لم تكن إطلالات إليسا في ختام مهرجان “أعياد بيروت” مجرد اختيارين عشوائيين، بل بدتا كأنهما فصلان من حكاية مدينة تشبهها في تناقضاتها، وتستمد من جمالها قدرة متجددة على النهوض. فمن وهج الغروب الذي يعلن نهاية النهار، إلى ألوان الحياة التي تتفتح من جديد، اختارت إليسا أن تختم ليلتها بإطلالتين من إبداع المصمم اللبناني العالمي نيكولا جبران، حملتا في تفاصيلهما الكثير من روح بيروت.
في إطلالتها الأولى، تألقت إليسا بفستان طويل بلون ذهبي برونزي، بدا وكأنه انعكاس آخر لغروب بيروت حين تلامس الشمس وجه المدينة وتغمرها بلون يخطف الأنظار. جاء التصميم مجسّماً بانسيابية على القوام، مع كورسيه مخفي عند الخصر، وتفاصيل لامعة تنساب على امتداد الفستان، فيما أضفى الشق الجانبي جرأة أنثوية لافتة. أما الزخارف المتلألئة عند الصدر، فأكملت صورة الفستان الذي يشبه لحظة الغروب بكل ما تحمله من جمال وهدوء.
وفي هذا التصميم تحديداً، انعكست أيضاً شخصية إليسا القوية، إذ اختار نيكولا جبران استخدام الخامات المعدنية كعنصر أساسي في الفستان، ليحمل في صلابته وقوته صورة المرأة الواثقة التي تعرف حضورها جيداً. وعلى الرغم من قساوة المعدن وطابعه القوي، نجح التصميم في تحويله إلى عنصر أنثوي، فبدت القوة والأنوثة حاضرتين معاً في الإطلالة، من دون أن تطغى إحداهما على الأخرى. وكأن الفستان يقول إن قوة المرأة لا تتناقض مع أنوثتها، بل يمكن أن تكون جزءاً أساسياً من جمالها.
وفي قراءة رمزية لهذا الاختيار، بدا الذهبي كأنه تذكير بأن لكل نهار نهاية، وأن غروب الشمس، مهما كان جميلاً، يعلن أن صفحة أخرى تستعد للبدء. فربما أرادت إليسا أن تستحضر بيروت التي لا تتوقف عند ما مضى، بل تختار أن تتذكر دائماً ما هو جميل، وأن تترك للأيام الصعبة مكانها خلفها، كما يترك النهار مكانه للّيل.
أما الإطلالة الثانية، فكانت أكثر إشراقاً وحيوية، بفستان قصير جمع بين بريق الفضي ودرجات البنفسجي والأزرق، في تناغم بدا كأنه احتفال بالحياة بعد الغروب. تزيّن الجزء العلوي ببريق فضي ناعم، فيما غطّت الزخارف الزهرية المتدرجة القسم السفلي، لتمنح التصميم إحساساً بالازدهار والحركة مع الورود النافرة. ومع كورسيه محدد للخصر أيضاً، حافظ نيكولا جبران على خط أنثوي واضح، بينما جاء الطول القصير ليمنح الإطلالة خفة صيفية وحيوية تناسب أجواء الحفل.
ولإضفاء لمسة عصرية على الإطلالة، لجأ المصمم إلى مزج الكريستال مع الجينز، في تركيبة غير تقليدية منحت الفستان طابعاً أكثر حداثة وحيوية. كما عكست حبيبات الكريستال أضواء المسرح مع كل حركة، لتضيف إلى التصميم بريقاً متجدداً وتمنع الإطلالة من الوقوع في الرتابة أو التكرار. فجاءت النتيجة مزيجاً بين الأنوثة والجرأة والعصرية، وكأن كل تفصيل فيها يتحرك مع إليسا ويتفاعل مع أجواء المسرح وأضوائه.
وفي حديثه عن الإطلالتين، أوضح المصمم نيكولا جبران أنه صممهما خصيصاً لإليسا، مستوحياً فكرتهما من بيروت نفسها: “حالمتان مثل بيروت بغروبها، وتعود أقوى لتزدهر رغم كل الظروف”. وهي فكرة انعكست بوضوح على التصميمين، حيث حمل الأول سحر المدينة عند الغروب، فيما عبّر الثاني عن لحظة تفتحها واستعادتها للحياة.
ولم تكتمل الصورة من دون لمسة الجمال التي رافقت الإطلالتين. خبير المكياج نبيل مخول أخبرنا أنه اختار لإليسا مظهراً صيفياً بامتياز، متناغماً مع لون بشرتها البرونزي، وبحديثنا معه أطلعنا أنه اعتمد أساساً بدرجة أغمق تنسجم مع لون الجسم وتمنح البشرة توهجاً طبيعياً. وبرزت اللمعات الخفيفة على أعلى الخدين وعند الأنف، فيما حافظ على بساطة مكياج العينين، مع رسم خط ايلاينر ممتد إلى الخارج بطابع مستوحى من جماليات الصيف، لكنه جاء أكثر وضوحاً وامتداداً بما يتناسب مع المسرح وأضوائه، أكثر من جلسة تصوير هادئة.
واكتمل مكياج العينين بتدرجات بنية ناعمة، امتدت بخفة أسفل العين، مع رموش مستعارة طويلة ومفصّلة، ولمسة لامعة ذهبية في منتصف الجفن، إلى جانب تحديد داكن داخل العين مع الكحل الأسود. وجاءت النتيجة مظهراً منعشاً يترك التركيز على سحر عيني إليسا، فيما اختير للشفاه لون خوخي مطفأ وطبيعي، بعيداً عن اللمعان، ليحافظ على التوازن بين قوة العينين ونعومة الملامح.
أما الشعر، فجاء منسدلاً على كتفيها بتموّجات عريضة وناعمة، من توقيع رنزي زغيب مع فرق وسطي وحجم متوازن، ليمنحها حضوراً أنثوياً هادئاً ويكمل بريق الفستانين من دون أن يطغى عليهما. فبدت الخصلات المتموجة وكأنها امتداد طبيعي للروح الحالمة في الإطلالتين، محافظة على بساطة راقية تليق بحضور إليسا على المسرح.
وهكذا، لم تختتم إليسا “أعياد بيروت” بإطلالتين لافتتين فحسب، بل قدّمت عبر الأزياء والجمال حكاية مدينة تعرف كيف تغيب في غروبها، ثم تعود فتزهر من جديد. بين الذهبي والفضي، وبين الورد والبريق، كانت بيروت حاضرة في تفاصيل المشهد… وكانت إليسا خير من يجسّد هذه الحكاية.
