زياد الرحباني في عمل أنجزه الرسام محمد معطي (العربي الجديد)
ربما يتبادر إلى ذهن من يسمع بكتاب عنوانه “مولعٌ بزياد”، أن المؤلف أحد الهائمين المفتونين بشخصية الموسيقي اللبناني الراحل زياد رحباني (1956 – 2025)، وأن هذا الولع سيبتعد بالكاتب عن التناول الموضوعي لمسيرة زياد الفنية. لكن مع المقدمة، وصفحات الفصل الأول، يكتشف القارئ سريعاً أن الشاعر والناقد العراقي علي عبد الأمير عجام، استطاع إلى حد بعيد أن يفصل بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، وأن يقدم رصداً لمسيرة أحد أهم الموسيقيين الذين صاغوا المشهد الفني اللبناني والعربي خلال خمسين عاماً مضت.
الكتاب الصادر عن مركز تكوين الثقافي (الكويت)، جاء في 150 صفحة، توزعت على ثلاثة فصول، يتناول الأول منها علاقة زياد بالمؤسسة الرحبانية، أسرياً وفنياً، وخطوات خروجه عنها، بدءاً من تبلور شخصيته الفنية المستقلة والمختلفة جذرياً. وفي الفصل الثاني، يتوقف المؤلف مع علاقة زياد بوالدته المطربة فيروز، التي تمتعت بمكانة استثنائية في الواقع اللبناني، وأهم محطات اللقاء بين صوت فيروز وألحان زياد الرحباني.
في الفصل الثالث، يبحث المؤلف عن طبيعة الرؤية التي حكمت مواقف زياد السياسية والاجتماعية، ومدى صلاحية الموسيقى للتعبير عن الواقع. يندر في المشهد الثقافي العربي أن تأتي الانعطافات الفنية في صورة حادة وواضحة ومكتملة الأركان كالتي أحدثها زياد الرحباني صعوداً من قلب الرحم الفني الذي شكّله الأخوان عاصي ومنصور برفقة السيدة فيروز.
لا يتعامل المؤلف مع هذه الانعطافة بوصفها مجرد صراع أجيال طبيعي، أو رغبة شبابية في التمرد وإثبات الذات، وإنما يحاول أن يفككها بوصفها انقلاباً معرفياً في الوعي بدور الأغنية والمسرح في المشرق العربي، ونقل الفن من المتخيَّل والأسطوري إلى الواقعي والمأزوم.
يجزم المؤلف بأن زياد لم يخرج من العباءة الرحبانية لأنه يجهلها أو يقلل من شأنها، وإنما لكونه استوعبها حتى التخمة وعرَف حدودها الفلسفية والزمنية. أدرك زياد مبكراً أن هذه اليوتوبيا قد استنفدت أغراضها، وأنها باتت عاجزة عن تفسير القاع اللبناني، خصوصاً مع إرهاصات الحرب الأهلية قبل منتصف السبعينيات. قاد زياد عملية “تهديم ممنهج” للقرية الرحبانية، ليأخذ المسرح والأغنية في رحلة هبوط اضطراري نحو “المدينة”، نحو بيروت بصخبها، وعشوائياتها، وفسادها السياسي، وصراعاتها الطبقية والطائفية.
استبدل زياد شجر الحور والينابيع الصافية برائحة البارود، وغبار الشوارع الخلفية، ومقاهي المثقفين المحبطين، وحانات الكادحين. لم تعد الشخصيات في نتاجه ملوكاً وأمراء وقرويين طيبين، بل أصبحت بائعي خضار، وموظفين مسحوقين، ومرضى نفسيين، ومقاتلين مشوشين على خطوط التماس.
يحاول المؤلف أن يَفهم وأن يُفهم القارئ كيف جعل زياد السخرية والتهكم أداة دفاعية لمواجهة الجحيم اليومي. السيناريو الزيادي لم يعد يبحث عن حلول تصالحية، فإذا كان مسرح الأخوين رحباني ينتهي غالباً بانتصار الخير وعودة المغتربين والمصالحة الوطنية، فإن مسرح زياد يترك الستارة تسدل على تساؤلات معلقة، أو انتحار، أو جنون جماعي داخل مصحة نفسية، في إشارة إلى عبثية الواقع واستحالة ترميمه بالمسكنات القديمة.
وعلى الصعيد الموسيقي والتعبيري، تخلت الأغنية مع زياد عن صيغها التطريبية والمونودرامية المحفوظة. وبجرأة لفظية استخدم المفردة اليومية، المبتذلة أحياناً، واللاذعة في أحيان أخرى. تخلت الموسيقى عن اعتيادها الفلوكلوري لتدخل في صراع المقامات الشرقية مع الجاز، والفانك، والبلوز؛ وهي أنماط موسيقية ولدت أساساً من رحم المعاناة، والفقر، والاحتجاج الزنجي في الغرب، فجاء بها زياد ليعبر بها عن “الاحتجاج الشرقي” في بلد يتمزق.
يرى المؤلف أن زياد مارس نوعاً من “العقوق الإيجابي” أو “الخيانة الإبداعية المشروعة”. إنه الابن الذي أحب إرث عائلته إلى درجة أنه رفض أن يراه يتكلس أو يموت خلف جدران الماضي، فاختار أن يرمي به في أتون الشارع وجحيم المدينة، ليعيد صياغته حياً، نابضاً، وموجعاً. وبذلك، تحول زياد من مجرد وارث للعرش الرحباني إلى مهندس للقطيعة الحداثية في الفن العربي المعاصر.
وإذا كان تفكيك “الأبوة الفنية” قد شكّل صدمة للمؤسسة الرحبانية الكلاسيكية، فإن الاقتراب من صوت السيدة فيروز وإعادة صياغة هويتها الغنائية كان مغامرة خطيرة، خاضها زياد بكثير من الجرأة والوعي المفاهيمي. يعتبر المؤلف أن ما فعله زياد لم يكن مجرد تلحيناً لـ”والدته”، وإنما كان إعادة إنتاج سوسيولوجية وفلسفية لأيقونة وطنية وقومية، ونقلها من فضاء “السماوي الأسطوري” إلى “الإنساني المأزوم”.
التقط المؤلف مكمن الانقلاب الجذري. لقد أدرك زياد، بحسه النقدي والواقعي الحاد، أن إبقاء فيروز في هذا الفضاء “الأيقوني المعقم” مع مرور العقود، وتغير ملامح العالم والعالم العربي بعد النكسات والحروب، سيهدد هذا الصوت بـ”التكلس الأثري” أو التحول إلى نتاج ينتمي للماضي، لذلك، قرّر أن يرتكب “خطيئته الإبداعية الكبرى”: إنزال فيروز من سمائها الرحبانية، وإجبار صوتها على السير في شوارع المدينة، والتنفس من هوائها الملوث بالواقع والسياسة والخيبات.
مع زياد، تخلت فيروز عن وقار “المرأة الرمز” لتتحول إلى امرأة واقعية، لحم ودم، تعيش مشاعر يومية، مربكة، ومتناقضة. لم تعد تغني لعشق حالم مستحيل، بل أصبحت تغني عن تفاصيل العلاقات العاطفية، وعن تقلبات المزاج الإنساني في عالم حديث ومعقد. كلمات مثل “كيفك إنت، ملا إنت”، أو “عندي ثقة فيك”، أو “مش كاين هيك تكون”، شكّلت صدمة تعبيرية للجمهور. وفي نظر المؤلف، فأن زياد استبدل بالرومانسية الرحبانية، واقعية حادة، تملك فيها المرأة شجاعة العتاب، والاعتراف بالضعف، وحتى السخرية من العلاقة المأزومة، ما منح صوت فيروز بُعداً نفسياً إنسانياً لم يكن موجوداً من قبل.
ويتوقف المؤلف مع إنتاج زياد المسرحي، مشيراً إلى كيف حوّل الرجل الكوميديا من أداة للمتعة والتسلية إلى سلاح نقدي فتاك. في مسرح زياد، قد يضحك الجمهور حتى البكاء، لكنه ضحك نابع من الصدمة ومواجهة الحقيقة العارية. وتتجلى القيمة الاستشرافية والتحليلية لهذا المسرح من خلال زوايا أساسية ركز عليها “مولعٌ بزياد”، من أهمها، تفكيك “الوعي الزائف” كما في مسرحية “فيلم أميركي طويل”، إذ يبدو المجتمع اللبناني بأكمله -بأمراء حربه ومواطنيه ومثقفيه- يعيش حالة من “الذهان الجماعي” والإنكار، ويتقاتل الجميع دفاعاً عن شعارات وهوامش طائفية لا يفهمونها، بينما القوى الكبرى (المشار إليها بالفيلم الأميركي) تحرك الخيوط من خلف الستار.
يوضح “مولعٌ بزياد” كيف عاش الرحباني صدمة الوعي عندما اكتشف أن الشارع الذي يغني له ويناضل من أجله، فضل في النهاية الانحياز إلى هوياته الطائفية والمذهبية الضيقة بدلاً من الهوية الطبقية الجامعة. الحرب لم تنتج ثورة اشتراكية، بل أنتجت أمراء طوائف تقاسموا الجبنة اللبنانية في الطائف (نوفمبر/تشرين الثاني 1989).
هذا الارتطام بالواقع اللبناني والعربي الصلد، خلف في أعماق زياد جرحاً وجودياً غائراً، فتحول الفن من أداة “لتغيير العالم” إلى مجرد أداة “لرصد خرابه”، وهو ما تجلى في تزايد نبرة العدمية والعبثية في أعماله المتأخرة. يبين المؤلف كيف انعكست خيبة الأمل السياسية على نتاج زياد في العقود الأخيرة، فمال إلى الانكفاء، والابتعاد عن الإنتاج المسرحي الضخم، والاكتفاء بالحفلات الموسيقية الضيقة، أو التكرار الأسلوبي لبعض الصيغ الموسيقية.
خصص المؤلف الفصل الثالث من كتابه لتحليل الخلفيات الفكرية والثقافية التي حكمت المواقف الأساسية لزياد، وشكلت ما سماه المؤلف الرؤية السوسيولوجية للموسيقى، والمفاهيم النقدية التي ترسخت موسيقياً في ألحان زياد ومؤلفاته، وفتحت باب السجال واسعاً في مسألة الدور الاجتماعي للفنان.
يحيل المؤلف إلى لقاءات وأحاديث تلفزيونية لزياد يؤكد فيها إيمانه بدور للفنان في الشأن العام، استجابة لمتطلبات واقعية لا نظرية، وأنه مع المقهورين، لكنه ضد الفوضى. وقد أثارت عليه هذه التصريحات كثيراً من اللغط، والارتباك في التأويل، والاتهام بازدواجية المعايير، لكن المؤلف يرى أن هذا الموقف ينم عن نضج ومراجعة، ويعني أن المفاهيم النقدية الاجتماعية لزياد صارت أكثر عقلانية.
استبدل زياد بالرومانسية الرحبانية واقعيةً تملك فيها المرأة شجاعة السخرية
يؤكد المؤلف أن كلام زياد عن دور الفنان في الاجتماع والسياسة بدا منسجماً مع اختياراته الموسيقية، ففي أعماله الغنائية المتأخرة، أو ألحانه لفيروز في نفس الفترة، تتقدم الموسيقى على حساب الكلام، لينصت الجمهور إلى صياغات موسيقية رفيعة لكلام عادي، بل مستغرق في عاديته، لا يحتاج إلى جهد لفهمه واستيعابه، وموسيقى آلية تحتاج إلى هدوء وإنصات وتناغم نفسي كي يبلغ المستمع مراميها.
في كتاب “مولعٌ بزياد” يقدم علي عبد الأمير الفن والموسيقى على الفكر السياسي، مستشهداً بأن معظم الذين يبدون إعجابهم بتفكير زياد السياسي، ويثنون على مساره الفكري، يعودون لإثبات ذلك إلى سرد تفاصيل من أعماله الغنائية والمسرحية، أي يقدمون صفته الفنية على صفته السياسية والفكرية، ويجعلون الأولى دليلا على الثانية.
ولسنوات، كان ارتفاع الفني على الفكري والسياسي نقطة العدل في ميزان الرحباني، قبل أن تختل لاحقاً -وفق المؤلف- لصالح الانغماس السياسي المباشر بالمقالات والمقابلات وإعلان المواقف.
في “مولعٌ بزياد”، ينتهي علي عبد الأمير عجام، إلى أن قطيعة زياد مع الموروث الرحباني لم تكن تمرداً شكلياً بهدف الاختلاف، وإنما تجسيد لتحولات الوعي العربي من اليوتوبيا الحالمة إلى مواجهة الأسئلة الواقعية المأزومة.
ولعل الأهمية لهذا التناول تكمن في كونه لم يستسلم لإغواء الولع العاطفي، بل تتبع ببراعة ذلك الخيط الرفيع بين التجديد الموسيقي والموقف الفكري، محتفظاً بالبعد الإنساني لشاعر وموسيقار اختار أن يحاكم الواقع بسلاح السخرية، ويعيد صياغة الأغنية والمسرح لتبقى مرآة حية لنبض الشارع أو خراب العالم، من دون أن تفقد قيمتها الفنية الخالصة.
