من حفل في صيدا، 9 أكتوبر 2014 (محمود الزيات / فرانس برس)
إذ يمرّ اليوم عام على رحيل الموسيقي والمسرحي اللبناني زياد الرحباني (1956 – 2025)، يُتوقّع أن تكثر الأنشطة الجماهيرية المختلفة، من حفلات وندوات ولقاءات، إحياءً لذكرى واحدة من أكثر الشخصيات العامة فرادةً وتأثيراً، سواء في تاريخ وطنه لبنان أو حتى في عموم المنطقة المحيطة الناطقة بالعربية.
إلّا أن فرادة زياد، بسيرته وتجربته وسمات الشخصية التي أرساها من خلال حضوره في الفضاء العام (Persona)، هي بالتحديد ما يجعل التسابق إلى تكريمه وإحياء ذكراه، سواء من المؤسّسات الرسمية والخاصة، أم الأسماء الفنيّة والإعلاميّة اللامعة والأقل لمعاناً، وأضف إليها أخيراً الآلاف المؤلّفة من النشطاء على منصّات التواصل الاجتماعي، مسألة سجالية.
في هذا السياق، لفتت ريما الرحباني إلى تلك المسألة، عبر تدوينة نشرتها مطلع الشهر الحالي على صفحتها الخاصة في “فيسبوك”، بدت من خلالها كأنها تريد استباق حلول الذكرى السنوية لرحيل شقيقها، لتحذّر محبّيه، سواءً الصادقين أو الانتهازيين، من مغبّة الاستثمار في المناسبة بهدف تحقيق رأسمال، مادياً كان أم رمزياً؛ داعيةً مَن يريد تكريمه بإخلاص إلى أن يبادر إلى مشاركة أرشيفه كما تركه، من دون أيّ محاولة لاستلابه أو إعادة صياغته أو الإضافة إليه.
في هذا الجانب، ينسجم موقف ريما مع رأي زياد في مسألة الاحتفال به، أو حتى بأحدٍ من أفراد عائلتهما؛ فهو الذي سبق له، في إحدى المقابلات التلفزيونية، وفي معرض إجابته عن سؤال عمّا إذا كان يجدر به أن ينال تكريماً رسمياً أو وساماً، أن ردّ بمزيجٍ من الغضب وخفّة الدم: “إوعى”، أي: حذارِ من ذلك؛ واصفاً محاولة أيّ جهة منحه شيئاً من هذا القبيل بأنها “ورطة” لها، إذ رأى أنها، إذا ما أرادت لمبادراتها التكريمية أن تبقى منسجمةً مع دورها السياسي والاجتماعي والثقافي، فلا ينبغي لها أصلاً أن تتوجه بها إلى فنانٍ مثله.
ذلك أنه جعل من مناهضة المؤسّسة علّة وجوده في المشهدَين الفني والإعلامي اللبنانيَّين؛ لا المؤسّسة السياسية والرأسمالية والطائفية فحسب، بل ابتداءً بالعائلة، ولا سيّما حين تصبح الرحبانيّة مؤسسةً أسريّة وفنيّة في آن. لذا؛ كان عليه الخروج عنها وإبداع شخصيّةٍ خاصة به، واصلت التبلور بوصفها شخصية فنان خارج النسق المؤسّساتي بالمطلق. فإذا ما حظي بتكريم أيّ مؤسسة، فإن ذلك يعني تبنّيها له واحتضانه، بما يُفضي إلى عودة الصعلوك إلى كنف القبيلة، وينفي عنه صفة الناشز المنشقّ عنها، والناقد الشرس لها، والمتمرّد الثائر عليها.
ثمّة أيضاً الجانب المتعلّق بمدى التزام المبادرة التكريمية بنهج الراحل التلحيني ورؤيته الفنيّة، وبما إذا كان هذا الالتزام من متطلّبات التكريم اللائق بمن عُرف في حياته بذائقة عالمية خاصة، خارجة عن السائد المحلّي؛ ولا سيّما إذا ما جاءت المبادرة في صورة أغنية أو مقطوعة موسيقية تصدر في غيابه، فتستلهم شيئاً من إرثه أو تنتمي إليه أصلاً، لتُثار التكهّنات حول ما إذا كان الدافع هو الحب والتقدير أم أنها فرصة تسويقية. ولمَ لا؟ قد يجتمع الدافعان في بعض الأحيان.
فعلى سبيل المثال، أصدرت المغنّية اللبنانية كارول سماحة، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أي بعد مرور شهرين ونصف الشهر على رحيل زياد، أغنيةً من كلماته وألحانه بعنوان “ما بتنترك وحدك”. وعلى الرغم من الأصداء الإيجابية التي لاقاها في الإعلام، طرح العمل، بتوقيت صدوره وصورته النهائية، تساؤلاتٍ حيال مدى وفائه للبصمة التي ميّزت موسيقى زياد الرحباني وأغانيه، ولا سيّما تلك المتعلّقة بعملية الإنتاج، التي اعتاد أن يشرف عليها بنفسه ويديرها بأدقّ حيثيّاتها وتفاصيلها، مثل نوعية الصوت وأسلوبية الأداء.
في واقع الحال، بدأ تعاون سماحة مع زياد الرحباني سنة 2020، حين أعادت تقديم أغنية “بآخر الشارع”، من ألحانه وكلمات الشاعر اللبناني جوزيف حرب (1944 – 2014)، وبتوزيع جديد أنجزه إيليو كلاسي، وضمّتها إلى ألبومها “كريسماس كارول”، الذي أصدرته احتفالاً بعيد الميلاد، تزامناً مع جائحة كوفيد-19. وكانت هدى حداد، شقيقة السيدة فيروز، قد أدّت النسخة الأولى من توزيع واضع الألحان سنة 1979، ضمن البرنامج التلفزيوني “ساعة وغنيّة”.
ومن مقارنة نسختَي “بآخر الشارع”، مع أخذ فارق الزمن والميزانية في الحسبان، يتناهى إلى الأذن الاختلاف في نهج التوزيع بين زياد الرحباني وإيليو كلاسي. ففي حين تميّز الأوّل ببساطة السهل الممتنع ونضارة الأداءَين الغنائي والآلي، تتجلّى لدى الثاني الجودة التقنية العالية والبذخ في التشكيل الصوتي. ومن هنا؛ يمكن القول إنّ بصمة زياد الإنتاجية قد توارت في نسخة كلاسي، على نحوٍ لعلّه يوازي تواريها في “ما بتنترك وحدك” سابقة الذكر. ومع ذلك، فإنّ مجرّد صدورها في حياته أتاح له، إن أراد، فرصة إبداء رأيه فيها، ولو عبر وسائل الإعلام.
أضف إلى كل ذلك الجانب المرتبط بمواقع التواصل الاجتماعي، التي منحت الملايين فرصة للتأبين والتكريم على طريقتهم وعبر صفحاتهم الخاصة على المنصّات المختلفة؛ وهي ظاهرة جديدة بات من المستحيل تقنينها والتحكّم بها، نظراً إلى اتّساعها ومشاعها. إذ لم تعد تقتصر على الشخصيات العامة من فنانين وإعلاميين، بل باتت تشمل كلّ من أحب المُكرَّم، أو أحبّ أن يحظى بشيء من التفاعل الذي قد يوفّره “هاشتاغ” له القدرة على صيد الكليكات؛ أكان ذلك عبر كوفر يستحضر واحدة من أغانيه، أم كليب منزلي يحكي نبذة عن مشواره، أم بوست مؤثّر يستعيد ذكراه.
كلّ تلك الجوانب تجعل من الدعوة إلى منع تكريم من سبق أن حذّر بنفسه من مغبّة تكريمه أمراً بعيد المنال؛ بل إنها تُلقي الضوء على المدى الذي بلغه رسوخ زياد الرحباني في الحياة العربية، رغم كلّ المساعي التي بذلها في دفع هذا المآل عنه. ذلك أنه، ما دام قد حمل اسم عائلته ذي الثقل الثقافي التاريخي، وما دام لم ينأ بنفسه كلّياً عن المشهد الإعلامي اللبناني النشط والريادي والفاعل، ولم ينكفئ نهائياً في جحر الكتابة والتلحين، بل رغب في الحضور بين الحين والآخر، ولو بإطلالة الرحباني الظريف، الخارج عن الرحبانيّة، فقد أسهم، ربما من دون أن يدري أو يريد، في أن يتحوّل هو إلى مؤسّسة مستقلّة ومرجعيّة في المظهر والمسلك للمستلهم والمستنسب على حدّ سواء.
