«الوطنية لحقوق الإنسان».. من التأسيس إلى الريادة
في مسيرة الدول، ثمّة محطات لا تُقاس بما يصدر فيها من تشريعات أو قرارات فحسب، وإنما بما تؤسِّس له من رؤى، وما ترسمه من اتجاهات للمستقبل. ومن هذا المنطلق، جاء إنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في دولة الإمارات ليعكس نضجاً مؤسّسياً في إدارة ملف حقوق الإنسان، باعتباره جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة الإماراتية، وليس استجابةً لالتزامات دولية أو متطلبات مرحلية. ويُعد إصدار القانون الاتحادي بإنشاء الهيئة، وفق «مبادئ باريس»، نقطةَ تحوّل في مسيرة العمل الحقوقي الإماراتي، إذ انتقل بالدولة من مرحلة بناء المنظومة التشريعية، إلى مرحلة ترسيخ المنظومة المؤسسية الحقوقية للدولة، حيث تضطلع الهيئةُ بدور محوري في حماية وتعزيز حقوق الإنسان، وفق أفضل الممارسات الدولية، وبما ينسجم مع خصوصية المجتمع الإماراتي ورؤيته التنموية.
استطاعت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان خلال دورتها الأولى، أن تنجز ما يمكن وصفه بمرحلة التأسيس. فقد انصرفت جهودُها إلى بناء الهيكل المؤسسي والتنظيمي، ووضع الأطر القانونية والإجرائية، وإرساء قواعد الحوكمة، وتفعيل الآليات الوطنية، وبناء شبكة واسعة من العلاقات مع المؤسسات الوطنية والإقليمية والدولية، إلى جانب نشر ثقافة حقوق الإنسان وتعزيز الوعي المجتمعي. وكانت تلك المرحلة ضرورةً طبيعية لأي مؤسّسة وطنية تسعى إلى ترسيخ حضورها واستقلاليتها قبل الانطلاق نحو أدوار أكثر تأثيراً.
واليوم، ومع إعادة تشكيل مجلس أمناء الهيئة في دورته الثانية برئاسة الدكتور سالم سهيل سعيد النيادي، تدخل الهيئةُ مرحلةً مختلفةً في طبيعتها وأهدافها، مرحلةً يمكن توصيفها بأنها مرحلة التمكين والريادة. فالمؤسّسات الوطنية بعد اكتمال بنائها الداخلي، تصبح مطالبةً بتوسيع أثرها الخارجي، وتعظيم حضورها الدولي، وترجمة رسالتها إلى مبادرات وشراكات ذات تأثير ملموس، عبر توسيع حضور الهيئة الدولي والإقليمي للتعاون مع المؤسسات الوطنية النظيرة، والهيئات والآليات الأممية، بما يعزّز المكانةَ الدولية للهيئة، ويدعم مساعيها نحو بلوغ أعلى مستويات الاعتمادية الدولية، ويجعلها منصةً فاعلةً لإبراز التجربة الإماراتية في المحافل الدولية.
غير أن الحديثَ عن الهيئة لا يكتمل دون استحضار المسيرة الحقوقية الأشمل للدولة، والتي انطلقت بشكل متتابع لتطوير تشريعاتها وبناء مؤسّساتها وتحديث سياساتها الهادفة لتعزيز حقوق المرأة، وتمكين الشباب، وحماية الطفل، ورعاية كبار المواطنين، ودعم أصحاب الهمم، وصون حقوق العمال، وترسيخ قيم التسامح والتعايش، ومكافحة التمييز والكراهية، ضمن منظومة متكاملة ومتناغمة. وعلى الصعيد الدولي، لم تكتفِ الإماراتُ بالانضمام إلى الاتفاقيات الدولية، بل انتهجت سياسةً تقوم على الانفتاح والتعاون مع الأمم المتحدة، والتفاعل مع آلياتها، والمشاركة الفاعلة في الأحداث الحقوقية الدولية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الحوار والتعاون هما الطريق الأمثل لتطوير منظومة حقوق الإنسان، بعيداً عن الانتقائية أو التسييس. غير أن المرحلة المقبلة لا تتطلب إعادة تعريف حقوق الإنسان في الإمارات، بقدر حاجتها إلى إبراز النموذج الإماراتي بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، وترسيخ مكانة الهيئة كمؤسسة وطنية مستقلة تحظى بثقة المجتمع الدولي، وتنقل منجزات الإمارات الحقوقية للعالم، وتبني شراكات مؤثّرة مع المؤسسات النظيرة، بما يدعم حصولَها على أعلى مستويات الاعتماد الدولي وفق «مبادئ باريس» التي أقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993، وتعتبر بمثابة «الدستور» الناظم لعمل الهيئات والمؤسسات الوطنية المعنية بحماية وتعزيز حقوق.
ومن هنا، فإن نجاح الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في دورتها الثانية لن يكون نجاحاً لمؤسسة مستقلة فحسب، بل إضافة بارزة لمسيرة الدولة وريادتها العالمية. فالإمارات لا تنظر إلى حقوق الإنسان كملف يُدار، وإنما كقيمة تُمارس، وسياسة تُترجم، ورؤية تتجدد مع كل جيل، وهو ما يجعل انتقالَ الهيئة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التمكين امتداداً طبيعياً لمسيرة وطن اختار منذ البداية أن يكون الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثماراته، وأن تكون الريادة في حقوق الإنسان ثمرةً لمسيرة إنسانية شاملة، لا شعاراً يُرفع أو هدفاً يُعلن.
*كاتب إماراتي
