تدأول البعض خلال الأيام الماضية مجموعة من الادعاءات حول المصريين القدماء وعلاقة المصريين المعاصرين بهم، من بينها أن المصريين الحاليين ليسوا امتدادًا لسكان مصر القديمة، وأنهم جاءوا ليسكنوا أرضًا كان يعيش فيها “ألفراعنة”، إلى جانب القول إن المصريين ظلوا قرونًا بين المعابد والآثار من دون معرفة تاريخهم، وإن البعثات الأوروبية هى التى عرفتهم بحضارتهم بعد فك رموز حجر رشيد.
غير أن مراجعة الدراسات الجينية الحديثة والمراجع المتخصصة فى تاريخ اللغة المصرية وعلم المصريات تكشف أن عددًا من هذه التصورات يحتاج إلى تصحيح، وأن تاريخ سكان مصر أكثر تعقيدًا من فكرة اختفاء شعب قديم وحلول شعب آخر مكأنه.
هل المصريون الحاليون شعب آخر جاء بعد المصريين القدماء؟
تخالف الأدلة الجينية المتاحة فكرة ألفصل الكامل بين المصريين القدماء والمصريين الحاليين، فالدراسات تتحدث عن استمرارية سكانية إلى جانب تغيرات جينية نتجت عن الهجرات والاختلاط عبر آلاف السنين.
وفى دراسة منشورة فى مجلة Nature Communications عام 2017، حلل فريق دولى الحمض النووى لموميأوات مصرية من أبو صير فى مصر الوسطى، تعود إلى فترات تمتد من الدولة الحديثة حتى العصر الروماني، ووجد الباحثون أن اختبارهم لا يسمح باستبعاد الاستمرارية الجينية بين المصريين القدماء والمصريين المعاصرين، مع تسجيل زيادة فى المكونات ذات الأصل الأفريقى جنوب الصحراء لدى السكان المعاصرين نتيجة اختلاطات حدثت فى فترات أحدث.
وتوصل الباحثون كذلك إلى إمكانية نمذجة المصريين المعاصرين بوصفهم خليطًا يضم مكونًا مرتبطًا بالمصريين القدماء إلى جانب مكونات سكانية أخرى دخلت مصر عبر العصور، ومن ثم لا تقدم الدراسة سندًا لفكرة أن سكان مصر القدماء اختفوا وحل محلهم شعب منفصل تمامًا.
مإذا كشفت أقدم خريطة جينية كاملة لمصرى قديم؟
قدمت دراسة منشورة فى مجلة Nature فى يوليو 2025 دليلًا جديدًا ومهمًا، بعدما تمكن العلماء من قراءة أول جينوم كامل لفرد مصرى عاش قبل نحو 4500 إلى 4800 عام، خلال ألفترة الممتدة بين نهاية عصر الأسرات المبكر وبداية الدولة القديمة.
وأظهرت الدراسة أن معظم أصول هذا ألفرد الجينية تتطابق بدرجة أكبر مع أصول سكان شمال أفريقيا فى العصر الحجرى الحديث، بينما ارتبط نحو 20% من أصوله بمجموعات من منطقة الهلال الخصيب الشرقية، بما فيها بلاد الرافدين والمناطق المحيطة بها.
والأهم أن الدراسة قارنت هذا الجينوم ببيانات المصريين المعاصرين، ووجدت أن أصول كثير من المصريين الحاليين يمكن نمذجتها بمكونات تتضمن مصدرًا مرتبطًا بفرد نويّرات المصرى القديم، إلى جانب مكونات شمال أفريقية وغرب آسيوية وأفريقية أخرى، وذكرت الدراسة صراحة أن تحليلها يسلط الضوء على التفاعل بين حركة السكان والاستمرارية السكانية فى مصر.
إذن.. هل المصريون الحاليون أحفاد المصريين القدماء؟
بالمعنى السكانى والتاريخي، تسمح الأدلة الحالية بالحديث عن امتداد سكانى وجينى للمصريين القدماء داخل سكان مصر الحاليين، مع اختلاطات متتالية حدثت عبر التاريخ.
هل عاش المصريون وسط المعابد دون أن يعرفوا شيئًا عنها؟
تحتاج هذه المقولة أيضًا إلى قدر كبير من التصحيح، صحيح أن القدرة الكاملة على قراءة الكتابة الهيروغليفية تراجعت ثم فُقدت فى أوآخر العصور القديمة، وأصبحت النصوص المصرية القديمة غير قابلة للقراءة على نحو صحيح لقرون طويلة، لكن ذلك يختلف تمامًا عن القول إن المصريين ومن عاشوا فى مصر فقدوا أى معرفة بالآثار أو لم يهتموا بها حتى جاء الأوروبيون.
وتوثق دراسات متخصصة محاولات لعلماء عرب خلال العصور الوسطى لفهم الكتابات المصرية القديمة. ويشير Oxford Handbook of Egyptian Epigraphy and Paleography إلى وجود مخطوطات عربية بين القرنين العاشر والسادس عشر تنأولت الهيروغليفية، وبعضها احتفظ بمعرفة صحيحة أو شبه صحيحة بوظائف عدد من العلامات المصرية القديمة.
علماء عرب حأولوا قراءة الهيروغليفية قبل شامبليون بقرون
المتحف البريطانى نفسه يخصص فى تاريخه لفك الهيروغليفية قسمًا بعنوان “المحأولات العربية”، ويوضح أن الرحالة والعلماء العرب اهتموا بالنقوش الهيروغليفية منذ القرن العاشر الميلادى على الأقل، وبعض هؤلاء العلماء حأولوا استخدام العربية لفهم الرموز، بينما استعان آخرون بمتحدثين باللغة القبطية بحثًا عن طريق إلى فهم اللغة القديمة، وكانت كثير من هذه المحأولات غير صحيحة وفق المعرفة الحديثة، لكنها تثبت شيئًا مهمًا: الاهتمام بدراسة الكتابة المصرية ومحأولات تفسيرها لم يبدأ بوصول الحملة ألفرنسية إلى مصر.
هل كان حجر رشيد بداية معرفة المصريين بحضارتهم؟
كان حجر رشيد نقطة تحول حاسمة فى فك اللغة المصرية القديمة، لكنه لم يكن اللحظة التى اكتشف فيها المصريون أن لديهم حضارة، فقد عثر جنود الحملة ألفرنسية على الحجر فى رشيد عام 1799، وكان يحتوى على نص بلغتين وثلاث خطووط (الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية) وأصبح وجود النص اليونانى المعروف مفتاحًا أساسيًا لمقارنة الكتابات ومحأولة قراءة النص المصري.
وبدأ عدد من العلماء العمل عليه، وكان لتوماس يونج إسهام مهم قبل أن يحقق جان فرانسوا شامبليون الاختراق الحاسم فى فهم النظام الهيروغليفي، وأعلن نتائج أساسية فى باريس عام 1822.
وبالتإلى فإن الإنجاز الحقيقى لحجر رشيد يتمثل فى أنه وفر مفتاحًا علميًا حاسمًا لاستعادة القدرة على قراءة اللغة المكتوبة على الآثار، وليس أنه كشف للمصريين لأول مرة وجود الأهرامات والمعابد أو حضارتهم القديمة.
هل جاءت البعثات الأوروبية بعد فك حجر رشيد؟
الحملة والبعثة العلمية ألفرنسية سبقت فك الهيروغليفية بأكثر من عشرين عامًا، فقد دخل نابليون مصر عام 1798، ورافق حملته عدد كبير من العلماء والمهندسين والباحثين الذين قاموا بمسح وتسجيل جوانب من مصر وآثارها، وفى أثناء وجود الحملة عُثر على حجر رشيد سنة 1799.
هل بدأ الاهتمام بالحضارة المصرية مع الأوروبيين؟
اهتم الأوروبيون بالحضارة المصرية قبل القرن التاسع عشر بمدة طويلة، كما اهتم بها العرب والمصريون وغيرهم قبلهم، ويشير المتحف البريطانى إلى أن الاهتمام الأوروبى المنظم بالنقوش المصرية بدأ قبل حملة نابليون بقرون، خاصة منذ عصر النهضة، حين أصبحت روما مركزًا مهمًا لدراسة الآثار المصرية الموجودة فى أوروبا والنصوص التى وصلت إليها.
وفى العالم العربى سبقت ذلك محأولات متعددة لوصف الآثار وفهم كتاباتها وتفسير رموزها، وإن كان كثير منها بعيدًا عما سيصبح لاحقًا منهج علم المصريات الحديث.
متى بدأ علم المصريات الحديث إذن؟
من المقبول تاريخيًا اعتبار القرن التاسع عشر مرحلة تأسيس علم المصريات الحديث، وكان فك الهيروغليفية أحد أهم شروط نشأته، لأنه أتاح للمرة الأولى منذ قرون قراءة النصوص المصرية القديمة قراءة منهجية، لكن نشأة علم المصريات الحديث شيء، والقول إن معرفة مصر القديمة بدأت فى القرن التاسع عشر شيء آخر.
فالمعابد والآثار المصرية ظلت معروفة وموضع اهتمام عبر العصور، وكتب عنها مؤرخون ورحالة وعلماء من ثقافات مختلفة، كما حأول علماء عرب فهم كتاباتها قبل شامبليون بقرون. ما حدث فى القرن التاسع عشر هو تحول دراسة مصر القديمة إلى تخصص علمى حديث يعتمد بصورة متزايدة على قراءة النصوص والتنقيب والتوثيق والمقارنة.
