الخزائن الزجاجية المصفّحة فارغة؛ لكن الأبواب فُتحت أخيراً. بعد أشهر على عملية السطو التي وقعت في 19 أكتوبر/تشرين الأول، تستقبل غاليري أبولو في متحف اللوفر زوّارها مرّة أخرى. غير أنّ المشهد الذي يُطالع الوافدين تنقصه جواهر التاج الفرنسي، والتحفة المعمارية تتألق بكلّ ما يكسوها من ذهب، فيما اختفت أثمن كنوزها.
سطو بجرأة غير مسبوقة
لم يحتج اللصوص سوى إلى دقائق سبع. اعتلى أربعة أشخاص منصّة رفع مخصّصة لأعمال النقل، وارتفعوا حتى نافذة تُطلّ على نهر السين. غاليري أبولو هادئة هذا الصباح؛ هجعت جواهرها وسكن فضاؤها. دخلوها مقنّعين، وما إن دخلوا حتى دوّى صوت الجلاخات الصناعية وهي تشقّ الخزائن الزجاجية المصفّحة. وعندما انتهى كلّ شيء، كانت ثماني قطع تاريخية من مجموعة جواهر التاج الفرنسي قد اختفت، بقيمة تُقدَّر بنحو 88 مليون يورو. وكان من بين المسروقات عقد الزمرّد الخاص بالإمبراطورة ماري لويز، وطقم الياقوت الأزرق الخاص بالملكة ماري أميلي.

لوحة “أبولو يقتل الحية بيثون“ لأوجين دولاكروا في غاليري أبولو. (أ ف ب)
رغم توقيف أربعة مشتبه فيهم سريعاً في الشهر التالي، لا تزال المسروقات مفقودة، تشكّل محور نشرة تعميم عالمية صادرة عن الإنتربول. ويخشى المتخصّصون السيناريو الأسوأ: أن تكون القطع فُكِّكت، وأُزيلت أحجارها الكريمة من حواملها، ثم أُعيد صقلها لتُباع سراً في السوق السوداء.
خيار الشفافية… والفراغ
بدلاً من انتظار استعادة تبدو مستبعدة للمجوهرات، أو عرض نسخٍ مقلّدة منها، اتخذت إدارة متحف اللوفر قراراً بإعادة افتتاح غاليري أبولو من دون جواهرها. وهكذا، أُعيد تصميم أماكن العرض التي كانت تحتضن رموز الملكية، أو أُزيلت بالكامل، تاركةً فراغاً يختزن دلالات عميقة.

رئيس متحف اللوفر كريستوف ليريبو ووزيرة الثقافة الفرنسية كاترين بيغار أمام باب غاليري أبولو. (أ ف ب)
بالنسبة إلى إدارة المتحف، تمثّل عودة القاعة إلى وظيفتها الأصلية استجابةً ذات بعدين، جمالي وفلسفي. فقد صمّمها المهندس لويس لو فو، وزيّنها الرسام شارل لو برون، قبل أن تصبح النموذج الذي استُلهمت منه قاعة المرايا في قصر فرساي. وبحدّ ذاتها، تُعدّ غاليري أبولو إحدى روائع الفنون الزخرفية في القرن السابع عشر.
وتشير مصادر مطّلعة على الملف إلى أنّ الغاليري ستستعيد وظيفتها الأصلية التي أُنشئت من أجلها، بوصفها “قاعة رسمية للاحتفالات والمراسم”.
ثغرة أمنية وتحوّل استراتيجي
سلّطت الكارثة التي أصابت التراث الفرنسي الضوء على ثغرات أمنية خطيرة. وخلال جلسات الاستماع البرلمانية التي أعقبت عملية السرقة، أقرّت السلطات بوجود إخفاقات جسيمة، من أبرزها وجود نقطة عمياء في نظام المراقبة بالكاميرات الخارجية عند شرفة دينون.

مشهد من غاليري أبولو في متحف اللوفر. (أ ف ب)
واستجابةً لذلك، أقرّت الدولة خطةً لتحديث منظومة المراقبة الأمنية، خُصِّصت لها ميزانية تُقدَّر بعشرات ملايين اليوروهات. لكن إلى حين اكتمال نشر هذه التقنيات، يبقى مبدأ الحذر المطلق هو السائد؛ إذ نُقلت أبرز القطع التي نجت من عملية السطو إلى أماكن آمنة، وفي مقدمتها خزائن بنك فرنسا.
يبقى أنّ رئيس المتحف كريستوف ليريبو قد أكّد أخيراً أنّ المجوهرات التي لم تُسرق ستُنشأ لها قاعة مؤمّنة – عبارة عن خزنة محصّنة من دون نوافذ – في موقع آخر داخل المتحف، مشيراً في المقابل إلى أنها “أعمال ضخمة جداً يجب تنفيذها، لكن علينا أولاً العثور على المكان المثالي، ثم تأمين التمويل”.

الغاليري الفارغ إلا من زواره. (أ ف ب)
على أيّ حال، أعاد متحف اللوفر افتتاح غاليري أبولو، وهو بذلك لم يطوِ الصفحة السوداء ولم ينسَ الكارثة الثقافية. وبإعادة الافتتاح اليوم، يرفض المتحف سياسة الأبواب المغلقة. لكنّه، إذ يقدّم للجمهور فضاءات أُخليت من خزائنها التي تحتوي على ما فُقد، يرفع أمامه نصباً تذكارياً صامتاً؛ شهادةً عارية على جرح أصاب التراث، وتحاول الثقافة اليوم تضميده.
