هناك كتّاب يكتبون عن المدن، وهناك كتّاب تصنعهم المدن، لكن نجيب محفوظ كان من أولئك النادرين الذين أعادوا خلق المدينة نفسها. لم تكن القاهرة عنده مجرد شوارع وحارات ومقاهٍ، بل كانت كائنًا حيًا يتنفس، ويحلم، ويشيخ، ويقاوم الموت. ولعل أعظم إنجاز لمحفوظ أنه جعل العالم كله يرى نفسه في مرآة حيٍّ صغير من أحياء القاهرة القديمة.
كلما قرأت نجيب محفوظ، لا أشعر أنني أقرأ روائيًا مصريًا فحسب، بل مؤرخًا للروح الإنسانية. لم يكن يكتب الأحداث الكبرى بقدر ما كان يلتقط ارتجافة القلب قبل وقوعها، ويصغي إلى الصمت أكثر مما يصغي إلى الضجيج. كان يعرف أن التاريخ الحقيقي لا يُكتب في قصور الحكام وحدها، وإنما في البيوت الضيقة، وعلى الأرصفة، وفي المقاهي، وفي العيون التي تخفي أكثر مما تقول.
ولد محفوظ في زمن كانت فيه مصر تبحث عن نفسها بين الماضي والمستقبل، بين الشرق والغرب، بين الاحتلال والاستقلال، وبين الحلم والواقع. وربما لهذا السبب ظل مشروعه الأدبي كله رحلة طويلة للبحث عن هوية الإنسان قبل هوية الوطن. كان يسأل سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عظيمًا في جوهره: كيف يعيش الإنسان حياة تستحق أن تُروى؟
كثيرون رأوا فيه روائي الحارة، لكن الحارة عند محفوظ لم تكن مكانًا جغرافيًا، بل كانت نموذجًا مصغرًا للعالم كله. ففيها السلطة والضعف، والحب والخيانة، والإيمان والشك، والثورة والاستسلام، والميلاد والموت. كانت الحارة كونًا كاملًا، ولذلك استطاع قارئ في طوكيو أو نيويورك أو بوينس آيرس أن يجد نفسه بين شخصياتها كما يجدها القارئ المصري.
ولعل ما يدهشني دائمًا هو أن محفوظ كان عالم آثار من نوع آخر. أنا، بوصفى عالم آثار، أبحث عن المدن المدفونة تحت الرمال، أما هو فقد كان ينقب عن المدن المدفونة داخل البشر. نحن نستخرج التماثيل من باطن الأرض، وهو كان يستخرج الأرواح من أعماق الكلمات. نحن نعيد بناء المعابد، أما هو فأعاد بناء الإنسان. وإذا كان الأثري يعيد للحجر ذاكرته، فإن محفوظ أعاد للإنسان ذاكرته الوجودية، وجعل من الرواية متحفًا حيًا للمشاعر والأفكار والأحلام.
لم يكن اختياره لدراسة الفلسفة مصادفة. لقد ظل الفيلسوف مختبئًا داخل الروائي حتى النهاية. كل رواية عنده تبدأ بحكاية، لكنها تنتهي بسؤال. لم يكن يمنح القارئ يقينًا، بل يتركه في مواجهة نفسه. وربما لهذا بقيت أعماله شابة رغم مرور العقود؛ لأن الأسئلة لا تشيخ، بينما تموت الإجابات سريعًا.
في أعماله التاريخية لم يكن الماضي هروبًا من الحاضر، بل وسيلة لفهمه. كان يدرك أن الحضارات لا تنهار فجأة، وأن الإنسان، مهما تغيّرت الأزمنة، يظل يحمل الضعف نفسه، والطموح نفسه، والخوف نفسه، والحلم نفسه. لذلك جاءت رواياته التاريخية امتدادًا لفلسفته الإنسانية، لا مجرد إعادة سرد لأحداث قديمة.
وبعد نكسة 1967، تغيّر صوته دون أن يفقد هدوءه. أدرك أن العالم أكثر تعقيدًا مما ظن الجميع، وأن الإنسان قادر على أن يكون الضحية والجلاد في الوقت نفسه. لذلك أصبحت الجريمة عنده ليست حدثًا بوليسيًا، بل مرآة أخلاقية يرى المجتمع فيها وجهه الحقيقي. كان يسأل: من القاتل؟ ثم يكتشف أن الجميع شركاء بدرجات مختلفة.
ومع ذلك لم يقع في فخ اليأس. ظل يؤمن بأن الإنسان يستحق فرصة أخرى، وأن الحياة، رغم قسوتها، لا تكف عن منحنا إمكانية البدء من جديد. لذلك بقيت شخصياته تمشي في الشوارع حتى بعد انتهاء الرواية، وكأنها لم تغادر صفحات الكتاب قط. لقد كان يرى أن الأمل ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل شجاعة أخلاقية في مواجهة العبث.
وحين حصل على جائزة نوبل، لم يكن الانتصار شخصيًا. كانت لحظة أعلنت فيها اللغة العربية قدرتها على مخاطبة العالم من دون وسيط. لم يعد محفوظ يمثل مصر وحدها، بل أصبح واحدًا من كبار الروائيين الذين ينتمون إلى التراث الإنساني كله، يقف جنبًا إلى جنب مع أعظم بناة الرواية العالمية، لأن الأدب الحقيقي لا يعرف الحدود، وإنما يعرف الإنسان.
لكن أكثر ما يعجبني في محفوظ ليس عبقريته الأدبية، بل انضباطه الإنساني. كان يكتب كل يوم، ويمشي كل يوم، ويلتقي أصدقاءه في المواعيد نفسها، كأن الإبداع ليس ومضة عابرة، بل أسلوب حياة. لقد فهم أن العبقرية لا تعني الفوضى، وإنما تعني احترام الزمن، وأن الكاتب يبني نفسه بالصبر قبل أن يبني كتبه بالكلمات.
وربما لهذا السبب ظل قادرًا على التجدد حتى آخر سنواته. لم يكن يخشى أن يغيّر أدواته أو لغته أو طريقته في السرد. كان يعرف أن الكاتب الذي يكرر نفسه يموت قبل أن يتوقف قلبه. ولذلك انتقل من الواقعية إلى الرمزية، ومن الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، ومن السرد التقليدي إلى التجريب، دون أن يفقد صوته الخاص أو بصمته الإنسانية.
واليوم، وبعد مرور سنوات على رحيله، لا يبدو نجيب محفوظ جزءًا من الماضي، بل يبدو أكثر حضورًا من كثيرين يعيشون بيننا. فالعالم الذي تنبأ به، حيث يزداد الإنسان وحدة وسط الزحام، ويختلط اليقين بالشك، وتصبح السلطة أكثر تعقيدًا، هو العالم الذي نعيشه الآن. وكأن رواياته لم تكن تسجيلًا للحاضر، بل استشرافًا للمستقبل.
إن أعظم تكريم لنجيب محفوظ ليس إقامة الندوات ولا إعادة طباعة رواياته، بل أن نقرأه بعين جديدة، وأن نكتشف فيه ما لم نكتشفه من قبل. فكل جيل يعثر على محفوظه الخاص، وكل قارئ يفتح بابًا جديدًا في ذلك القصر الروائي الهائل الذي شيده على امتداد أكثر من نصف قرن.
وسيظل نجيب محفوظ شاهدًا على أن الأدب العظيم لا يكتفي بوصف العالم، بل يعيد خلقه. وسيظل يذكرنا بأن الإنسان، مهما بدا صغيرًا في زقاق ضيق، يحمل داخله كونًا كاملًا من الأحلام والأسئلة. لقد أثبت أن الرواية ليست حكاية تُروى فحسب، بل طريقة لفهم الوجود، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تعيش أطول من أصحابها.
وربما كان هذا هو سر خلود نجيب محفوظ. فالفراعنة شيّدوا الأهرامات بالحجر لتتحدى الزمن، أما محفوظ فقد شيّد هرمه العظيم بالكلمات. وإذا كانت الأحجار تقاوم عوامل الطبيعة، فإن الأدب العظيم يقاوم النسيان. وهكذا سيبقى اسم نجيب محفوظ حاضرًا ما بقي إنسان يبحث عن معنى لحياته، وما بقي قارئ يؤمن بأن الحكاية الصادقة قادرة على أن تجعل الإنسان أكثر إنسانية، وأن تمنح الحضارة المصرية صوتًا لا يخفت، وضميرًا لا يموت.
