فريق المسرحية (قناة مسرح الماريينسكي على تلغرام)

يتكرر في تاريخ المسرح أن يقف حاكم وحيداً على الخشبة، والقاعة كلها شهود لا يملكون سلطة الحكم عليه. منذ زمن اليونان، لم يكفّ المسرح عن اختراع هذه المحاكمة الموازية التي لا تصدر فيها إدانة رسمية، لكنها تترك المتفرّج يغادر وهو يحمل حكمه الخاص.

عرش مبني على الدم: خلفية الحدث التاريخي

في سانت بطرسبرغ هذه الأيام، اختار مسرح الماريينسكي أن يجدد هذه المحاكمة القديمة عبر أوبرا “بوريس غودونوف”، ضمن الدورة الرابعة والثلاثين لمهرجان “نجوم الليالي البيضاء” جاء هذا الافتتاح ليعيد نبش سؤال قديم طالما أرّق صُنّاع المسرح والموسيقى لقرون: أيُّ نسخة من هذا العمل التاريخي تجب قراءتها وتقديمها للناس اليوم؟

اسأل عربي
اسأل عربي

ما هي أبرز التحديات التي واجهت موسورسكي عند تأليف أوبرا “بوريس غودونوف” في زمنه؟

كيف أثرت الرؤية الإخراجية المعاصرة في تجسيد معاناة بوريس غودونوف وشعبه؟

يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)

هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه
سياسة الخصوصية
وشروط الخدمة
الخاصة بشركة Google.

استلهم بوشكين شخصية القيصر وخلّدها في تراجيديا مسرحية

لفهم أبعاد هذا الحدث والأوبرا نفسها، تنبغي العودة بالحكاية إلى زمن الاضطرابات الكبرى في تاريخ روسيا مع مطلع القرن السابع عشر. حيث اعتلى بوريس غودونوف أول حاكم غير سلالي العرش القيصري عقب وفاة القيصر فيودور الأول، آخر قياصرة سلالة روريك السلافية. غير أن شرعية حُكمه ظلت محاطة بالظنون، يطاردها اتهام تاريخي بتدبير مقتل الطفل دميتري، الأخ غير الشقيق للقيصر الراحل، في بلدة أوغليتش عام 1591.

النزول إلى لغة الشارع

هذه العقدة التاريخية والدرامية بالذات، والتي استلهمها الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين (1799–1837) في مسرحيته التراجيدية الشهيرة “بوريس غودونوف”، التي التقطها الموسيقار مودست موسورسكي ليصنع منها ملحمته الأوبرالية. غير أن صعوبة كبرى واجهت هذا المشروع عند ولادته، ففي زمن موسورسكي، كانت الأوبرا السائدة هي الإيطالية والفرنسية المليئة بالمشاهد الاستعراضية وقصص الحب الخفيفة. جاء موسورسكي بموسيقى خشنة استلهمها مباشرة من نبرات الكلام البشري اليومي للرعايا ومن تراتيل الكنيسة الأرثوذكسية. ولهذا السبب، جرى رفض العمل من إدارة المسارح الإمبراطورية عام 1871 بحجة خلوه من دور نسائي رئيس، وافتقاره إلى قصة حبّ تجذب الجمهور المخملي.

اسأل عربي
اسأل عربي

ما هي أبرز التحديات التي واجهت موسورسكي عند تأليف أوبرا “بوريس غودونوف” في زمنه؟

كيف أثرت الرؤية الإخراجية المعاصرة في تجسيد معاناة بوريس غودونوف وشعبه؟

يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)

هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه
سياسة الخصوصية
وشروط الخدمة
الخاصة بشركة Google.

تقشف الصياغة الأولى لعام 1869

أمام الرفض القيصري قديماً، اضطر موسورسكي إلى إضافة فصول جديدة وتعديل التوزيع الموسيقي ليخرج بالنسخة المعدلة لعام 1872 (التي عُرضت عام 1874). غير أنّ التاريخ لم يحسم الجدل حول صياغتها المثلى؛ إذ تحولت تعددية النسخ – بين التي صاغها المؤلف بدافع التعديل، والتي أعاد توزيعها مؤلفون كبار مثل نيكولاي ريمسكي كورساكوف ودميتري شوستاكوفيتش – إلى مصدر سجال نقدي دائم.

رأى بعض النقاد في خيارات المخرج شيئاً من الرتابة 

وفي العرض الحالي لمسرح الماريينسكي، حسم القائد الموسيقي الروسي فاليري غيرغيف خياره بتقديم الصياغة الأصلية الأولى للمؤلف لعام 1869. وهي صيغة تتسم بتقشف في بنائها الدرامي، وتغيب عنها تماماً المشاهد التي أضيفت لاحقاً لتلبية رغبات دور العرض التجاري، وعلى رأسها “الفصل البولندي” الذي يمنح العمل خطاً عاطفياً يربط بين مدّعي العرش “دميتري الكاذب” والأميرة مارينا منيشك. في هذه النسخة، تتراجع الشخصيات الثانوية إلى الهامش، ليمتد العرض إلى نحو ساعتين وخمس وثلاثين دقيقة متواصلة دون استراحة واحدة، مما يخلق حالة وصفها النقاد بالتوتر المتصاعد داخل القاعة المظلمة؛ حيث يجد المتلقي نفسه محروماً من الفواصل التقليدية، شريكاً في عزلة بوريس غودونوف وندمه.

قراءة إخراجية معاصرة

تولى الفريق البلغاري بقيادة المخرج أورلين أناستاسوف ومهندس الديكور دنيس إيفانوف صياغة الرؤية البصرية للعرض. للوهلة الأولى، تبدو الملابس القيصرية الثقيلة واللحى الطويلة لرجال البلاط (البويرز) متسقة مع العصر التاريخي. غير أنّ الديكور يكسر هذا الهدوء الكلاسيكي بجرأة؛ إذ لم تُبنَ الكاتدرائيات والصلبان من الحجر القديم، بل بدت وكأنها مشيدة من خرسانة رمادية تشبه سجون الحداثة أو المخابئ العسكرية، بينما صُممت الأيقونات من النحاس المطروق. وقد عبّر المخرج أورلين أناستاسوف، الذي سبق له أداء دور القيصر غودونوف كمغنٍّ للباص على المسارح العالمية، عن فلسفة العرض بقوله: “إن بوريس غودونوف شخصية استثنائية في تاريخ الأوبرا؛ ففي الأعمال الغنائية كثيراً ما يموت الأبطال بالطعن أو بالسم، لكن من النادر جداً أن تجد شخصية تموت سحقاً تحت عذاب الضمير”.

اسأل عربي
اسأل عربي

ما هي أبرز التحديات التي واجهت موسورسكي عند تأليف أوبرا “بوريس غودونوف” في زمنه؟

كيف أثرت الرؤية الإخراجية المعاصرة في تجسيد معاناة بوريس غودونوف وشعبه؟

يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)

هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه
سياسة الخصوصية
وشروط الخدمة
الخاصة بشركة Google.

وسط هذه الوحشة الإسمنتية، يتحرك الشعب الروسي بلباس رثّ، تحاصره ثلوج لا تتوقف عن الانهمار طوال العرض. إنه تجسيد بصري لـ”العصر الجليدي الصغير” والمجاعة التي واكبت سنوات حكم بوريس؛ حيث يتحول الجليد من طقس مناخي إلى سجن روحي يحبس الحاكم ورعيته في صقيع لا يرحم. ويتأكد هذا البعد النفسي عبر التجسيد الحسي لتأنيب الضمير؛ فطيف الطفل المغدور دميتري يتحرك كظل صامت بين أرجل الحاشية المتواطئة، ويجلس فوق كرسي العرش الذهبي، بينما ترتسم عيناه على شاشات الإسقاط، لتؤكد للمشاهد أن الخرسانة قد تحمي من الشتاء، لكنها تعجز عن توفير الدفء لروح ملوثة بدم بريء.

لم يمر هذا العرض دون إثارة سجال نقدي في الصحافة الثقافية الروسية. وفي هذا السياق، قدم الناقد الموسيقي الروسي ألكسندر ماتوسيفيتش تحليلاً تشريحياً صارماً للعرض. يرى ماتوسيفيتش أن قرار فاليري غيرغيف بالعودة إلى نسخة عام 1869، على الرغم من نقائها التاريخي وجرأتها، قد أوقع العرض في فخ “الأحادية اللونية والرتابة السمعية”. وبحسب ماتوسيفيتش، فإن تغييب “الفصل البولندي” بغواياته البصرية وموسيقاه اللامعة قد جرّد الأوبرا من عناصر التباين والدراما الحية، وحول شخصية مُدّعي العرش “دميتري الكاذب” إلى حضور من دون تطور درامي ملموس.