاقاً من هذه التساؤلات، تمكن مقاربة ندوة أُقيمت في القاهرة احتفاءً بالكاتبة الباكستانية كاملة شمسي (52 عاماً) التي قدّمتها إلى الجمهور المصري الكاتبة أهداف سويف، قبل أن تدور بينهما نقاشات حول الكتابة واللغة والهوية.

وُلدت شمسي في كراتشي، ودرست الكتابة الإبداعية في الولايات المتحدة، ثم انتقلت إلى لندن. ورغم أنها تكتب باللغة الإنكليزية، فإنّ عالم رواياتها يستمد مادته الأساسية من باكستان وثقافتها وتاريخها. وقد وصلت روايتها “نار الدار” إلى القائمة الطويلة لجائزة بوكر عام 2017، قبل أن تفوز عنها بجائزة المرأة للرواية عام 2018.

اختيار اللغة قد يصنعه المنفى أو الرغبة في حماية الذات
 

خلال الندوة، سألتُ شمسي عن سبب اختيارها الكتابة باللغة الإنكليزية، فأوضحت أنها تكتب باللغة التي تشعر بأنها قادرة على التعبير من خلالها عن نفسها وأفكارها. وأضافت أن الأمر لا يتعلق بكون الإنكليزية “اللغة الأكثر كولونيالية”، موضحة: “كنتُ سأكتب بالإنكليزية، حتى لو كنت أعيش في باكستان، لكن الكتابة كانت ستختلف، لأنني كنت سأكون مختلفة”. وترى شمسي أن الكتابة بالإنكليزية تمنحها أيضاً مساحة أوسع للوصول إلى القراء باعتبارها لغة عالمية تحمل ثقافات وتجارب متعددة، وتمكّن الكاتب من التواصل مع جمهور يتجاوز حدود المكان واللغة الأمّ.

طرحتُ السؤال نفسه على أهداف سويف التي ترشحت لعدد من الجوائز الأدبية المرموقة، حيث دخلت روايتها “خارطة الحب” القائمة القصيرة لجائزة بوكر مان عام 1999، كما اختيرت واحدة من بين الكتّاب المئة الأكثر تأثيراً في بريطانيا. وأوضحت أنها لم تتخذ قراراً واعياً بالكتابة باللغة الإنكليزية، بل جاء الأمر بصورة طبيعية؛ فقد تعلّمت القراءة بها خلال دراستها في بريطانيا، وكانت مكتبة والدتها، الناقدة والمترجمة فاطمة موسى، تضم عدداً كبيراً من الكتب الإنكليزية. وهكذا أصبحت العربية لغة الحياة اليومية، بينما غدت الإنكليزية لغة الدراسة والتفكير والكتابة.

أما الشاعرة والروائية المصرية سمر علي، فتقدم تجربة مختلفة؛ فهي تكتب الشعر بالإنكليزية والرواية بالعربية. وتقول إنها لم تكن تعرف في البداية سبب هذا الانقسام، لكنها لاحظت أن السرد يأتيها بالعربية، بينما يتدفق الشعر تلقائياً بالإنكليزية. وبعد سنوات، أدركت أنها كانت تستخدم الإنكليزية بوصفها قناعاً يحميها من الشعور بانكشاف مشاعرها أمام القارئ العربي، إلى أن تجاوزت هذا الخوف وكتبت روايتها الأولى “بدون فصل أخير” بالعربية.

من زاوية أُخرى، يرى الكاتب الليبي هشام مطر أن علاقة الكاتب الأساسية هي باللغة التي يكتب بها، لا لأنها تحمل الكلمات فقط، بل كونها تختزن فلسفة وتاريخاً وحساسية عاطفية خاصة. ويُشير إلى أن الكاتب العربي الذي يكتب بالإنكليزية يعيش غالباً توتراً نابعاً من انتمائه إلى ثقافتين بينهما تاريخ طويل من الصراع، مؤكداً أنّ تجربة المنفى شكّلت كتابته بوصفه ابناً للثقافتين.