“مياه ساخنة” فيلم رحلة تجمع بين أم وابنها، دافئ وحساس في تعبيره عن مشاعر الفقد والانتماء واكتشاف الذات والآخر القريب، مشاعر تتأرجح بين سكينة وتوتر وحنين وحبّ، يقدمها الفيلم بخفة تنأى عن مبالغة، وتسودها روح دعابة.
إنه أول فيلم روائي طويل للمخرج السوري الأميركي رمزي بشور، يروي فيه قصة مراهق من ولاية إنديانا بعد طرده من الثانوية، فتنطلق به والدته اللبنانية المهاجرة في رحلة برية لاستكشاف الغرب الأميركي والوصول إلى أبيه. إنها ليال (الممثلة المغربية/ البلجيكية لبنى الزبال)، أستاذة جامعية للغة العربية، مطلقة عالقة بين عالمين: بيروت، مكان تركتها وما زال يسكنها مع أهله، وآخر تقيم فيه وتحاول التأقلم معه وحلّ مشاكل ابنها. لكن ستأتي لحظات حاسمة ستكون مرشدتها لاكتشاف ذاتها ومعرفة ما تريده حقًا، كما معرفة ابنها وإعادة بناء علاقتها معه. وليس أفضل من تحقيق الاكتشافات إلا فيلم طريق تخوض فيه الشخصيات رحلة طويلة من آلاف الكيلومترات.
عرض الفيلم في مهرجان كارلوفي فاري (3-11 تموز/ يوليو 2026) في قسم “آفاق”. هناك التقينا رمزي بشور في حوار عبر فيه بحرارة عن تجربة مخرج شاب شكلت حياة التنقل ورحلته في الغرب الأميركي ركيزتي فيلمه الأول هذا.
(*) عرّفنا عليك، وعلى مسيرتك في بلاد الشرق والغرب؟
وُلدت في مدينة الرياض عام 1988. ومع اشتداد أزمة الخليج واندلاع الحرب اضطررت أنا وأمي إلى المغادرة، فتوجهنا أولًا إلى سورية، وكنت صغيرًا جدًا، ولم تتجاوز إقامتي هناك بضعة أشهر. ثمّ بعد مرحلة مضطربة من التنقل بين ولاية إنديانا الأميركية، التي تنتمي إليها أمي، وبين الرياض، استقرت العائلة في بيروت. كان والدي يدرّس في الجامعة الأميركية، قسم علوم التربة، وأمي تعلم الإنكليزية في مدرستي. هذا الجانب من قصة أهلي مذكور في الفيلم مع شخصية “ليال” المعلمة في الجامعة. مع اندلاع الحرب هناك عام 2006، انتقلت إلى إنديانا. ثم عدت إلى بيروت وتابعت دراستي وكنت أفكر في الالتحاق بالجامعة الأميركية إلا أن أخويّ، وكلاهما أكبر مني سنًا، كانا قد انتقلا إلى إنديانا، فقررت اللحاق بهما حيث عائلة والدتي.
(*) التنقل، والوطن، والاستكشاف، وتمازج الثقافات واللغات، كان دائمًا جزءًا من نشأتك، نلمح أثره في الفيلم.
نعم، لا سيما في شخصية الابن الذي يُربى في مكان ليس بالأصل مكان أهله. هو وحده من إنديانا وأمه لبنانية تعيش فيها ووالده من مكان آخر. فيما يخصني، والدي سوري جذوره لبنانية، نشأ في صافيتا وتعلّم العربية في كنف عائلة تنتمي إلى الروم الأرثوذكس، متأثرًا بعادات تلك المنطقة. وأنا عشتُ بين أجواء مدينة بلومنغتون، بلدة جامعية صغيرة في ولاية إنديانا، وتختلف عاداتها وأجواؤها اختلافًا تامًا عن بيروت حيث نشأتي الفعلية خلال مرحلتي المراهقة والشباب مع إقامة سورية وجنسية أميركية وحيث كنت أتحدث الإنكليزية والعربية معًا. ظللت أشعر أن ما عشته يختلف عمّا عاشه أهلي، بمعزل عن تقاليد الروم الأرثوذكس، وبتأثير من النشأة الأميركية. هذا طبيعي فكل جيل ينشأ في زمن مغاير لزمن من سبقه. عاصرت بيروت الثمانينيات والتسعينيات، ومطلع الألفية الجديدة، في المرحلة التي تلت الحرب، والوجود السوري حتى انسحابه، ثم اغتيال رفيق الحريري، والحرب بين حزب الله وإسرائيل. كل هذه الأحداث المتلاحقة جعلت من تجربتي أمرًا خاصًا بي وحدي وحتى بين إخوتي، مع أن فارق السن بيننا يتراوح بين سنتين وأربع فقط. وحين انتقلت إلى إنديانا وأنا في السابعة عشرة من عمري، شعرت أنني غريب تمامًا، وكأنني قادم من كوكب آخر.
(*) كيف تجلّى هذا الشعور؟ تبدّى في الفيلم مع إحساس ليال بالغربة؟
رغم أنني أشبه والدتي، وأتحدث الإنكليزية بلهجة سليمة تمامًا، لم يقتنع الأميركيون بذلك. رغم أنهم في بداية تعرّفي إليهم ظنّوا أنني ابن تلك المنطقة تحديدًا، فجدتي وخالتي تقطنان فيها. لكنني، في الحقيقة، لم أكن من هناك. كان اسمي يبدو غريبًا في تلك الفترة، وكذلك عاداتي. لم أكن أُحسن الحديث مع الفتيات، ولا أعرف شيئًا عن الرياضات التي كانوا يمارسونها، بل لم يكن ذلك يعنيني أساسًا، فالإنترنت وحده كان يكفيني في المنزل. لم أنتمِ إلى إنديانا، ولا إلى بيروت، ولا إلى سورية، بل لم أنتمِ حتى إلى زمني، إذ كنت أستمع إلى موسيقى الستينيات والسبعينيات، وإلى أم كلثوم، وإلى فرقة نيرفانا في آن. كان المزاج العام مزيجًا مشوّشًا من كل هذا. استهواني أن أوظّف هذه الفكرة في الفيلم، فمزجت بين اللغات، ومزجت بين الأزمنة، وأرسلت الشخصيات معًا على الطريق لتكتشف، سويًا، مكانًا جديدًا.
(*) وكيف قدمت إلى السينما؟
صراحة، جاء هذا القرار بنصيحة من أبي، فهو أمضى حياته في الوسط الأكاديمي، ولأسباب عدة إدارية، منها دراسته، أُعفي من الانخراط في الجيش السوري. كان والدي شديد الالتزام ويرى أن التعليم أهم ما أعانه في حياته. أما أنا، فلم أكن طالبًا مجتهدًا، بل مشاغبًا بطريقة يحبها الجميع، وكان الأساتذة يكنّون لي المودة، ولم أرسب في أي مادة قط، لكنني في المقابل لم أكن أدرس إطلاقًا، وكنت أقضي وقتي في مشاهدة الأفلام وتعليم نفسي العزف على الجيتار. باختصار، لم أكن طالبًا مثاليًا. بعد أن درست الأدب الإنكليزي والكتابة وتخصصت أيضًا في الموسيقى، أضفت تخصصًا فرعيًا صغيرًا، لم يعد موجودًا اليوم بسبب سياسات ترامب، وكان يتعلق بالسينما. كنا نصوّر بكاميرات 16 ملم، ونقوم بتقطيع الأفلام يدويًا بالكامل، باستخدام البكرات والشريط اللاصق. وبعد التخرج سافرت لمدة عام وعملت في مطابخ ومزارع في أنحاء البلاد. حينها فقط رأيت الغرب الأميركي حقًا.
مشهد من “مياه ساخنة”
(*) وصور هذا الغرب الساحر هي التي شكلت إلهامًا لك لصنع هذا الفيلم فيما بعد؟ كيف قررت الانتقال من أعمالك المتفرقة إلى السينما؟
كانت السينما موجودة في خيالي، لكن لم أكن أعرف كيف أبدأ. كنت كاتبًا، كتبت أكثر من فيلم، لكنها نصوص ظلت على الكمبيوتر. وبين مشاغلي المتعددة، عملت بنصيحة أبي، فقدّمت على عدة جامعات، وحصلت على منحة من جامعة نيويورك من 2016 إلى 2020. قبلها في 2015، أنجزت في بيروت “لا أحد يخرج من هنا”، أول عمل سينمائي لي، وهو فيلم روائي قصير يتناول موضوع اللجوء في لبنان، وقصص السوريين الذين عبروا الحدود ساعين للوصول إلى أوروبا. تعاونت لإنجازه مع قصي بشير، وهو ممثل موهوب من درعا. عُرض لاحقًا في مهرجان روتردام. وبينما كنت لا أزال أعمل عليه، وأعيش في أمستردام، قررت أن أخوض تجربة الماجستير في السينما، ما قد يفتح لي لاحقًا طريقًا لأصبح أستاذًا جامعيًا. وكانت هذه الخطوة منطقية، لأن أميركا تنظر إلى مثل هذه الشهادات كاعتماد رسمي في مجال الفن.
(*) ممن استوحيت شخصية الأم اللبنانية؟
استلهمتُها من معلمين عديدين مرّوا في حياتي، إذ أظن أنني كنت أثير جنونهم خلال مرحلتي الإعدادية والثانوية. حين سافرت إلى أميركا عام 2011، وتعرّفت على هذا البلد بمساحاته المختلفة، كنت أعمل حينها في المطاعم؛ تركت هذه الرحلة أثرًا عميقًا فيّ. وعادت بي الذاكرة إلى الأساتذة الذين ربّوني وعلّموني في المدرسة، وتخيّلت: ماذا لو خاضوا هم أنفسهم هذه الرحلة، ورأوا هذه الأماكن، واكتشفوا ما كنت أكتشفه بنفسي؟ قمت برحلة مع صديقين لي خلال فترة حركة “احتلوا وول ستريت”، متنقلين بسيارة سوبارو، لكن ما شدّني أكثر فكرة أن تكون العلاقة بين أم وابنها وليس بين أصدقاء ثلاثة. وأنا أكتب هذا الفيلم، كنت أبحث عن شخصية معقّدة، غنية بالتفاصيل، مثيرة للاهتمام، شخصية واقعية، مفعمة بالشغف، ولها صراعها الداخلي الخاص بها.
(*) ووجدت الممثلة لبنى الزبال أفضل من يجسدها. هل فكرت بها بعد الانتهاء من كتابة النص أم أنك تخيلتها في الدور في أثناء الكتابة؟
في البداية كنت أفكر بأسماء أخرى، ويقترح آخرون من يمكنها أن تمثّل المرأة التي نراها كثيرًا في الأفلام العربية والتقليدية وفي المسلسلات، لكني أحببت أن أكسر هذه الصورة النمطية، وأغيّر صورة الأم حبيسة المنزل، المنشغلة بالطبخ، والوحيدة إلى حد ما. أنا من معجبي لبنى الزبال منذ أن بدأتُ اهتمامي بالسينما في المرحلة الثانوية، عام 2005. شاهدت أفلام “الجنة الآن”، و”حرائق” و”المنافي”، وكانت حاضرة في ذهني منذ البداية، بحيث إنني بعد أن أنهيت المسودة الأولى، عدت وأعدت كتابة الشخصية خصيصًا من أجلها. عملنا كثيرًا على اللهجة لأن أصولها مغربية وتحمل الجنسية البلجيكية.
(*) لماذا صوّرت شخصية الأمّ مشحونة بالتوتر والضغط، عصبية إن جاز التعبير؟ هل أضافت الممثلة خصائص إلى الشخصية؟
هي شخصية تجسّد ملامح كثيرة من الأمهات بتوترها وقلقها. تعيش في مكان لا تشعر بالانتماء إليه، ما جعلها عصبية. وابنها يسبب لها المتاعب، وزوجها مصدر صداعها، ووالدتها سقطت وكسرت إحدى فقراتها، وهي نفسها في خضم محاولة الإقلاع عن التدخين. لبنى أضافت الكثير إلى الشخصية. في داخلها نار، تشتعل فجأة وتنفجر أمام الكاميرا. ليال، كما كتبتها، لم تكن بهذا القدر من العصبية، لكنني أُعجبت بالكيمياء التي نشأت في المشاهد بينها وبين دانيال. وهو أيضًا في النص أصعب وأكثر تأففًا وعنادًا، بينما الممثل نفسه أكثر رقة ولطفًا، وهذا التباين أعتبره هدية حقيقية، إذ كتبت شخصيات تختلف بعض الشيء عن طبيعة الممثلين أنفسهم، وقد أضفوا على الأجواء لمسة جميلة وجديدة.
(*) لكن العلاقة بين الشخصيات، مثلًا، لم تحمل بوحًا عميقًا، وكان الغضب والانفعال يظهران أكثر عبر الحركة والسلوك، لا عبر الحوار المباشر بينهما. هل تقصدت ذلك؟
ربما هناك مشهد واحد مهم في نهاية الفيلم، يحمل شيئًا من البوح بين الأب وابنه. لم أنتبه لهذا في البداية، فقد كنت أظن أن ما أصنعه هو فيلم عن الحركة والتقدّم والانتقال، ولم أدرك إلا في مرحلة المونتاج أن جوهر القصة هو العلاقة بين أم وابنها. كان هذا حاضرًا في السيناريو، لكنه لم يكن واضحًا لي حتى وأنا كاتبه، وفي المونتاج أدركت أن ما كان يهمني فعلًا هو أن أُظهر كيف يتجنبون البوح المباشر، وأن الصوت والنظرة والصمت يقولون في النهاية أكثر مما يقوله الكلام.
(*) أريد أن أسألك عن العلاقة التي تربط الفنان ببلده الأصلي. هل تعتبر بيروت بلدك الأول؟ أو هل تشعر بانتماء لكل هذه الأماكن مجتمعة؟
لا أشعر بانتمائي إلى أي منها بمفردها. سؤال “بلدي الأول” ظلّ صعبًا عليّ طوال حياتي، لا جواب واضحًا له، ولا مكان ثابتًا وموحّدًا أستطيع أن أنسبه إليه. فعلاقتي، إن جاز التعبير، ليست علاقة واحدة، بل علاقات متعددة. وربما جوهر السؤال في الحقيقة هو إن كان ابن أساتذة جامعيين، في عام 2015، هو نفسه سواء أكان لبنانيًا، أو سوريًا، أو مغربيًا، أو سعوديًا، أو حتى ابن نيويورك. فالمهم في الأمر هو الطبقة التي نشأ فيها الإنسان، الاجتماعية والثقافية والسياسية، والزمن، وانطلاقًا من هذه الفكرة، شعرت أنني عشت في زمن مختلف تمامًا، وفي مكان مختلف تمامًا عن أهلي، في بيروت، عام 2005، سوريًا من جهة، وأميركيًا من جهة أخرى.
