حاوره: عبد اللطيف الوراري

رشيد منسوم ابن مراكش وأحد ورثة لحظتها الشعرية اليوم. ينتمي إلى جيل التسعينيات الذي كان امتدادا لسيرورة التحديث الشعري، وتمثلتْ مغامرته الكتابية في الإخلاص لـ»حساسية جديدة» تقوم على التكثيف، والاقتصاد في اللغة، والاحتفاء باليومي والتفاصيل الصغيرة. ظهرت باكورته الشعرية تحت عنوان: «سلام عليكم، أيها النائمون» عام 2004، وكانت هذه تحيته الأولى للعالم، بل كما قال، «صرخة في وجه سباته». في الديوان رغم اكتشافات البداية شَيْءٌ موحٍ من التسعينيات؛ من «قلق الهوية، ووحشة الفرد، وانكسار اليقين». من خلال توالي مجاميعه الشعرية: «طُعم لأسماك طائرة» 2006، «الصمت سيفعل شيئا ما» 2010، «وداعا أَيها الدَغَل، مرحبا أَيتها الفأس» 2021، «أتقرى أشهى ما في السراب» 2022، «Les ailes du silence»)، وانفتاح مُثْرٍ على نصوص الشعرية الفرنسية، يبرز احتفاء الشاعر بقصيدة النثر، بما تعج به من صور وتفاصيل ومشاهدات تأخذ من الفانتازيا والمفارقة والمرح الديونيزوسي، حتى طبعت أسلوبه الشعري القريب في مناخاته وبروقه الداخلية من أسلوب السريالية. يجعل هذه العُدة بمثابة «وسيلة لمقاومة صرامة الواقع» و»مساءلة المأساة»، بالمخيلة حينا، وبالضحك نفسه طريقة أخرى. كما تقيم كتابته الشعرية بين ضفتي اللسان العربي والفرنسي، وهو يرعى شروط هذه الإقامة حين «يصغي إلى روح كل لغة، إلى تنفسها الخاص، وإلى ما تسمح به من اقتراب أو مسافة». وداخل فضاء التوتر الخلاق بينهما، يمكن الحديث عن «فضاء ثالث»، أو عن «صوت ثالث» تُـولده المسافة بينهما.

* كيف جاء رشيد منسوم إلى الشعر وعقد عليه زمام كينونته؟ هل تذكر حدثا من الطفولة أو واقعة ما أخذتك إلى الشعر؟
– جئتُ إلى الشعر من باب المدرسة، من مقعدٍ صغير كان يطل على عالمٍ أوسع من جدران الفصل. هناك كتبتُ محاولتي الأولى، ولم أكن أدرك أنني، وأنا أرتب الكلمات ببراءة طفل، كنت أرتب قدري أيضا. كانت القصيدة الأولى نافذة انفتحت فجأة في داخلي، فعرفتُ أن للكلمات أجنحة، وأن ما يعجز الصوت عن قوله، تستطيع القصيدة أن تحمله إلى مسافات أبعد. منذ ذلك اليوم، لم يعد الشعر تمرينا مدرسيا عابرا، بل صار رفيقا خفيا، أنصت من خلاله إلى العالم، وأحفظ به ارتجافات الروح. يمكنني القول إن المدرسة وضعت القلم في يدي، لكن القصيدة الأولى هي التي أخذت بيدي نحو الشعر. ومنذئذ صار الشعر بيتي الداخلي؛ كلما ضاقت بي الحياة، فتح لي نافذة على المعنى، وكلما تاه صوتي، أعادني إلى نفسي.
*تنتمي إلى جيل التسعينيات الذي شكل امتدادا للجيل الذي سبقه في سياق تحديث الشعر المغربي. في نظرك، ما هي أهم المكاسب والآثار التي تنسب لهذا الجيل؟ وهل استطاع شعراؤه اليوم أن يؤسسوا بالفعل «حساسية جديدة»؟
– جيل التسعينيات لم يأتِ ليهدم البيت الشعري الذي شاده السابقون، بل جاء ليفتح فيه نوافذ أخرى. لقد ورث عن الأجيال السابقة جرأة التحديث، لكنه حاول أن يمنح القصيدة صوتا أكثر خفوتا، وأشد التصاقا بتفاصيل الإنسان اليومية؛ بأعطابه الصغيرة، ووحدته، وأسئلته التي لا تجد جوابا.
من أهم مكاسب هذا الجيل، في تقديري، أنه حرر القصيدة من كثير من البلاغة العالية والخطابة، وأعاد الاعتبار للهامشي والعابر واليومي. صارت القصيدة أقل ادعاء، وأكثر إصغاء إلى هشاشة الإنسان. كما انفتح شعراؤه على قصيدة النثر، وعلى الترجمة والفنون والسرد، وجعلوا من اللغة فضاء للتجريب، لا قالبا جاهزا للمعنى. لقد نقل هذا الجيل الشعر من صخب المنابر إلى عزلة الذات، ومن القضايا الكبرى بصيغتها المباشرة إلى أثرها العميق في الجسد والذاكرة والوجدان. لم يعد الشاعر يتحدث باسم الجماعة، بل صار ينصت إلى الشقوق الدقيقة في كينونته، ومن خلالها يلمس قلق الجماعة كلها.
أما الحديث عن تأسيس «حساسية جديدة»، فأعتقد أن هذه الحساسية تحققت، ولكن ليس بوصفها مدرسة ذات قوانين وحدود واضحة، بل باعتبارها مناخا شعريا جديدا. حساسية تقوم على التكثيف، والاقتصاد في اللغة، والاحتفاء بالتفاصيل، والشك في اليقينيات، والبحث عن الشعر في الأماكن التي لا يُنتظر أن يكون فيها.
غير أن الأجيال الأدبية لا تُقاس فقط بما أعلنته عن نفسها، بل بما بقي من نصوصها قادرا على مقاومة الزمن. لذلك أرى أن جيل التسعينيات فتح طريقا مهما، وترك أثرا لا يمكن إنكاره، لكن الحكم النهائي على تجربته يظل من حق القصائد التي ستبقى حية بعد أن تخفت أسماء الأجيال وتصنيفاتها. فالشعر، في النهاية، لا يسأل الشاعر إلى أي جيل ينتمي، بل يسأله: ما الأثر الذي تركته كلماتك في روح قارئٍ لم يولد بعد؟
*أصدرت باكورتك الشعرية «سلام عليكم، أيها النائمون» عام 2010. كيف تستعيد من خلاله حماسة الشاعر وأطراف شهوته التي تنحدر إلى حقبة التسعينيات؟
– حين أعود إلى ديواني الأول »سلام عليكم، أيها النائمون«، لا أستعيد كتابا صدر سنة 2010 فحسب، بل أستعيد شابا كان يتكون في ظلال التسعينيات، يقرأ العالم بقلق، ويدخل إلى القصيدة كما يدخل عاشقٌ إلى مجهول يعده بالدهشة والخطر معا. في ذلك الديوان شيء من الحماسة الأولى التي لا تعرف الاحتراس؛ رغبةٌ في أن تقول القصيدة كل شيء، وأن تضع يدها على جرح العالم، قبل أن تكتشف أن الجرح أوسع من اللغة. كانت الكتابة يومها شهوة لا تهدأ: شهوة اكتشاف الذات، واختبار الكلمات، والتمرد على المألوف، والبحث عن صوت شخصي وسط أصوات شعرية كبيرة سبقتنا وفتحت أمامنا دروب التحديث.
لقد انحدرت إلى الديوان ظلال التسعينيات وأسئلتها: قلق الهوية، ووحشة الفرد، وانكسار اليقين، والرغبة في تحرير القصيدة من خطابها المباشر. لذلك جاءت نصوصه كأنها تحاول إيقاظ النائم في الإنسان، أو إيقاظ الإنسان من نومه الطويل داخل اللغة والعالم. وحين أستعيده اليوم، أرى فيه اندفاع البدايات وصدقها، وأرى أيضا ما كان ينقصها من صبر وحذف ومسافة. غير أنني لا أتنكر لتلك الحماسة؛ فهي النار الأولى التي ربما أنضجت تجربتي اللاحقة. قد تتغير يد الشاعر مع الزمن، وقد يصبح أكثر حذرا في الاقتراب من اللغة، لكن شيئا من فتى التسعينيات يظل مقيما في داخله، يوقظه كلما أوشكت القصيدة أن تتحول إلى عادة. ذلك الديوان هو تحيتي الأولى للعالم، لكنه كان أيضا صرخة في وجه سباته: سلامٌ عليكم، أيها النائمون… أما أنا، فقد أيقظني الشعر. ولعلني كنت أؤمن، من دون أن أدري، بتلك العبارة المنسوبة إلى نيتشه:» مَن يستيقظ، يظل مستيقظا إلى الأبد«.

*من خلال توالي مجاميعك الشعرية، وانفتاح على الشعرية الفرنسية، نلاحظ احتفاءك بقصيدة النثر بما تعج به من صور وتفاصيل ومشاهدات تأخذ من أبعاد الفانتازيا والمرح الديونيزوسي، حتى طبعت أسلوبك الشعري القريب في مناخاته من أسلوب السريالية. مَنْ التجارب الشعرية التي تأثرتَ بها في هذا المجال؟ وهل تعتقد أن هذه القصيدة ما تزال قادرة على الوفاء للشعري، وعلى استلهام سبل الإنسان واستبصاراته اليوم؟
– لم أتلق أثرا شعريا واحدا، ولم أدخل القصيدة من بابٍ وحيد. كنتُ أقرأ الشعر كما يعبر المرء غابة تتعدد فيها المسالك والروائح والأصوات. وجدتُ لدى بودلير قدرة مدهشة على استخراج الجمال من العابر والمهمش والمظلم، وتعلمتُ من رامبو أن الشاعر لا يكتفي بوصف العالم، بل يخلخل الحواس كي يراه من جهةٍ لم تُرَ من قبل. أما التجربة السريالية الفرنسية، فقد منحتني شجاعة الجمع بين ما يبدو متباعدا، وعلمتني أن الصورة الشعرية لا تولد دائما من التشابه، بل قد تنبثق من الصدام والمفاجأة؛ من لقاء الحلم باليومي، والجسد بالأسطورة، والواقعي بما يفيض عنه. لم أتعامل مع السريالية بوصفها وصفة جاهزة، بل باعتبارها طاقة لتحرير المخيلة من رقابة المنطق، وإعادة ترتيب العالم وفق منطق القصيدة.
وفي الشعر العربي، وجدتُ لدى رواد قصيدة النثر ومن جاء بعدهم مسالك أخرى للحرية: تحرير الإيقاع من الوزن الظاهر، والاقتراب من التفاصيل الحميمة، والاحتفاء بالهشاشة، وبناء موسيقى داخلية لا تسمعها الأذن وحدها، بل يحس بها الجسد والوجدان. غير أن التأثر، بالنسبة إلي، لا يعني الإقامة في أصوات الآخرين؛ فالشاعر يعبر تجاربهم ليصل إلى صوته، ويستعير النار لا الرماد. لهذا حضرت في قصائدي الفانتازيا، والمفارقة، والمرح الديونيزوسي، لا باعتبارها زينة لغوية، بل وسيلة لمقاومة صرامة الواقع. ففي عالم يزداد ثقلا ورتابة، قد تكون المخيلة شكلا من أشكال النجاة، وقد يكون الضحك نفسه طريقة أخرى لمساءلة المأساة.
أما قصيدة النثر، فأعتقد أنها ما تزال قادرة على الوفاء للشعري، لأنها ليست شكلا مكتملا أو قالبا مغلقا، بل أرضٌ مفتوحة للتجدد. غير أن حريتها ليست إعفاء من الصنعة؛ فغياب الوزن لا يعني غياب الإيقاع، والتخلص من القافية لا يبرر النثرية المسطحة، والانفتاح لا يعني أن كل كلام يصبح شعرا. قصيدة النثر الحقيقية مطالبةٌ بأن تخلق ضرورتها الخاصة: أن تفاجئ اللغة، وتكثف الرؤية، وتمنح التفاصيل العادية حياة ثانية. وهي قادرة اليوم على استلهام سبل الإنسان واستبصاراته، لأنها تستطيع أن تدخل إلى قلقه المعاصر، وعزلته الرقمية، وخوفه من الفقد، واضطراب علاقته بالجسد والزمن والمكان. ما دام الإنسان يكتشف داخل نفسه مناطق لم تُسم بعد، ستظل قصيدة النثر قادرة على التجدد؛ لأنها لا تسير وراء العالم لتصفه، بل تحاول أن تسبقه بخطوة، وتضيء في عتمته نافذة لم تكن موجودة.

الشعر لا يوقف الرصاصة، لكنه يستطيع أن يكشف اليد التي أطلقتها، وأن يصون فينا الألم من البلادة والنسيان. إنه لا يغير العالم بأمر مباشر، لكنه يغير نظرتنا إليه، وقد يبدأ كل تحول حقيقي من عينٍ تعلمت أن ترى، ومن ضميرٍ رفض أن يعتاد الظلم.

*تقيم كتابتُك الشعرية بين ضفتي اللسان العربي والفرنسي، كيف ترعى شروط هذه الإقامة؟ وهل يمكن أن نتحدث عن «فضاء ثالث» يخص تجربتك الشعرية على مستوى الكتابة والتلقي معا؟
-لا أقيم بين العربية والفرنسية كما يقيم الغريب بين ضفتين متقابلتين، بل أتنقل بينهما كما يعبر الماءُ جسورَه الخفية. لكل لغة في داخلي مناخها وذاكرتها وطريقتها في لمس العالم؛ العربية تمنحني دفءَ الجذور، وثراء المجاز، وإيقاع الذاكرة الأولى، فيما تفتح الفرنسية أمامي مساحات أخرى للتفكير والصورة والاقتصاد في العبارة. رعاية هذه الإقامة تقتضي ألا أجعل لغة ظلا للأخرى، وألا أكتب بالعربية بعقلٍ فرنسي، أو بالفرنسية ببلاغة عربية منقولة حرفيا. أحاول أن أصغي إلى روح كل لغة، إلى تنفسها الخاص، وإلى ما تسمح به من اقتراب أو مسافة. فالقصيدة لا تتغير كلماتها فقط حين تنتقل من لسان إلى آخر؛ تتغير معها طريقة النظر، وإيقاع الحساسية، وربما صورة الذات نفسها. ومع ذلك، لا تبقى اللغتان منفصلتين داخلي. كل واحدة منهما تترك أثرا خفيا في الأخرى. قد تمنح الفرنسية قصيدتي العربية ميلا إلى الاختزال والمشهدية والمفارقة، فيما تمنح العربية كتابتي بالفرنسية حرارة الصورة وامتداد الذاكرة وإيقاعا يأتي من مكان أعمق من الوزن. من هنا، يمكن الحديث عن «فضاء ثالث»، لكنه ليس لغة هجينة بالمعنى المباشر، ولا منطقة محايدة بين لغتين. إنه فضاء التوتر الخلاق بينهما؛ المكان الذي لا أكون فيه عربيا فقط ولا فرنكفونيا فقط، بل شاعرا يصغي إلى العالم بأذنين لغويتين، ويحاول أن يكتب بصوتٍ ثالث تولده المسافة بينهما. هذا الفضاء الثالث هو أيضا مساحة للترجمة الداخلية. فأنا، حتى حين أكتب بلغة واحدة، أشعر أحيانا بأن اللغة الأخرى تقف خلف كتفي، تقترح صورة، أو تشكك في عبارة، أو تفتح نافذة لم تكن مرئية. ليست الترجمة هنا نقلا للكلمات، بل عبور بين رؤيتين للعالم. وعلى مستوى التلقي، قد يدخل القارئ العربي إلى القصيدة من باب الذاكرة والإيقاع الثقافي، بينما يلتقط القارئ الفرنسي بنيتها البصرية أو مفارقاتها أو علاقتها بالتجارب الحديثة. غير أن القصيدة الناجحة لا تتوقف عند حدود قارئ بعينه؛ إنها تبحث عن ذلك الجزء الإنساني الذي يسبق اللغات، حيث يصبح الحزن مفهوما بلا ترجمة، وتصل الدهشة قبل أن تصل الكلمات.
إنني لا أرى ازدواج اللسان انقساما في الهوية، بل اتساعا فيها. لكل لغة نافذتها، لكن الضوء الذي يعبرهما واحد. وفي المسافة بين النافذتين، ربما تولد قصيدتي.
*كيف تنظر إلى ما يجري اليوم في عالمنا من مآسٍ وانحرافات؟ وهل بوسع الشعر، والفنون عموما، أن يفعل شيئا؟
-أنظر إلى ما يجري في عالمنا بكثير من الألم والقلق. نحن نعيش زمنا تتكاثر فيه الحروب، ويُستباح فيه الإنسان، وتتحول المأساة أحيانا إلى خبر عابر بين خبرين. الأخطر من العنف نفسه هو أن نألفه؛ أن تمر أمام أعيننا صور الخراب والجوع والموت، ثم نواصل يومنا كأن شيئا لم يحدث.
يبدو العالم اليوم كأنه يفقد شيئا من روحه، تحت ضغط المصالح والخطابات المغلقة والتعصب والجشع. الإنسان الذي ابتكر الآلات القادرة على اختصار المسافات، لم ينجح دائما في اختصار المسافة بين قلبه وقلب الآخر. صرنا أكثر اتصالا، لكننا لسنا بالضرورة أكثر تعاطفا؛ نرى المأساة في اللحظة نفسها، ومع ذلك قد نعجز عن رؤية الإنسان المختبئ خلف الصورة. لا أعتقد أن الشعر يستطيع إيقاف حرب، أو إعادة بيتٍ تهدم، أو إحياء طفلٍ غادر العالم قبل أن يعرفه. سيكون من الوهم أن نحمله ما لا يقدر عليه. غير أنه يستطيع أن يفعل شيئا آخر لا يقل أهمية: أن يمنع الضحية من أن تتحول إلى رقم، وأن يحفظ للغائب اسمه وملامحه وحقه في الذاكرة.
الشعر لا يوقف الرصاصة، لكنه يستطيع أن يكشف اليد التي أطلقتها، وأن يصون فينا الألم من البلادة والنسيان. إنه لا يغير العالم بأمر مباشر، لكنه يغير نظرتنا إليه، وقد يبدأ كل تحول حقيقي من عينٍ تعلمت أن ترى، ومن ضميرٍ رفض أن يعتاد الظلم. والفنون، عموما، تستعيد للإنسان إنسانيته حين تحاول الآلة السياسية والإعلامية أن تختزله في هوية أو إحصاء أو صورة عابرة. إنها تخلق فضاء للقاء المختلف، وتعلمنا أن ندخل إلى حياة الآخرين، وأن نشعر بأوجاع لم نعشها بأنفسنا. قد لا تكون القصيدة سلاحا بالمعنى المادي، لكنها شكل من أشكال المقاومة: مقاومة القبح، والنسيان، واللامبالاة، وموت اللغة تحت وطأة الشعارات. وحين تحافظ القصيدة على حساسية الإنسان، فإنها تحافظ على الجزء الذي يمكن أن يبدأ منه الأمل. لست أطلب من الشعر أن ينقذ العالم وحده؛ يكفيه أحيانا أن ينقذ قلبا واحدا من القسوة، وأن يترك في العتمة نافذة صغيرة تقول، إن الإنسان لم يمت تماما في الإنسان.