في صالةٍ نفدت تذاكرها قبل العرض بساعات، لم يُخلف الجمهور مواعيده مع فيلم “الأوديسة” منذ انطلاق عرضه، على الرغم من أنّ سعر التذكرة في قاعة “ماكس” نحو 25 دولاراً. للحظةٍ، ومع حماسة الجمهور، وكمّية “السناكس” التي دخل بها القاعة، شعرتُ أنّني لا أزال في أجواء كأس العالم، منخرطةً في فرجة جماعية تندمج فيها فسيفساء بشرية من الجنسيات المتعدّدة التي تعيش في الدوحة.

كانت مفاجأة جميلة أن أكتشف أنّه على الرغم من قرصنة الفيلم من مواقع تقدّم فرصةً لمحبّي السينما لمتابعة آخر ما تنتجه هوليود مجاناً، حضر جمهور عريض إلى صالة العرض بحثاً عن نوعية عرض أفضل للفرجة، وهو إنجاز يُنافس كأس العالم في وضع القرية الكونية أمام عرض ترفيهي واحد.

كيف يُقرأ فيلم لكريستوفر نولان؟ معظم الجمهور لم يشاهد ما أنجزته السينما سابقاً عن الأوديسة ليقارنه بنسخة نولان، لذا تعامل الجمهور معه باعتباره العمل الأول الذي يقتبس الملحمة، فخاض الفيلم امتحانات مقارنات “السوشيال ميديا”، وأسئلة مدرسية مثل: هل كان وفياً للملحمة؟

بعد ثلاث ساعات من المتعة، خرج الجمهور العريض من الصالة من دون أن تعلق في ذهنه فكرة أو مشهد، فالسينما الجيّدة تقدّم أكثر من بُعد داخل الفيلم، غير البعد المباشر الذي يؤثّث الفيلم، مثل البعد الذي يُوسّع الفيلم خارج عينٍ واحدة، يأتي منها العمل، والبعد الذي يُعمّق الفيلم، ليبقى عالقاً في صورة سؤال أو جواب عن سؤال قديم في ذهن المتفرّج.

لم ينجح نولان في طبقات العمل، ووقع ضحية الترفيه، على الرغم من أنّ الملحمة لم تُكتب من باب التسلية، بل كانت شديدة الجدّية. جمهور السينما الحالي يضمّ أجيالاً لا تعرف زيوس ولا بوسايدون ولا أثينا ولا الأساطير الأخرى، وكان يجب أن تنساب جملة هنا أو هناك، تعطي معنىً للخلفية الثقافية للأحداث والشخصيات، وهذا كان ليتحقّق عبر أكثر من أداة، مثل الحوار الذي لم يكن قوياً بما يكفي. فمثلاً في حالة عملاق الكهف، لم تأتِ جملة توضّح للجمهور لماذا هو على تلك الحالة وهو ابن بوسايدون، ليُفهم الصراع والعقاب والثواب في الدائرة الإلهية التي تدور فيها معاناة أوديسيوس ورجاله. وليس هناك ما يفسّر لِمَ حُرم أوديسيوس من العودة إلى منزله، وما الحكمة من أن يعود وحيداً، ولا لماذا يموت رجاله ويعيش هو. وإذا كانت الملحمة قد دفّعت رجال القائد ثمناً لتعليمه درساً، لأنّه كان عصر الجماعة، الذي تموت فيه شخصيات القصص ببسالة من أجل البطل، لكنّنا الآن في عصر الفردانية، فيسأل المتلقّي لماذا مات عشرات الرجال من أجل رجل واحد؟

في اختيار الممثّلين، كان جلياً أنّ نولان مهتمّ بتقديم ملحمة جماعية لا ملحمة بطل واحد. ولهذا كان اختيار مات ديمون الهادئ الذي لا يملك كاريزما البطل متعمّداً كي لا يسيطر على الفيلم. لم يفشل مات ديمون في دوره، ولم يُخطئ نولان في اختياره. لو اختار خواكين فينيكس، مثلاً، لرأينا أوديسيوس بحضور نفسي وذهني هائل في وجه فينيكس (تطفو فيه المشاعر وتختفي منه إن دعت الحاجة) يستحوذ على الفيلم والمُشاهد.

مع بينولوبي، جاء الاختيار أيضاً لمصلحة وجه هادئ، آن هاثواي تصلح لأدوار الفتاة العادية التي تُحقّق نجاحات غير منتظرة لامرأة تشبه ابنة الجيران والزميلة والصديقة. لا بطلة يونانية أسطورية، مُهابة وشديدة الكاريزما. امرأة مثل ميريل ستريب في شبابها تتمتّع بكاريزما وقوة شخصية. أو أنجلينا جولي التي تقدر في مساحة صغيرة على تقديم صورة المرأة القوية واسعة الحيلة والمرغوبة والمغوية، وهو كلّ ما تقوم عليه شخصيات نساء الأساطير.

نولان جعل أوديسيوس يقتل قاعة تمتلئ بالرجال الأشداء، وهو كهل متعب من السفر والتشرد. وبنية ديمون هنا لم تساعده، على عكس أرماند أسانتي، الذي لم تُخفّف الكهولة من صلابته البدنية. هي اختيارات تشغل المُشاهد عن تقييم الملاحظة التي كانت تُروّج عن لون هيلين السوداء، بدلاً من الفاتنة الإغريقية الشقراء، فطريقة عرضها وتهميش نولان لها في الأحداث أسقطاها من حساب المتفرّج، بل لعلّ جمالها الأفريقي وحده ما يلفت انتباهه فيها، في فيلم سعى إلى تقديم فرجة جماعية سلسة.