في التصعيد الجديد بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز، لا تكفي خريطة الضربات وحدها لفهم اتجاه الحرب.

فالجسور والموانئ ومحطات تحلية المياه والقواعد العسكرية تكشف جانبًا من المشهد، بينما يكمن الجانب الآخر في الأهداف التي لم تُمسّ، والخيارات التي امتنع الطرفان عن استخدامها، وأبواب التفاوض التي لم تُغلق تمامًا رغم اتساع النار.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

إذ توحي تغطيات غربية أن القصف ليس مجرد تبادل عسكري بين واشنطن وطهران، بل لغة ضغط خشنة؛ كل هدف يُضرب يحمل رسالة، وكل هدف يُترك خارج دائرة النار يرسم حدودًا مؤقتة للتصعيد.

خريطة الضربات

تقول نيوزويك إن المنطقة شهدت أيامًا من الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، في صراع يتمحور بصورة متزايدة حول السيطرة على مضيق هرمز، الذي كان يعبر منه نحو خُمس إمدادات النفط العالمية قبل الحرب، وذلك بعد انهيار هدنة مؤقتة تركت المواجهة بلا أفق واضح.

وتنقل المجلة عن القيادة المركزية الأمريكية أن الليلة السابعة على التوالي من الضربات استهدفت مواقع مراقبة، وبنى لوجستية عسكرية، ومخازن أسلحة تحت الأرض، وقدرات بحرية إيرانية.

وفي المقابل، استهدفت إيران منشآت عسكرية وبنى تحتية في دول خليجية تستضيف قوات أمريكية.

ووقعت أبرز أضرار الجولة الأخيرة في الكويت، حيث أصابت ضربات إيرانية محطة لتحلية المياه ومنشأة نفطية، وأدت إلى اندلاع حرائق وتعطل بعض وحدات توليد الكهرباء، وفق السلطات الكويتية.

ولا تكشف هذه الضربات سعي الطرفين إلى إيلام الآخر فحسب، بل تظهر انتقال المواجهة تدريجيًا من استهداف القدرات العسكرية المباشرة إلى الضغط على شبكات الطاقة والمياه والنقل التي يقوم عليها الاقتصاد والحياة اليومية.

This picture shows ships sailing near the Strait of Hormuz off the eastern coast of the United Arab Emirates at Khor Fakkan on July 13, 2026.حركة السفن قرب مضيق هرمز قبالة خورفكان الإماراتية، 13 يوليو/تموز 2026 (الفرنسية)شرايين هرمز

وترى صحيفة تلغراف أن واشنطن انتقلت إلى طور أكثر حساسية، يقوم على ضرب شرايين النقل التي تصل الموانئ الجنوبية الإيرانية ببقية البلاد.

وتقول الصحيفة إن القصف ترك بندر عباس، المدينة التي يسكنها نحو نصف مليون شخص ويصل عبرها ما يقرب من نصف تجارة إيران، شبه معزولة عن الداخل.

وتضيف الصحيفة أن الطرق المؤدية إلى المدينة كانت، بحلول صباح الجمعة، محطمة، وأن خط السكك الحديدية قُطع، بينما بدا الميناء الذي يسهم في إطعام نحو 90 مليون شخص شبه منفصل عن البلاد التي يمدها بالحياة.

وتلفت إلى أن بندر عباس تضم أيضًا القاعدة البحرية الإيرانية الرئيسية، وهي ركيزة مهمة في قدرة طهران على التحكم بمضيق هرمز.

وتنقل تلغراف عن مايكل روبن، المسؤول السابق في البنتاغون، أن إدارة ترمب باتت تميل إلى اعتبار عزل هذه المدينة الساحلية مفتاحًا لإعادة فتح الممر البحري الحيوي.

لكنها تورد في الوقت نفسه أن قصف جسور يستخدمها المدنيون يثير مجددًا أسئلة عن جرائم حرب، مع إشارة بعض القانونيين إلى أن الجسور قد تُعد أهدافًا مشروعة إذا لم تكن ذات استخدام مدني خالص.

People walk in front of a huge anti-US and Israel billboard featuring US President Donald Trump and Israel's Prime Minister Benjamin Netanyahu in Tehran on July 19, 2026.لافتة مناهضة لأمريكا وإسرائيل وسط العاصمة الإيرانية طهران، 19 يوليو/تموز 2026 (الفرنسية)”تفاوض بالقنابل”

وتقدم صنداي تايمز قراءة أبعد من تعداد الأهداف، إذ يرى الكاتب مارك أوربان أن القتال المتصاعد حول مضيق هرمز يبدو محاولة لإعادة التفاوض على مذكرة التفاهم الموقعة الشهر الماضي، ولكن “بالقنابل”.

فبعد انهيار الهدنة، تبادل الطرفان الضربات بدرجة من الانضباط، قبل أن يتسع نطاقها ليشمل مزيدًا من منشآت النقل والطاقة.

وبحسب الصحيفة، يرتبط جانب من الحملة الأمريكية بمحاولة تأمين ممر ملاحي جنوبي بمحاذاة الساحل العماني، بعد خلاف مع طهران بشأن تفسير مذكرة التفاهم وحدود السيطرة على المضيق.

لكن العسكريين الأمريكيين ليسوا متفقين على جدوى الحملة. فبينما يرى بعضهم أن الضربات تفتقر إلى إستراتيجية واضحة، يعتقد آخرون أن حملة جوية مركزة وطويلة نسبيًا قد تُضعف قدرة إيران على تهديد الملاحة وتدفعها إلى تقديم تنازلات.

A heavily-damaged bridge which was hit by a US strike is pictured along the road connecting Roudan and Bandar Abbas in southern Iran on July 18, 2026.دمار بجسر يربط بين رودان وبندر عباس جنوبي إيران إثر غارة أمريكية، 18 يوليو/تموز 2026 (الفرنسية)سلاح الحصار

وترى صنداي تايمز أن إعادة فرض الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية قد تكون أشد أثرًا من بعض الضربات الجوية.

فخلال 26 يومًا بين تعليق الحصار بموجب مذكرة التفاهم وإعادته، تمكنت إيران من إخراج 60 مليون برميل من النفط، وجنت أكثر من 6 مليارات دولار، وفق الصحيفة.

وتنقل عن آرون ديفيد ميلر أن الحصار قد يحرم طهران من متنفس اقتصادي ومالي، لكنه يحتاج إلى نفس طويل قد يمتد أربعة أشهر.

غير أن الصحيفة تشير إلى معضلة ترمب نفسه، إذ تقول إن الرئيس الأمريكي، المعروف بقصر صبره، قد لا يملك رفاهية الانتظار.

فقد راجع، بحسبها، خيارات تصعيدية في البيت الأبيض، بينها توسيع ضربات البنية التحتية، أو الاستيلاء على جزر إيرانية في المضيق، أو مهاجمة محطة خرج النفطية شمالي الخليج.

حدود النار

لكن أكثر ما يميز قراءة صنداي تايمز أنها لا تكتفي بالسؤال عما ضُرب، بل تسأل عما لم يُضرب.

فالصحيفة تقول إن إيران لم تدفع حزب الله إلى إطلاق النار على إسرائيل، رغم أن ذلك كان خيارًا ممكنًا لو أرادت توسيع الحرب إقليميًا بصورة دراماتيكية.

وتضيف أن حلفاء طهران في لبنان اختاروا، في الوقت الراهن، إعادة البناء والحفاظ على تهدئة هشة.

وفي الخلاصة نفسها، تقول الصحيفة إن الطرفين صعدا درجة أو درجتين على سلم التصعيد من دون أن يتخليا تمامًا عن الدبلوماسية.

وتنقل عن كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف قوله إن على إيران أن تستخدم أدوات الدبلوماسية أيضًا، وإن التفاوض في هذه المرحلة لا يعني الاستسلام.

كما تقول إن ترمب، رغم إعلانه أنه لا يريد التعامل مع إيران، ترك باب التفاوض مواربًا.

والسؤال الآن ليس أي جسر سيُقصف لاحقًا فحسب، بل ما إذا كانت هذه الضربات ستفتح باب “تعديلات” على طاولة التفاوض، أم تطلق مواجهة إقليمية أوسع لا يملك أحد ضمان حدودها.