لم تمضِ سوى دقائق على الحادثة التي شهدتها قرية تل الفلسطينية في الضفة الغربية، حتى بدأت الحسابات الإسرائيلية الحكومية وغير الرسمية في التحرك المنسق للسيطرة على الرواية المتداولة عالميا.

وسرعان ما صيغت الرواية باللغة الإنجليزية، في محاولة لتوجيه النقاش الدولي نحو سردية تخدم الدعاية الإسرائيلية، وتخفف من حدة الانتقادات والأسئلة الموجهة إليها.

اقرأ أيضا list of 3 itemsend of list

وخلال وقت قصير، أعادت عشرات الحسابات النشطة على منصات التواصل تأطير هجوم المستوطنين على القرية، مقدمة إياه على أنه هجوم إرهابي نفذه فلسطيني ضد “متنزهين أبرياء” تصادف وجودهم في المكان.

وتتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة، في هذا التقرير، الأساليب والأدوات التي اعتمدت عليها هذه الحملة الرقمية، وكيف سعت إلى استباق التفاعل العالمي وترسيخ الرواية الإسرائيلية، عبر تنسيق بين الحسابات الرسمية وشبكة من الحسابات غير الرسمية، تدعمها مؤسسات إسرائيلية متخصصة في إدارة الحملات الرقمية والتأثير في الرأي العام.

ماذا حدث؟

شهدت بلدة تل جنوب غرب مدينة نابلس بالضفة الغربية، الجمعة 24 يوليو/تموز، مواجهات بين مستوطنين مسلحين وسكان فلسطينيين حاولوا منعهم من دخول البلدة.

وأسفرت المواجهات عن استشهاد أربعة فلسطينيين برصاص الاحتلال، وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل ضابط وجندي بعد أن تمكن فلسطيني من انتزاع سلاح أحد المستوطنين وإطلاق النار منه.

ولم تكن المواجهة، في بدايتها، تختلف عن حوادث متكررة تشهدها بلدات الضفة الغربية نتيجة اعتداءات المستوطنين، إلا أن مقتل إسرائيليَّين خلال الأحداث دفع الحسابات الإسرائيلية إلى تبني خطاب إعلامي مختلف ركز على الجزء الأخير من الواقعة، متجاهلا ما سبقه.

التاريخ يبدأ من هنا

أظهر تتبع الحسابات الإسرائيلية أن أغلبها لم ينشر شيئا عن اقتحام المستوطنين للبلدة أو بداية المواجهات، وإنما بدأ سرد الأحداث من اللحظة التي انتزع فيها الفلسطيني سلاح أحد المستوطنين.

وبذلك قُدمت الواقعة باعتبارها حادثة منفصلة عن سياقها، وغابت من الرواية الإسرائيلية مشاهد دخول المستوطنين إلى البلدة والاحتكاك الذي سبق إطلاق النار.

كما اختارت الحسابات نشر مقطع الفيديو الذي يوثق لحظة انتزاع السلاح، وقدمته باعتباره “اللحظات الأولى للهجوم”، رغم أن المشاهد نفسها تظهر وقوع احتكاك سابق بين الطرفين، مما يشير إلى أن التسجيل لا يمثل بداية الأحداث.

ويظهر ذلك بوضوح في المشاهد التي اختارت الحسابات نشرها، حيث اختفت كل المشاهد لحساب لقطة سحب السلاح من المستوطن، وقد كتبت عليها الحسابات: “اللحظات الأولى للهجوم”.

ورغم أنه يظهر بوضوح أنها ليست اللحظة الأولى، ويبدو من التجمهر والاحتكاك، أن هناك قصة سبقت ذلك قادت الثنائي للاشتباك بهذا الشكل، فإن الحسابات الإسرائيلية اختارت أن تُسمي تلك اللحظة “اللحظة الأولى”.

 

كيف رُسمت صورة “المتنزهين”؟

بعد تغييب ما سبق المواجهة، بدأت الحسابات الإسرائيلية في ملء الفراغ بسردية جديدة، وصفت الإسرائيليين الموجودين في المكان بأنهم “متنزهون” كانوا يسيرون قرب البلدة، قبل أن “يباغتهم” فلسطينيون ويهاجموهم، ليتدخل أحد أفراد الأمن دفاعا عنهم.

وتكررت هذه الرواية على عشرات الحسابات، مستخدمة مفردات متشابهة، أعادت رسم المشهد كليا، بحيث بدا الفلسطينيون الطرف الذي بادر بالمواجهة، بينما ظهر المستوطنون في صورة مدنيين تعرضوا لهجوم مفاجئ.

وبتتبع تطور الخطاب، اتسعت الرواية لتتضمن تفاصيل إضافية. إذ قال وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي إن مجموعة من المستوطنين خرجت لتحرير كلاب راعٍ علقت في “شراك حديدية” نصبها فلسطينيون قرب مستوطنة “حفات جلعاد”، وإنهم تعرضوا خلال عودتهم لوابل من الحجارة قبل أن تتطور الأحداث إلى المواجهة التي وثقتها المقاطع المصورة.

وبذلك، لم تقتصر الرواية على وصف الإسرائيليين بأنهم “متنزهون”، بل قدمتهم أيضا باعتبارهم أشخاصا خرجوا لإنقاذ الحيوانات، في مقابل تصوير الفلسطينيين باعتبارهم من نصبوا الشراك وبدؤوا الاعتداء.

تبني الرواية في الخطاب الرسمي

لم يقتصر استخدام هذه الرواية على الحسابات الداعمة لإسرائيل، بل تبنتها الحسابات الرسمية أيضا.

فقد وصف حساب وزارة الخارجية الإسرائيلية القتيل بنياهو ميليت بأنه “أب لطفلين وعضو في فريق التدخل الطارئ في مستوطنة حفات جلعاد”، وقال إنه قُتل أثناء توجهه لإنقاذ “متنزهين تعرضوا لهجوم إرهابي”.

 

كما استخدمت وسائل إعلام إسرائيلية، بينها آي 24 نيوز (i24 News)، توصيفا مشابها، إذ عنونت تغطيتها بأن القتيل “قُتل أثناء تقديم المساعدة لمتنزهين”.

 

وفي السياق نفسه، كتب المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون أن “إرهابيين فلسطينيين مسلحين” نفذوا هجوما على “مدنيين إسرائيليين أبرياء”.

لكن هذه الرواية تتعارض مع ما أعلنه الجيش الإسرائيلي نفسه، الذي أكد أن القتيلين ينتميان إلى قواته، كما لا تظهر المقاطع المصورة المتداولة وجود مسلحين فلسطينيين قبل انتزاع السلاح من أحد المستوطنين.

 

ماذا يكشف التحقق؟

يكشف التحقق أن بلدة تل تقع ضمن المنطقة “أ” وفقا لاتفاقية أوسلو، وهي منطقة تخضع للإدارة المدنية والأمنية الفلسطينية، مما يعني أن وجود المستوطنين داخل محيط البلدة لا يمكن التعامل معه بوصفه نشاطا اعتياديا أو زيارة عابرة.

كما يظهر البحث أن دخول المستوطنين إلى المنطقة لم يكن حادثة استثنائية، وإنما يأتي ضمن نشاط متكرر ينفذه مستوطنو “حفات جلعاد”، وهي مستوطنة أقيمت عام 2002 بالقرب من البلدة، وارتبط اسمها على مدار سنوات باعتداءات متكررة على القرى الفلسطينية المجاورة.

وتشير وثائق منظمة “بتسيلم” الحقوقية إلى أن المستوطنة بدأت بؤرة استيطانية غير قانونية، ثم اعترفت بها الحكومة الإسرائيلية رسميا عام 2018، وهو ما تزامن مع توسعها وازدياد نشاط المستوطنين في محيطها.

كما أظهر التحقق أن المستوطنين عادوا إلى البلدة في اليوم التالي للحادثة بحماية الجيش الإسرائيلي، وهو ما يدعم أن ما جرى لم يكن مجرد “نزهة” أو محاولة لإنقاذ حيوانات، وإنما جزء من نمط متكرر من دخول المستوطنين إلى محيط القرى الفلسطينية.

ويظهر التحقق أن المنطقة التي وقعت فيها الحادثة، لا ينبغي أن يكون فيها إسرائيليون أصلا، وهي المعلومة التي تجاهلتها الحسابات الإسرائيلية تماما.

كما كشف البحث أن المستوطنين دخلوا القرية في اليوم التالي أيضا بحماية الجيش الإسرائيلي، وهو إثبات على أنه نموذج استفزازي متكرر، وليس نزهة، ولا محاولة لتحرير حيوانات أليفة.

وتحولت كلمة “نزهة” (هايك Hike) إلى كلمة ساخرة عبر المنصات، حيث علق المستخدمون على مقاطع المستوطنين الذين يهاجمون الفلسطينيين في كل أنحاء الضفة، بأنهم فقط “مدنيون يتنزهون لا أكثر”، في سخرية من الكلمة الإسرائيلية التي تتحدى أعين الجميع.

وكتب مدون تعليقا على حرق منازل فلسطينيين في عوريف، بأن الوصف الدقيق هنا، أن إسرائيلي ذهب للتنزه في أرض أجداده المزعومة.

كيف استُخدمت اللغة في تشكيل الرواية؟

أظهر تتبع المنشورات أن الخطاب الإسرائيلي استخدم مجموعة متكررة من المفردات لوصف الأطراف المشاركة في الحادث.

فبينما ارتبط الإسرائيليون بأوصاف مثل “أطفال”، و”مدنيون”، و”متنزهون”، و”منقذو حيوانات”، استخدمت في المقابل أوصاف مثل “إرهابيون” و”هجوم” و”وحوش” عند الحديث عن الفلسطينيين.

ويظهر ذلك بوضوح في محاولتهم وصف القتيل الإسرائيلي بأنه أب يبلغ 32 عاما ترك طفلين يبلغان 6 و7 سنوات، رغم أن الجيش الإسرائيلي نفسه اعترف بأنه ضابط في الجيش، لكن وصفه بأنه أب يجعل المتلقي أكثر قابلية للتأثر والتعاطف.

اتهام الإعلام بالتحيز

إلى جانب الترويج للرواية الإسرائيلية، شنت حسابات ومنظمات داعمة لإسرائيل حملة انتقدت تغطية وسائل إعلام دولية، من بينها “الغارديان” و”واشنطن بوست” و”بي بي سي”.

وركزت الانتقادات على أن تلك الوسائل بدأت تغطيتها بالإشارة إلى اعتداءات المستوطنين، كما ذكرت حصيلة الضحايا كاملة، التي شملت أربعة فلسطينيين وإسرائيليَّين، وهو ما تجاهلته غالبية الحسابات الإسرائيلية.

وتصدرت هذه الحملة منظمة أونست ريبورتينغ (Honest Reporting)، التي دأبت منذ اندلاع الحرب على غزة على متابعة التغطيات الإعلامية الغربية والضغط باتجاه تبني الرواية الإسرائيلية في توصيف الأحداث.

ماذا تقول البيانات؟

في مقابل الخطاب الذي قدم المستوطنين باعتبارهم ضحايا، تظهر بيانات إسرائيلية اتجاها مختلفا.

فقد نقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصدر أمني أن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية ارتفعت بنسبة 63% خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مع تسجيل عشرات الاعتداءات خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة.

وتنسجم هذه الأرقام مع تقارير حقوقية وثقت تصاعد هجمات المستوطنين على البلدات الفلسطينية خلال الفترة الأخيرة، وهو سياق لم يرد في الرواية التي روجت لها الحسابات الإسرائيلية حول أحداث بلدة تل.

منظومة مستمرة

يكشف تتبع المحتوى المنشور أن الرسائل الصادرة عن الحسابات الرسمية وغير الرسمية جاءت متقاربة في مضمونها، واستخدمت المفردات نفسها، مع إضافة تفاصيل مختلفة تخدم السردية ذاتها، مثل الحديث عن “المتنزهين” و”إنقاذ الكلاب” و”الهجوم الإرهابي”.

ولم تكن تلك التفسيرات والمحاولات وليدة اللحظة، بل تأتي ضمن ما يعرف باسم “الهسبارا” (Hasbara)، وهي كلمة عبرية تعني “الشرح” أو “التفسير”، وهي اسم لجهاز دعائي رسمي منظم تشرف عليه مؤسسات الدولة هدفه تشكيل الرأي العام، الناطق بالإنجليزية أكثر من غيره.

ويعمل الجهاز ضمن إطار عام، يحاول فيه تبديل الأدوار بين المعتدي والضحية، وصياغة “حقائق بديلة” عند كل مواجهة، ويستغل في ذلك كل وسيط ممكن، ووسائل التواصل في مقدم تلك الوسائط.

ويمثل السلوك الإسرائيلي خلال هذه الحملة، ما يمكن تسميته بـ”التضخيم المنسّق” (coordinated amplification)، وهو نموذج تنتشر فيه رسالة واحدة، بحيث تبدو للمتابع وكأنها تخرج من مصادر مستقلة متعددة، في حين أنها في جوهرها تكرار لخطاب مركزي واحد، صيغ بعناية لإيصال الرسالة المطلوبة.

وفي نهاية المطاف، لا تكشف حادثة بلدة “تل” عن واقعة عابرة بقدر ما تكشف عن آلية عمل متكررة، تتحرك بها الدعاية الإسرائيلية كلما وقع حدث يهدد صورتها أمام الرأي العام الدولي، حيث تتحرك سريعا وتُفعّل شبكة متناغمة من الحسابات الرسمية وغير الرسمية لصياغة “حقيقة بديلة” باللغة الإنجليزية تحديدًا، أملا في التحكم في السرد ومنع الرواية الحقيقية من الانتشار.