لم تعد شخصيات الرسوم المتحركة مجرد أبطال يعيشون في ذاكرة الطفولة، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أثمن الأصول في صناعة السينما العالمية. فالشخصيات التي ولدت بالحبر والألوان، أصبحت اليوم تعود بوجوه بشرية، ومواقع تصوير حقيقية، وتقنيات بصرية هائلة، في محاولة من الاستوديوهات الكبرى لاستعادة نجاحات الماضي، وجذب أجيال جديدة من المشاهدين، وتحقيق المليارات.

ومن بين أحدث هذه التجارب تأتي «موانا»، الشخصية التي أبحرت للمرة الأولى عام 2016 في عالم الرسوم المتحركة، قبل أن تعود في نسخة واقعية تحمل معها سؤالًا أكبر من مجرد نجاح فيلم جديد: هل يمكن إعادة صناعة السحر نفسه بعد أن تغيّرت الطريقة التي يرى بها الجمهور السينما؟

القضية هنا لا تتعلق بفيلم واحد فقط، بل بظاهرة سينمائية كاملة تعيشها هوليوود منذ سنوات؛ ظاهرة تحويل الأعمال الكلاسيكية المرسومة إلى أفلام واقعية، بين من يراها فرصة لتجديد الحكايات الخالدة، ومن يعدّها محاولة لاستثمار الحنين، وإعادة بيع ذكريات قديمة في قالب جديد.

عندما ظهرت «موانا» للمرة الأولى عام 2016، جاءت في توقيت كانت فيه ديزني تعيد تشكيل صورة بطلاتها. فلم تكن فتاة تنتظر أميراً ينقذها، ولم تكن تبحث عن قصة حب تقليدية، بل كانت فتاة شابة تواجه المحيط بحثاً عن هويتها، وتحمّل مسؤولية إنقاذ شعبها.

كانت موانا ابنة زعيم جزيرة موتونوي، تعيش في مجتمع تربطه علاقة عميقة بالبحر، لكنها ترث خوفاً قديماً من الإبحار بعد اختفاء البحارة الذين حاولوا تجاوز حدود الجزيرة. ومع ذلك، تشعر منذ طفولتها بأن المحيط يناديها، وكأن هناك قدراً ينتظرها خلف الأفق.

وعندما تبدأ الطبيعة في الانهيار، ويهدد الظلام عالمها، تنطلق في رحلة محفوفة بالمخاطر، لإعادة قلب تي فيتي، الحجر المقدس الذي يُمثّل مصدر الحياة والتوازن.

في هذه الرحلة تلتقي بـ«ماوي»، نصف الإله الأسطوري صاحب القوة الخارقة والشخصية المتكبرة، لتبدأ علاقة تجمع بين الصراع والكوميديا والتعلم المتبادل، فبينما تبحث موانا عن معنى الشجاعة، يحاول ماوي مواجهة أخطائه القديمة، واستعادة ثقته بنفسه.

لم يكن نجاح «موانا» مرتبطاً بالقصة وحدها، بل بالطريقة التي قدمت بها ديزني هذا العالم. فالرسوم المتحركة منحت صُنّاع الفيلم حرية مطلقة؛ البحر لم يكن مجرد خلفية، بل أصبح شخصية لها حضورها، والطبيعة لم تكن مجرد مشاهد جميلة، بل قوة حية تتفاعل مع الأبطال.

كما ساعدت الموسيقى في ترسيخ مكانة الفيلم، إذ تحوّلت أغانيه إلى جزء من الذاكرة الجماعية، خصوصاً مع الأغنية الشهيرة «How Far I’ll Go» التي أصبحت من أبرز أغاني أفلام ديزني في السنوات الأخيرة.

لم تكن «موانا» استثناء في توجه هوليوود الجديد، فمنذ سنوات، اتجهت ديزني إلى إعادة تقديم مكتبتها الشهيرة بنسخ واقعية، بعد أن أثبتت بعض التجارب أن الجمهور مستعد للعودة إلى القصص التي أحبها، لكن بصورة مختلفة.

المشكلة الأساسية التي تواجه أي تحويل من الرسوم إلى الواقع، هي أن الفيلم الأصلي لم يكن واقعياً أصلاً.

في عالم الرسوم المتحركة، يمكن للمحيط أن يرقص، ويمكن للشخصيات الأسطورية أن تظهر من دون تفسير، ويمكن للطبيعة أن تتحدث بلغة الخيال.

أما في الفيلم الواقعي، فإن صُنّاع العمل مطالبون بإقناع المشاهد بأن هذا العالم يمكن أن يكون حقيقياً.

بعض النقاد يرون أن قوة الرسوم المتحركة تكمن في أنها لا تحاول تقليد الواقع، بل تصنع واقعاً خاصاً بها، ولذلك فإن نقلها حرفياً إلى الشاشة قد يؤدي أحياناً إلى فقدان جزء من السحر. ويرى المدافعون عن النسخ الواقعية أن إعادة تقديم القصص الكلاسيكية ليست مشكلة بحد ذاتها، فكل جيل يستحق أن يكتشف الحكايات بطريقة تناسب عصره، كما أن التقنيات الحديثة تسمح بتقديم عوالم لم تكن ممكنة سابقاً، وتمنح صُنّاع السينما فرصة لتوسيع القصص، وإضافة تفاصيل جديدة.

الجمهور اليوم أصبح أكثر قدرة على التمييز بين إعادة تقديم تضيف شيئاً جديداً، ونسخة تعتمد على استعادة المشاعر القديمة فقط.

بين الماضي والمستقبل

تجربة «موانا» تختصر حالة السينما الحديثة، فهي تقف بين زمنين. الزمن الأول الذي كانت فيه الرسوم المتحركة قادرة على صناعة عوالم كاملة بلا حدود، والزمن الجديد الذي تعتمد فيه السينما على التكنولوجيا المتقدمة، لإعادة تلك العوالم بصورة أكثر واقعية.

بعض القصص ربما تكون أجمل لأنها غير واقعية، ولأن قوتها تأتي من قدرتها على أخذ المشاهد إلى مكان لا يشبه العالم الذي يعيش فيه.

وهنا تكمن مفارقة «موانا»: الفيلم الذي جعلنا نؤمن بأن البحر يمكن أن يكون حياً، يعود اليوم ليحاول إقناعنا بأن هذا البحر يمكن تصويره أمام الكاميرا. لاشك أن إعادة تقديم «موانا» تمنح ديزني فرصة للاستفادة من نجاح سابق وشخصية محبوبة، لكنها تفتح في الوقت نفسه نقاشاً أوسع حول مستقبل السينما. فالحنين قد يدفع الجمهور إلى شراء التذاكر، لكنه لا يصنع وحده فيلماً خالداً. النجاح الحقيقي لأي نسخة جديدة لا يأتي من إعادة إنتاج الماضي، بل من القدرة على اكتشاف شيء جديد داخله.

وبينما تواصل هوليوود العودة إلى قصصها القديمة، يبقى التحدي الأكبر أمامها:

ليس كيف تعيد الشخصيات إلى الشاشة، بل كيف تعيد الإحساس الأول بالدهشة الذي جعل العالم يحبها من البداية.

Google Newsstand

تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news

Share

فيسبوك
تويتر
لينكدين
Pin Interest
Whats App