حين تُطفأ أضواء المدن الإيرانية، وتخيّم عتمة الليل على السواحل الجنوبية، تبدأ ساعة القصف الأمريكية العمل على الأهداف الإيرانية ويستمر نزيف بنك أهداف المواقع العسكرية.

فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، ومرورا بمذكرة التفاهم التي وقّعتها واشنطن وطهران في 11 يونيو/حزيران الماضي لوقف القتال، وصولا إلى انهيارها الفعلي وعودة الغارات الأمريكية لتضرب إيران بحلول منتصف الشهر الجاري؛ ظلّت هناك ظاهرة لافتة تتكرر في كل موجة تصعيد: أغلب الضربات الأمريكية تكون تحت جنح الظلام.

فلماذا يتحول الليل الذي يُفترض أن يكون عامل حماية وتمويه إلى نقطة ضعف في المعادلة الإيرانية ويتحول إلى ميدان تفوق للضربات الأمريكية؟

ويجيب عن هذا التساؤل الخبير في الشؤون العسكرية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد، في تصريحات للجزيرة نت، كاشفا عن أن الإجابة لا تعد مصادفة تكتيكية عابرة، بل هي كامنة في عقيدة عسكرية أمريكية متكاملة تمزج بين التفوق التكنولوجي، والهندسة الحرارية للميدان، وعلم النفس القتالي، وحتى توقيت البيت الأبيض نفسه.

وبينما تعجز جيوش كثيرة عن خوض “الحرب الليلية” بسبب غياب التكنولوجيا اللازمة، وتفضل ما يُعرف عسكريا بـ”ضربات أول ضوء”، يجد الجيش الأمريكي في الظلام “حليفا إستراتيجيا”، حسب تعبير عبد الواحد.

الظلام يتحول لنهار اصطناعي

يبدأ الفارق العسكري بين الطرفين من نقطة تبدو تقنية بحتة، لكنها تحسم مسار المعركة؛ فمن منهما يملك القدرة على الرؤية والاختفاء معا في العتمة؟

ووفق اللواء محمد عبد الواحد، فإن كثيرا من الدول تفتقر إلى القدرة على خوض حروب ليلية بسبب غياب التكنولوجيا الكافية، وهو ما يجعلها حريصة على تفادي هذا النوع من المواجهات، وتلجأ بدلا من ذلك إلى ضربات “أول ضوء” حين يسمح النهار بدقة أكبر وخطورة أقل.

لكن الجيش الأمريكي يخرج عادة عن هذه القاعدة؛ إذ لا يمثل الليل بالنسبة له عائقا، بل يصبح ميدان تفوق مطلق، وذلك بفضل امتلاكه أجهزة رؤية ليلية وتقنيات تصوير حراري بالأشعة تحت الحمراء مدمجة في مقاتلاته الشبحية من طرازي “بي 2″ و”إف 35″، إضافة إلى الطائرات المسيّرة.

وهذه المنظومة، كما يصفها الخبير العسكري، تجعل “الظلام كأنه نهار”، وتمنح الجندي الأمريكي رؤية دقيقة للغاية تُفقد الخصم أي ميزة دفاعية كان يعوّل عليها في جنح الليل.

ولا تتوقف هذه المفارقة عند حدود الرؤية البصرية، بل تمتد إلى ما هو أدق فيزيائيا في ما يتعلق بالبصمة الحرارية، إذ إن الأجواء الليلية تجعل الرادارات والسيارات المدرعة والصواريخ المتنقلة تُصدر موجات حرارية واضحة جدا، وهو ما يجعلها بارزة أمام أنظمة الرؤية الليلية وأجهزة الأشعة تحت الحمراء الأمريكية، وقابلة للاستهداف بدقة عالية للغاية.

وبهذا المعنى -يضيف اللواء السابق في الجيش المصري- فإن ما كان يُفترض أن يمنح القوات الإيرانية غطاء من العتمة يتحول عمليا إلى علامات حرارية تكشف مواقعها بدقة أكبر مما يحدث في وضح النهار، وذلك حين تختلط الحرارة الطبيعية للبيئة المحيطة بحرارة المعدات العسكرية فتصعب عملية التمييز.

وتزداد الصورة تعقيدا حين يتعلق الأمر بالطائرات الشبحية لمقاتلات مثل “بي 2″ و”إف 35” التي تصعب رؤيتها أصلا في النهار، لكن هذه الصعوبة تتضاعف ليلا؛ حيث تصبح هذه المقاتلات في الليل أكثر قدرة على الحفاظ على غموضها الراداري الكامل، مما يجعل رصدها في تلك الساعات أمرا بالغ الصعوبة، حسب ما قاله المتخصص في الأمن البحري للجزيرة نت.

عبد الواحد: أمريكا تعتمد في حروبها على عقد شبكية تمزج فيها المعدات العسكرية بالذكاء الاصطناعيعبد الواحد: أمريكا تعتمد في حروبها على عقد شبكية تمزج فيها المعدات العسكرية بالذكاء الاصطناعي (الجزيرة)منظومة متكاملة من العقد الشبكية

ولا تكتفي واشنطن بهذا التفوق التقني الفردي، بل تدمجه ضمن منظومة أوسع يسميها اللواء عبد الواحد “العقد الشبكية”، وهي بنية معقدة تربط الأقمار الصناعية بمنصات الصواريخ، والطائرات المقاتلة الشبحية، والمسيّرات، وأجهزة الرادار والرصد، في شبكة واحدة تديرها وحدة ذكاء اصطناعي قادرة على كشف الأهداف وضربها بسرعة قياسية، وهذه الميزة تمنح واشنطن أفضلية عملياتية يصعب تعويضها.

وهنا تكمن دلالة مهمة لفت إليها اللواء عبد الواحد بشأن الضربات الإيرانية الأخيرة على القواعد الأمريكية، فهي لم تكن عشوائية بقدر ما استهدفت هذه العقد الشبكية تحديدا؛ إذ تم استهداف غرف عمليات أمريكية في سوريا، وضرب طائرات مسيّرة في البحرين، ومهاجمة مراكز ذكاء اصطناعي في الكويت.

ومع ذلك، يخلص الخبير نفسه إلى أن كل هذه المحاولات الإيرانية لتعطيل الشبكة الأمريكية تصب في نهاية المطاف في مصلحة واشنطن، لأن حجم التفوق التقني يبقى فارقا حاسما لصالحها.

ولذلك تجد إيران نفسها في مأزق دفاعي يزيده الليل تعقيدا؛ فطهران -كما يوضح خبير الشؤون العسكرية- تعتمد كثيرا على الرؤية الليلية البصرية عبر أجهزة بسيطة بعيدا عن الرادارات، وتُبقي على تشغيل محدود لمحطات الرصد الرادارية تفاديا لاكتشافها ولا تصبح أهدافا سهلة للصواريخ الأمريكية المخصصة لتدميرها.

وهذه المعضلة تضع إيران أمام خيار صعب: إما تشغيل الرادارات وتعريض نفسها للكشف والاستهداف الفوري، أو تبقيها مطفأة والاعتماد على رؤية بصرية عاجزة عن التقاط الطائرات الشبحية التي تضرب من مسافات بعيدة، وهو ما يمنح واشنطن أفضلية واضحة في إدارة الضربات الجوية بعيدة المدى.

عبد الواحد: البيت الأبيض يستغل فارق التوقيت في إدارة الحرب بما يناسب النهار الأمريكي وما يقابله من ليل بإيرانعبد الواحد: البيت الأبيض يستغل فارق التوقيت في إدارة الحرب بما يناسب النهار الأمريكي وما يقابله من ليل بإيران (الجزيرة)فوضى نفسية بتوقيت واشنطن

وإلى جانب الأبعاد التقنية السابقة، يفتح اللواء عبد الواحد نافذة أخرى على بُعد نفسي بالغ الدقة يتقاطع بدوره مع توقيت محسوب بدقة في واشنطن؛ فالهجوم في منتصف الليل يُحدث حالة من الذعر في إيران، مما قد يحدث حالة من الإرباك في اتخاذ القرارات اللازمة مثل نقل مخازن الذخيرة بسرعة أو تحريك المركبات؛ فأي محرك يعمل في الظلام يصبح نقطة مضيئة شديدة الوضوح أمام أجهزة الرؤية الليلية والتكنولوجيا الحرارية الأمريكية.

ويذهب الخبير العسكري إلى أن هذه الحالة النفسية تترافق مع فقدان الاتصالات والتشويش على الرادارات، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة انتشار القوات ليلا مغامرة محفوفة بخطر الاكتشاف والاستهداف الفوري.

وتزداد قسوة هذا المشهد حين تُقرأ في سياق ما كشفه بيان القيادة المركزية الأمريكية من مقتل جنديين أمريكيين وإصابة آخرين خلال التصدي لهجمات إيرانية في الأردن، في مؤشر على أن المعركة النفسية تدور على الجبهتين معا، وإن كانت بأدوات مختلفة.

ولا ينفصل هذا الإرباك الميداني عن حسابات أعلى في هرم القرار الأمريكي؛ إذ يضع اللواء عبد الواحد يده على بُعد يتعلق بفارق التوقيت، إذ يتزامن الليل في الشرق الأوسط مع النهار في العاصمة الأمريكية، وهذا التناغم الزمني -كما يصفه- يتيح للقيادة المركزية الأمريكية والبيت الأبيض متابعة العمليات العسكرية وإدارتها وتوجيهها في وضح النهار الأمريكي، وإصدار البيانات الإعلامية المرافقة لها بما يخدم أهداف العملية وسرديتها السياسية أمام الرأي العام في واشنطن.

والخلاصة.. أن القراءة السابقة تكشف عن أن اختيار الليل ميدانا للضربات الأمريكية على إيران ليس خيارا عابرا، بل عقيدة عسكرية متكاملة تتقاطع فيها الرؤية الحرارية والعقد الشبكية والحرب النفسية وتوقيت واشنطن السياسي، لتتحول العتمة من غطاء للتمويه إلى كاشف دقيق للمواقع والتحركات.

وبينما تحاول إيران تعويض هذا الخلل عبر استهداف عقد الشبكة الأمريكية والتصعيد الأفقي ضد دول الجوار، يبقى الفارق التكنولوجي حاسما لصالح واشنطن، على الأقل في المدى المنظور.