لم يمر إعلان وصفته واشنطن بـ”التاريخي” بهدوء؛ فبعد ساعات من الكشف عن اتفاق التعاون النووي المدني مع السعودية، اندلع جدل واسع. ويرى منتقدون أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منحت الرياض تنازلات أثارت مخاوف تتعلق بمنع الانتشار النووي.
يأتي ذلك رغم أن الولايات المتحدة أكدت أن الاتفاق مرفق باتفاق ضمانات لمنع الانتشار النووي. وقالت وزارة الطاقة الأمريكية إن وزير الطاقة كريس رايت ونظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان وقعا الاتفاقين.
وذكرت في بيان أن “هذين الاتفاقين يضعان معا الأساس القانوني لشراكة تمتد لعقود وتبلغ قيمتها مليارات الدولارات وتدفع قدما نحو تحقيق أهداف اقتصادية واستراتيجية عدة ذات أولوية، بما في ذلك منع الانتشار النووي”.
وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” قد لفتت إلى أن أحد بنود الاتفاق ينص على أن تبني شركات أمريكية منشأة لتخصيب اليورانيوم في السعودية إذا خلصت دراسة مشتركة إلى أن ذلك مبرر.
ولا يتضمن الاتفاق “المعيار الذهبي” الذي يمنع السعودية من تخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود النووي المستنفد، وهما مساران يمكن من خلالهما إنتاج مواد تستخدم في صنع رأس حربي نووي. كما لا يتضمن الاتفاق “البروتوكول الإضافي” الذي يفرض رقابة دولية أوسع.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة “لن تُبرم أبدا اتفاقا مع أي دولة في العالم من شأنه أن يؤدي إلى خطر انتشار الأسلحة النووية”.
ذكرت نيويورك تايمز أن تنازلات ترامب للرياض في هذا الملف كانت “لافتة” مقارنة بالاتفاقية الأمريكية الإماراتية.صورة من: Alex Brandon/AP Photo/dpa/picture alliance
مخاوف من “انطلاق سباق نووي”
ويرى خبراء أنه من المرجح أن يثير عدم إدراج هذين البندين قلق حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل، وتطرح تساؤلات حول اتساق السياسة الأمريكية، إذ إن أحد المبررات التي استندت إليها حرب إيران الراهنة كان رفض طهران التخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم.
ففي مقابلة مع شبكة “سي بي إس” الأمريكية عام 2018، قال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إن بلاده ستسعى سريعاً للحصول على قنبلة نووية إذا نجحت إيران في تطوير سلاحها النووي الخاص.
لكن تقرير لرويترز أشار إلى أن التصريح أريد به فيما يبدو تصعيد الضغط على طهران لكنه أثار في الوقت نفسه مخاوف من طموحاتها النووية.
وصرح مصدر لرويترز بأن الاتفاق الأمريكي السعودي يوفر مسارا قانونيا للتعاون في مجال دورة الوقود النووي، والتي تشمل تخصيب اليورانيوم، لكنه لا يلزم واشنطن بنقل أي تكنولوجيا أو قدرات ذات صلة إلى المملكة.
ولا تقوم العديد من الدول المنتجة للطاقة النووية بتخصيب اليورانيوم محليا، بل تعتمد على استيراد الوقود النووي المخصب لاستخدامه في مفاعلاتها.
ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مراقبين قولهم إن تزويد السعودية ببرنامج نووي، ولا سيما بقدرات تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة البلوتونيوم، من شأنه أن يشجع انتشار التكنولوجيا النووية في الشرق الأوسط.
وأعرب الديمقراطيون في الكونغرس الأمريكي عن مخاوف مماثلة حيث كتب السناتور الديمقراطي كريس ميرفي على منصة إكس “سيؤدي هذا الاتفاق إلى انطلاق سباق نووي في المنطقة، مما يزيد من تثبيط إيران عن الحد من برنامجها النووي”.
“تنازلات” ترامب للسعودية؟
وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن التنازلات التي قدمها ترامب للرياض في هذا الملف تعد “لافتة” مقارنة بالاتفاقية المماثلة التي وقعتها الولايات المتحدة مع الإمارات ودخلت حيز التنفيذ عام 2009.
وأضافت أن الاتفاق يأتي على النقيض من اتفاقية مماثلة مع الإمارات التي وافقت على عدم السعي لتخصيب اليورانيوم أو معالجة الوقود النووي المستهلك في إطار ما يُعرف بـ “المعيار الذهبي”.
وقبل الإعلان الرسمي عن الاتفاق، وصف آرون ديفيد ميلر، المستشار السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، الصفقة بأنها تمثل “انتهاكا لسياسة الولايات المتحدة الخاصة بمنع الانتشار النووي وتنازلا خطيرا لصالح الرياض”، بحسب تقرير لصحيفة “فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ” الألمانية.
من جانبها، وصفت روزماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة “ديفنس برايورتيز” أو “أولويات الدفاع”، الاتفاق بأنه “فكرة سيئة للغاية لأسباب عديدة”.
وأضافت في تعليق نشره موقع المؤسسة أنه “بعيدا عن مخاطر الانتشار النووي، فإن امتلاك السعودية لقدرات تخصيب اليورانيوم سيمنحها ورقة ضغط قوية للحصول على تنازلات مستقبلية من واشنطن، بما في ذلك ضمانات أمنية جديدة، عبر التلويح بإمكانية تحويل برنامجها إلى أغراض عسكرية ما لم تقدم الولايات المتحدة حماية عسكرية أكبر”.
وقالت إن هذا الأمر “قد حدث ذلك من قبل، على سبيل المثال في كوريا الجنوبية وألمانيا الغربية، حين استخدمت الولايات المتحدة المظلة الأمنية لإقناع شركائها بالتخلي عن برامجهم النووية”.
يرى خبراء أن الاتفاق يمنح واشنطن أفضلية على الصين وروسيا، بعدما لوحت الرياض سابقا بالتعاون معهما إذا تعثرت الشراكة النووية الأمريكية.صورة من: Royal Court of Saudi Arabia/AA/picture alliance
“انتصار” أمريكي على الصين وروسيا
ورغم الانتقادات، يرى خبراء أن الاتفاق يمثل انتصارا للولايات المتحدة في مواجهة الصين وروسيا في ضوء أن السعودية قد ذكرت في السابق أنه في حال عدم التوصل إلى شراكة مع الولايات المتحدة، فقد تتعاون مع بكين أو موسكو اللتين تطبقان معايير مختلفة فيما يتعلق بالانتشار النووي.
وكتبت جينيفر تي جوردون، مديرة مبادرة سياسة الطاقة النووية في مركز الطاقة العالمي التابع للمجلس الأطلسي، إن الاتفاق لا يمثل “مكسبا لصناعة الطاقة النووية الأمريكية فحسب، بل يُعد أيضا انتصارا لمنظومة منع الانتشار النووي العالمية التي تقودها واشنطن”.
وأضافت في تقرير نشره المجلس أن السعودية قد أكدت “مرارا عزمها على تبني الطاقة النووية وإطلاق برنامج نووي مدني، وكان التساؤل المطروح لا يتعلق بما إذا كانت المملكة ستفعل ذلك، بل مع أي شريك ستتعاون: الولايات المتحدة وحلفاؤها أم روسيا أو الصين.”
تحرير: عماد غانم
