لم تعد المينيونز الصفراء الشهيرة مجرد شخصيات مساندة تؤدي دورا كوميديا كما كانت عند ظهورها لأول مرة في “ديسبيكابل مي” (Despicable Me) عام 2010، فقد تحولت إلى ظاهرة عالمية دفعت استوديو “إلومينيشن” (Illumination) إلى منحها سلسلة مستقلة حققت نجاحات تجارية متتالية، وباتت اليوم أحد أبرز الوجوه في سينما الرسوم المتحركة الحديثة.
ويواصل فيلم “مينيونز والوحوش” (Minions & Monsters) هذا المسار، مقدمًا مغامرة جديدة تمزج بين الكوميديا والخيال، مع احتفاء واضح بتاريخ السينما. الفيلم هو الجزء الثالث من سلسلة أفلام “مينيونز” (Minions)، والسابع ضمن عالم “ديسبيكابل مي”. أخرجه بيير كوفان، وشارك في كتابة السيناريو إلى جانب براين لينش، بينما يضم طاقم الأداء الصوتي جيسي أيزنبرج، وجيف بريدجز، وكريستوف فالتس، وزوي دويتش، وأليسون جاني، وبوبي موينيهان، وفيل لامار، وتراي باركر، إلى جانب كوفان، الذي يواصل تقديم أصوات شخصيات المينيونز.
المينيونز.. ورثة الكوميديا الصامتة
تدور أحداث “مينيونز والوحوش” في هوليوود خلال عشرينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت ازدهار السينما الصامتة، وتكوين نظام الاستوديوهات. يصل المينيونز إلى هذا العالم، ويدخلون، بمحض الصدفة، إلى قلب صناعة الأفلام، ويصبحون نجوم السينما الأهم، قبل أن تنقلب حياتهم مرة أخرى، ويخرجوا من السينما كما دخلوها، عندما يدخل الصوت إلى السينما وتتغير الأحوال. وكما حدث للكثير من نجوم السينما الحقيقيين، لم يفلحوا في مواكبة هذا العالم الجديد.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
لكن ذلك لم يوقف جيمس، أحد المينيونز، الذي يحلم بصناعة فيلم عن الوحوش، ومن أجل ذلك يلجأ مع أصدقائه إلى كتاب سحري يجلب بواسطته وحوشًا حقيقية إلى العالم البشري، فتتحول محاولة صناعة فيلم عن الوحوش إلى فوضى، بعدما تنطلق الوحوش إلى العالم الحقيقي.
وتُعد هوليوود القديمة في “مينيونز والوحوش” عنصرا أساسيا في بناء هذا العالم، فمواقع التصوير، والاستوديوهات، وتقنيات صناعة الأفلام الأولى، كلها جزء من المغامرة السينمائية. كما أن اختيار هذه الحقبة التاريخية ليس مصادفة، بل يمثل أحد أكثر قرارات الفيلم ذكاء على المستوى الإبداعي، فشخصيات المينيونز تعتمد على الحركة، وتعبيرات الوجه، ولغة الجسد، وليس الحوار، وهي الأدوات نفسها التي قامت عليها السينما الصامتة قبل ظهور الأفلام الناطقة، لذا تبدو الشخصيات وكأنها وُلدت أصلًا في هذا العصر.
وربما لم يقصد صناع “ديسبيكابل مي” (Despicable Me)، عند ابتكار المينيونز، أن يصبحوا امتدادًا لنجوم الكوميديا الصامتة، لكن “مينيونز والوحوش” يستغل هذه الصفات لبناء مشاهد كوميدية ترتكز على المطاردات، والسقوط، وسوء الفهم، وردود الفعل الجسدية، بما يحاكي أشهر أعمال نجوم السينما الصامتة، مثل تشارلي شابلن، وباستر كيتون، وهارولد لويد، وغيرهم من رواد هذا الفن.
وبالإضافة إلى أسلوب السينما الصامتة الذي يستعيده الفيلم، فهو غني بالإشارات البصرية والتفاصيل التي تحتفي بتاريخ السينما، سواء من خلال تصميم الاستوديوهات، أو طبيعة المؤثرات البصرية، أو استدعاء أجواء أفلام الوحوش الكلاسيكية التي ازدهرت لاحقا في هوليوود.
أفلام الوحوش.. بوابة جديدة لتجديد السلسلة
كانت أفلام الوحوش أحد أبرز الأنواع السينمائية في هوليوود الكلاسيكية، وأسهمت في ترسيخ مكانة استوديوهات “يونيفرسال” من خلال شخصيات أصبحت أيقونات في تاريخ السينما، مثل “دراكولا”، و”فرانكشتاين”، و”الرجل الذئب”. ويستعيد “مينيونز والوحوش” هذه الأجواء، غير أنه يحول هذه الوحوش إلى وسائل لإنتاج الكوميديا المضحكة بالفعل.
ويقدم الفيلم كذلك بطلا مختلفا من بين المينيونز، هو جيمس، الذي لا يسعى إلى خدمة شرير جديد، بل يحلم بأن يصبح صانع أفلام، وهو ما يقوده، مع أصدقائه، إلى مغامرة لا تقل جنونًا عن الأفلام التي ألهمته.
ويمنح ذلك الشخصيات الأيقونية هدفًا دراميًا واضحًا يتجاوز دورها في إثارة الفوضى والكوميديا، وبُعدا لم يكن حاضرا في أفلام “مينيونز” السابقة، التي اعتمدت غالبًا على سلسلة من المواقف الكوميدية المنفصلة.
ولهذا السبب يمثل هذا الفيلم أكثر أجزاء السلسلة نضجا على مستوى البناء الدرامي، مع إعطاء الشخصيات مساحة أكبر للنمو والتطور، وفي الوقت نفسه لا يتخلى عن جانبه الكوميدي والفوضوي الذي يثير إعجاب الصغار.
ويخاطب الفيلم جمهورين مختلفين في الوقت نفسه؛ فعلى المستوى الأول، يقدم مغامرة سريعة مليئة بالمواقف الكوميدية والمطاردات التي اعتادها جمهور المينيونز الصغير، بينما يخفي في طبقته الثانية عشرات الإشارات والإحالات المناسبة للبالغين، خاصة المهتمين بتاريخ السينما. وقد منحت هذه المستويات المتعددة في السرد الفيلم قيمة تتجاوز كونه عملًا تقليديًا، وجعلته تجربة ممتعة للجميع.
بيير كوفان مهندس عالم المينيونز
عند الحديث عن نجاح المينيونز، علينا التوقف عند اسم المخرج الفرنسي بيير كوفان، الذي أخرج معظم أفلام السلسلة، وشارك في ابتكار الشخصيات، ومنحها هويتها الصوتية الفريدة، إذ يتولى الأداء الصوتي لشخصيات المينيونز منذ ظهورها في فيلم “ديسبيكابل مي”، كما ابتكر لغتهم الهزلية المكونة من مزيج من كلمات وإشارات مستوحاة من عدة لغات، لتصبح جزءًا أساسيًا من بصمة الشخصيات وشعبيتها العالمية.
يواصل كوفان في “مينيونز والوحوش” الإشراف على هذا العالم، ولا يكتفي بتكرار وصفة النجاح التي ضمنت له شعبية وإيرادات الأفلام السابقة، بل يعمل على تقديم قصة أكثر طموحًا، دون التخلي عن العناصر التي صنعت جماهيرية الشخصيات وسلسلة الأفلام.
ويكشف النجاح الذي حققه “مينيونز والوحوش” عن حقيقة أصبحت راسخة في هوليوود، وهي أن السلاسل التجارية القوية أصبحت المحرك الأساسي لصناعة الرسوم المتحركة. فبعد أكثر من خمسة عشر عامًا على انطلاق عالم “ديسبيكابل مي”، لا تزال شخصيات المينيونز قادرة على جذب ملايين المشاهدين حول العالم، وهو ما يفسر استمرار استوديو “إلومينيشن” في الاستثمار في هذا العالم وتطويره، بدلًا من الاكتفاء بالأفلام الأصلية.
وفي الوقت نفسه، يؤكد الفيلم استمرار المنافسة بين “إلومينيشن” واستوديوهات “ديزني” و”بيكسار”، لكن بأسلوب مختلف؛ فبينما تراهن الأخيرة غالبًا على القصص العاطفية والرسائل الإنسانية، يعتمد عالم المينيونز على الكوميديا البصرية، والإيقاع السريع، والشخصيات سهلة الانتشار عالميًا، دون الحاجة إلى حوار معقد أو خصوصية ثقافية.
