سحبت منصات التواصل الجمهور من السينما والمسرح في باكستان، بيشاور 2010 (فرانس برس)
في وقت تواجه فيه السينما والمسرح في باكستان تحديات متزايدة، تتفاقم معاناة المطربين والممثلين على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. فإلى جانب تراجع الإنتاج الفني وضعف الإقبال الجماهيري، يواجه بعض الفنانين تهديدات أمنية تصل إلى التهديد بالقتل أو الاختطاف، بينما يعاني كثيرون من غياب مصادر دخل مستقرة، في ظل محدودية الدعم الحكومي وتراجع الاستثمار في القطاع الثقافي.
يقول الفنان الباكستاني بابر عباس، في حديثه لـ”العربي الجديد”، إن أوضاع الفنانين في بلاده “ليست بخير”، موضحاً أن الآمال التي كانت معلقة على انتعاش السينما والمسرح خلال السنوات الماضية لم تتحقق، بل إن القطاع شهد مزيداً من التراجع.
يضيف: “كنا نعتقد أن السينما والمسرح الباكستانيين سيتحسنان، ولو بصورة محدودة، لكن ما حدث كان العكس تماماً. الإقبال الجماهيري على دور السينما والعروض المسرحية تراجع كثيراً، كما أصبح عدد الممثلين والفنانين المحترفين أقل من السابق، في وقت تراجع فيه أيضاً عدد الداعمين والمستثمرين في هذا المجال”.
يرى عباس أن منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها “يوتيوب” و”تيك توك”، غيّرت طبيعة استهلاك المحتوى الفني في باكستان، بعدما أصبحت البديل الأول لدى شريحة من الجمهور. يقول إن كثيرين لم يعودوا يرون سبباً للذهاب إلى السينما أو المسرح، في ظل توفر محتوى مجاني وسريع عبر المنصات الرقمية، ما انعكس مباشرةً على إيرادات القطاع الفني.
يتابع: “أصبح المستثمرون يترددون في تمويل الأفلام أو العروض المسرحية، لأنهم يدركون أن فرص استرداد استثماراتهم محدودة. ولهذا نرى عدداً من الأفلام الباكستانية يحقق نتائج ضعيفة في شباك التذاكر، وبعضها يفشل تجارياً بالكامل”.
يؤكد عباس أن الأزمة لا تقتصر على تراجع الإنتاج، بل تمتد إلى أوضاع الفنانين أنفسهم، إذ يعتمد كثير منهم على هذه المهنة بوصفها مصدر دخلهم الوحيد. ومع تقلص فرص العمل، وجد عدد كبير منهم أنفسهم في ظروف مالية صعبة، لا سيما مع التقدم في العمر.
يقول: “نعرف فنانين وممثلين ومغنين عاشوا سنواتهم الأخيرة تحت وطأة الديون، وبعضهم توفي وهو محروم من الرعاية الصحية المناسبة. كما أن هناك مؤسسات إنتاج تتأخر في صرف مستحقات الفنانين، الأمر الذي يزيد من تعقيد أوضاعهم المعيشية”.
بدورها، تؤكد المطربة الباكستانية عاصمة راجبوت، في حديثها لـ”العربي الجديد”، أن الفنانين في بلادها ما زالوا يواجهون تحديات مالية واجتماعية وأمنية متراكمة، موضحة أن معظمهم يعتمدون اعتماداً شبه كلي على الحفلات والفعاليات الثقافية لتأمين دخلهم، في ظل غياب وظائف مستقرة أو أنظمة تضمن لهم الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي.
توضح أن هذا الواقع يجعل شريحة واسعة من الفنانين، وخصوصاً كبار السن، أكثر عرضة للأزمات المالية، فضلاً عن الصعوبات التي يواجهونها في الحصول على الرعاية الصحية والعلاج عند المرض.
تضيف راجبوت أن الفنانين يؤدون دوراً مهماً في الحفاظ على الثقافة والتراث وإبراز الهوية الوطنية، إلا أن هذا الدور لا ينعكس في صورة تقدير رسمي أو امتيازات تليق بإسهاماتهم، مشيرة إلى أن كثيراً منهم يواجهون مخاطر أمنية خلال مشاركتهم في الحفلات والمهرجانات والأنشطة العامة، ما يستدعي اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لضمان سلامتهم أثناء ممارسة عملهم.
معظم الفنانين الباكستانيين يعملون من دون تأمين صحي أو نظام تقاعد يحميهم
ورغم انتقاداتها، تشيد راجبوت ببعض الخطوات التي اتخذتها الحكومة الباكستانية خلال السنوات الأخيرة لدعم الفنانين، ومنها إنشاء صناديق للمساعدات المالية، وتوفير برامج للرعاية الاجتماعية والعلاج، إلى جانب دعم بعض الأنشطة الثقافية. لكنها ترى أن هذه المبادرات ما زالت محدودة، ولا ترقى إلى حجم التحديات التي يواجهها الفنانون.
وتعرب عن أملها في توسيع هذه البرامج لتشمل نظاماً أشمل يوفر للفنانين حماية مالية، وتأميناً صحياً، ونظاماً للتقاعد، إضافة إلى ضمانات أمنية تتيح لهم مواصلة نشاطهم الفني في ظروف أكثر استقراراً.
بدوره، يقول المطرب الباكستاني نسيم توري، في حديثه لـ”العربي الجديد”، إن الفنانين والمطربين يعيشون أوضاعاً صعبة، على الرغم من الجهد والوقت والأموال التي يستثمرونها في تطوير أعمالهم الفنية، مؤكداً أن العائد المادي لا يتناسب إطلاقاً مع حجم ما يبذلونه من تضحيات.
يضيف: “كثير من الفنانين ينفقون من أموالهم الخاصة على تسجيل الأغاني أو إنتاج الأعمال الفنية، ثم يكتشفون أن الإيرادات لا تكفي حتى لتغطية التكاليف. لذلك يضطر عدد كبير منهم إلى العيش في ظروف قاسية، رغم سنوات طويلة من العمل والخبرة”. ينتقد توري ما يصفه بضعف اهتمام الحكومة بأوضاع الفنانين، مؤكداً أنهم لا يحصلون على الحقوق التي يستحقونها، سواء مالياً أو اجتماعياً.
يشير إلى أن هناك مؤسسات وهيئات معنية بشؤون الفنانين، إلا أن دورها يظل، في كثير من الأحيان، محصوراً في الجوانب الإدارية والروتينية، من دون أن ينعكس عملياً على حياة الفنانين أو على تطوير القطاع الفني. يقول: “تتضاعف معاناة الفنانين مع التقدم في العمر، إذ يواجه كثير منهم أمراضاً مزمنة أو مشكلات صحية، في ظل غياب التأمين الطبي وضعف الإمكانات المالية اللازمة للعلاج، ما يجعل سنواتهم الأخيرة أقسى”.
بدوره، يرى الممثل عدنان شاه، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الإنفاق الحكومي على القطاع الفني، بل في آليات توزيعه وإدارته: “تنفق الحكومة أموالاً على الثقافة والفنون، لكن غياب الشفافية والنزاهة يجعل أثر هذا الإنفاق محدوداً. فجزء كبير من الميزانيات يُصرف على أمور شكلية لا تحقق فائدة حقيقية للفنانين، ولا تسهم في تطوير السينما أو المسرح”.
ويلقي شاه جانباً من المسؤولية على النقابات والتنظيمات المهنية، معتبراً أنها لا تؤدي الدور المطلوب في الدفاع عن الفنانين أو تحسين أوضاعهم. يضيف: “تقدم النقابات مقترحات إلى الحكومة، لكن هذه المقترحات غالباً ما تُهمّش، فيما تعتمد الجهات الرسمية آليات أخرى لا تعالج المشكلات الحقيقية. وغياب التنسيق بين الحكومة والمؤسسات الفنية أصبح أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة”.
إنقاذ القطاع الفني يتطلب استراتيجية حكومية طويلة الأمد، تقوم على دعم الإنتاج الثقافي
يؤكد المخرج الباكستاني سعيد خان، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن أزمة الفنانين في بلاده تتجاوز مسألة انخفاض الدخل، وتمثل انعكاساً لغياب منظومة متكاملة تحمي العاملين في القطاع الثقافي. يقول إن معظم الفنانين يعملون بعقود مؤقتة أو عملاً حرّاً، من دون أي ضمانات مهنية، مثل التأمين الصحي أو صناديق التقاعد، الأمر الذي يجعلهم عرضة لأزمات مالية حادة عند تراجع فرص العمل أو مع التقدم في السن.
يضيف أن تراجع إنتاج الدراما والسينما، إلى جانب الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج، قلّصا فرص العمل المتاحة أمام الفنانين والفنيين، وأديا إلى خروج عدد منهم من المهنة أو اضطرارهم إلى البحث عن مصادر دخل بديلة.
يرى خان أن إنقاذ القطاع الفني يتطلب استراتيجية حكومية طويلة الأمد، تقوم على دعم الإنتاج الثقافي، وإنشاء صناديق مستدامة لرعاية الفنانين، وتوفير مظلة للحماية الاجتماعية، إلى جانب تفعيل دور النقابات المهنية، بما يضمن الحقوق المالية والاجتماعية للعاملين في المجال.
يختم بالقول إن الاستثمار في الثقافة والفنون لا ينبغي النظر إليه بوصفه عبئاً على الموازنة العامة، بل باعتباره استثماراً في الهوية الوطنية والاقتصاد الإبداعي. يضيف: “كل دولة ترغب في تعزيز صورتها الثقافية على المستوى الدولي مطالبة بدعم فنانيها، لأنهم يمثلون وجهها الحضاري، ويحملون تراثها وثقافتها إلى العالم”.
