هذه المراجعة خالية من الحرق لفيلم Spider-Man: No Way Home.
بعد نهاية Spider-Man: No Way Home، بدا أن مارفل وضعت نفسها أمام تحدٍ صعب للغاية. فبعد فيلم انتهى بحدث غيّر حياة بيتر باركر بالكامل، وأعاد شخصيات من عدة عوالم مختلفة، كيف يمكن أن تكون الخطوة التالية مجرد فيلم “سبايدرمان” آخر؟ كان من السهل جداً أن يحاول Spider-Man: Brand New Day رفع سقف الأحداث مرة أخرى، لكنه اختار الطريق المعاكس تماماً. بدلاً من الأكوان المتعددة والتهديدات الكونية، يعيدنا الفيلم إلى شوارع نيويورك، حيث يعمل سبايدرمان كما اعتدنا أن نراه دائماً: يطارد المجرمين، ويحاول حماية مدينته، بينما يواجه في الوقت نفسه تبعات القرار الذي اتخذه في نهاية الفيلم السابق.
المزيد عن هذا الموضوع
أكبر الأسئلة الملحة من Spider-Man: Brand New Day
هذا التصغير في نطاق الأحداث كان برأيي أحد أفضل قرارات الفيلم. فبعد أن أصبح بيتر وحيداً في عالم لا يتذكره فيه أحد، لم يعد مضطراً للموازنة بين حياته الشخصية وحياة سبايدرمان، لأنه ببساطة لم تعد لديه حياة شخصية تقريباً. لم يعد هناك منزل يعود إليه، أو أصدقاء ينتظرونه، أو عائلة يخشى عليها. أصبح سبايدرمان هو كل ما تبقى له، وهذا يمنح الشخصية نضجاً مختلفاً عن أي وقت مضى. يقدم توم هولاند أداءً رائعاً، من نسخة أكثر نضجاً وثقة من بيتر باركر، خصوصاً أثناء ارتداء القناع، حيث نشعر بأنه أصبح بطلاً متمرساً بعد سنوات من الخبرة، لا مجرد مراهق يتعلم كيف يستخدم قواه، ويبدع بالأداء البدني خلال مشاهد الآكشن والأرجحة التي تعد من أفضل ما قدمته السلسلة.
لكن من الأمور التي أثارت استغرابي وامتعاضي أن الفيلم يكاد يتعامل مع نيويورك وكأنها لم تشهد أحداث مسلسل Daredevil: Born Again، واختفاء كينغبين وتولي شيلا زمام الأمور، توقعت أن يتطرق الفيلم إلى هذا الواقع الجديد بشكل أوضح، أو على الأقل أن نشعر بأن سبايدرمان يعيش في المدينة نفسها التي شهدت تلك الأحداث. صحيح أن هناك إشارات عابرة تكفي لربط العمل بعالم مارفل السينمائي، لكنها تبقى سطحية جداً.
ومن ناحية أخرى، كنت متحمسة جداً لعودة منظمة The Hand إلى عالم مارفل السينمائي، حيث أن مسلسل Daredevil على نتفليكس جعلها واحدة من أكثر المنظمات غموضاً وخطورة، وهي تملك تاريخاً يكفي ليجعلها أكثر من مجرد مجموعة من المقاتلين في خلفية الأحداث. لذلك توقعت أن يستغل الفيلم هذه الفرصة ليوضح كيف استمرت المنظمة بعد سقوطها، أو على الأقل يمنحها دوراً مؤثراً في القصة. لكن للأسف لم يحدث أي من ذلك. وبالتالي كان وجود The Hand يبدو أقرب إلى وسيلة لإضافة عنصر مألوف من عالم مارفل الأوسع، من دون أن يمنحها الفيلم أي عمق، لدرجة أنني شعرت أنه كان من الأفضل الاستغناء عنها بالكامل بدلاً من استخدامها بهذه الطريقة السطحية.
ومع ذلك لا يمكنني إنكار أن المعارك مع The Hand كانت جزءاً من أفضل مشاهد الأكشن في الفيلم. فديستن دانيال كريتون، الذي سبق أن قدم واحداً من أفضل الأفلام القتالية في عالم مارفل مع Shang-Chi، يستغل وجودهم ليقدم مواجهات سريعة ومليئة بالحركات البهلوانية والتصاميم القتالية المتقنة، بعيداً عن الاكتفاء بالاعتماد على المؤثرات البصرية. لذلك ورغم أن وجود The Hand خيب أملي على مستوى القصة، فإنه منح الفيلم بعضاً من أفضل مشاهده القتالية.
كما أن استخدام المؤثرات العملية والتأرجح بالحبال الحقيقية يمنح مشاهد الآكشن وزناً وإحساساً بالحركة افتقدته بعض أفلام سبايدرمان السابقة، بينما تتحرك الكاميرا أحياناً من منظور سبايدرمان نفسه أو تلتف حوله أثناء التأرجح بين المباني، في لقطات تستحضر العديد من أغلفة القصص المصورة الكلاسيكية.
ولم تقتصر الإشارات على القصص المصورة فقط، بل أن الفيلم يوجه تحية واضحة لألعاب Marvel’s Spider-Man من استوديو Insomniac، وهو أمر أسعدني كثيراً. فهناك مشاهد كاملة بدت وكأنها خرجت مباشرة من اللعبة، سواء كان ذلك في طريقة اندفاع سبايدرمان بين المباني، وانتقاله السلس من التأرجح إلى القتال خلال مطاردة المجرمين فوق أسطح المباني، أو الطريقة التي يستخدم بها البيئة المحيطة خلال القتال، أو استخدام التطبيق لملاحقة المجرمين، أو حتى الضربات القاضية التي تنتهي بحركات بهلوانية سريعة، كل ذلك يعطي الإحساس نفسه الذي كنت أشعر به وأنا أمسك يد التحكم في ألعاب Insomniac، وكان ذلك رائعاً.
وأكثر ما استمتعت به هو عودة التفاصيل الصغيرة التي جعلت ألعاب Insomniac ممتعة إلى هذا الحد، مثل تعليق المجرمين بالشباك وتركهم معلقين بانتظار وصول الشرطة، وهي لمسة بسيطة لكنها تضيف الكثير إلى شخصية سبايدرمان الودود الذي يحرص دائماً على إيقاف المجرمين من دون قتلهم. ويعرف ديستن دانيال كريتون أيضاً متى يبتعد بالكاميرا ليترك المجال للحركات البهلوانية كي تتحدث عن نفسها، بدلاً من اللجوء إلى المونتاج السريع الذي يخفي تفاصيل القتال، وهو ما يجعل كثيراً من المواجهات سهلة المتابعة وممتعة في الوقت نفسه.
لكن رغم أن الفيلم ينجح في هذا الجانب، فإنه لا يتخلى تماماً عن كونه جزءاً من عالم مارفل الأوسع. أحياناً شعرت أن Brand New Day يحاول تقديم أشياء كثيرة في الوقت نفسه: فهو يريد أن يكون بداية جديدة لبيتر باركر، ورسالة حب لعشاق القصص المصورة، وفيلماً يمهد للمستقبل، وفي الوقت نفسه يضم عدداً كبيراً من الشخصيات المعروفة. هذا الزخم يجعل الإيقاع مزدحماً في بعض المراحل، ويمنع بعض خطوط القصة من الحصول على المساحة التي تستحقها، لكنه في المقابل يمنح الفيلم مقداراً كبيراً من اللحظات الممتعة والإشارات التي سيسعد بها عشاق سبايدرمان.
ويظهر ذلك بوضوح من خلال العدد الكبير من شخصيات عالم سبايدرمان التي يضمها الفيلم، مثل سكوربيون، وتومبستون، وبوميرانغ، وتارانتشيولا، ورامرود، إلى جانب عدد كبير من اللقطات المستوحاة مباشرة من أغلفة القصص المصورة الشهيرة. وهذا التنوع يذكرنا بالقصص المصورة، حيث لم تكن مغامرات سبايدرمان تتوقف عند خصم واحد، بل كان ينتقل باستمرار بين عدد كبير من المجرمين والعصابات التي تجعل نيويورك تبدو مدينة لا تنام. صحيح أن معظم هذه الشخصيات لا تحصل على مساحة كافية، لكنها تنجح في إعطاء الانطباع بأن سبايدرمان يعمل في مدينة مليئة بالتهديدات، لا في فيلم يدور حول شرير واحد فقط.
ومن أكثر المفاجآت التي أسعدتني أيضاً أن دور بانيشر (المعاقب) كان أكبر بكثير مما توقعت. توقعت ظهوره في مشهد أو مشهدين كضيف شرف، لكن الفيلم يمنحه مساحة كافية ليصبح جزءاً مهماً من رحلة بيتر. وما يجعل ذلك ناجحاً هو الانسجام الرائع والحقيقي بين توم هولاند وجون بيرنثال، والذي يجعل كل مشهد يجمعهما ممتعاً، سواء خلال الحوارات أو أثناء المعارك. العلاقة بين الشخصيتين قائمة على التناقض، فبينما يتمسك سبايدرمان دائماً بإيمانه بإمكانية إنقاذ الجميع، لا يرى بانيشر مشكلة في قتل أعدائه، وهو اختلاف يصنع عدداً من أفضل الحوارات في الفيلم من دون أن يبدو مفتعلاً، مع لمسة من حس الفكاهة الذي يميز سبايدرمان، إذ تبقى تعليقاته الساخرة حاضرة حتى في أصعب المعارك من دون أن تتحول إلى نكات تفسد جدية الموقف.
ولعل ما يجعل هذه العلاقة مقنعة إلى هذا الحد أنها تنعكس أيضاً خلف الكاميرا. فقد كشف جون بيرنثال سابقاً أن صداقته مع توم هولاند تعود إلى زمن بعيد، حيث صوّرا تجارب الأداء الخاصة بكل منهما عندما كانا يتقدمان لدوري بانيشر وسبايدرمان، قبل سنوات من اجتماعهما في عالم مارفل السينمائي. كما تحدث المخرج ديستن دانيال كريتون عن الانسجام الكبير بينهما في موقع التصوير، وأن كثيراً من الطاقة التي ظهرت على الشاشة لم يكن من الممكن كتابتها في السيناريو، بل جاءت بشكل طبيعي من العلاقة التي تجمع الممثلين. وهذا ما شعرت به فعلاً أثناء مشاهدة الفيلم، إذ بدت العلاقة بين بيتر وفرانك واحدة من أكثر العلاقات حيوية في العمل.
ولا يمكن تجاهل المواجهة مع هالك، والتي كانت واحدة من أكثر المشاهد التي كنت متحمسة لها قبل مشاهدة الفيلم، ولم تخيب ظني. إذ يستغل ديستن دانيال كريتون الفارق الهائل بين قدرات الشخصيتين ليقدم واحدة من أفضل المواجهات في الفيلم. فرغم القوة الساحقة التي يتمتع بها هالك، فإنه يعجز عن مجاراة رشاقة سبايدرمان وسرعته، فنراه يتنقل حوله باستمرار، ويقفز فوق كتفيه وظهره، ويستخدم شباكه بذكاء للتأرجح حوله وتقييد حركته واستغلال البيئة المحيطة لتفادي ضرباته. كما تتضمن المواجهة لقطة رائعة مع شخصية أخرى لن أحرق هويتها، لكنها من أكثر اللحظات إبداعاً على مستوى تصميم الأكشن، وستعرفون تماماً أي مشهد أقصد عندما تشاهدونه.
ومن أكثر ما أعجبني أيضاً أن الفيلم لا يعامل قرار بيتر في نهاية No Way Home كذريعة لبدء مغامرة جديدة فقط، بل يبني معظم أحداثه على تبعات ذلك القرار. فهذه أول مرة نرى بيتر يعيش فعلاً وحيداً، من دون توني ستارك، أو ماي، أو نيد، أو إم جاي. وحتى عندما يحاول الاقتراب من الأشخاص الذين أحبهم، يدرك أن ذلك قد يعرضهم للخطر مجدداً. لذلك يصبح السؤال الذي يرافقه طوال الفيلم ليس كيف يهزم الشرير، بل كيف يستطيع الاستمرار في تحمل هذا العبء وحده.
أما الخصم الجديدة التي تؤديها سادي سينك فكانت مفاجأة إيجابية أخرى. حيث قدم الفيلم خصماً يفرض ضغطاً نفسياً على بيتر طوال الوقت بفضل قدراتها التي تجعل أي شخص من حوله عرضة لأن يكون مخترقاً. صحيح أن الشخصية لا تدخل الأحداث بشخصها إلا في النصف الثاني من الفيلم، لكن حضورها يزداد قوة تدريجياً، وتنجح سادي سينك في تقديم أداء هادئ يخفي خلفه كثيراً من الغضب، لتصبح بسهولة من أبرز إضافات الفيلم، وطريقة رائعة لتقديم هذه الشخصية إلى عالم مارفل السينمائي. أما بالنسبة لهوية الشخصية نفسها… نعم أخيراً أستطيع أن أنام بطمأنينة بعدما عرفت من تؤدي سادي سينك بعد طول انتظار.
لكن في المقابل، شعرت أن الفيلم لم يمنح علاقة بيتر مع إم جاي ونيد المساحة العاطفية الكافية التي كنت آملها. فبعد النهاية المؤلمة لفيلم No Way Home، كان من المتوقع أن تكون هذه العلاقة محوراً أساسياً في بداية جديدة مثل Brand New Day. صحيح أن هناك لحظات مؤثرة، ويواصل توم هولاند وزندايا تقديم الانسجام الذي اعتدنا عليه بينهما، لكن الفيلم يستخدم هذه العلاقة غالباً لدفع الأحداث إلى الأمام أكثر من كونها الحدث الرئيسي كما توقعت، لكنها تبقى جوهرية بما يكفي لتمهيد الطريق لبقية الثلاثية.
أما ويليام “بيل” ميتزغر، مدير إدارة السيطرة على الأضرار (Department of Damage Control) الذي يجسده تراميل تيلمان، فقد كان من العناصر التي شعرت أنها لم تحصل على الوقت الكافي. فالفكرة بحد ذاتها مثيرة للاهتمام، خصوصاً أن إدارة السيطرة على الأضرار لطالما مثلت جانباً أكثر غموضاً في عالم مارفل السينمائي. لكن الفيلم لا يمنح ميتزغر الوقت الكافي ليصبح خصماً بنفس قوة التهديدات الأخرى، رغم أن دوره كخصم بشري كان يمكن أن يقدم صراعاً مختلفاً لبيتر، بعيداً عن المواجهات الخارقة. وجوده يخدم فكرة الفيلم حول المسؤولية ومن يملك الحق في تحديد ما يشكل “خطراً”، لكنه يبقى من العناصر التي كان يمكن تطويرها بشكل أكبر.
كما أعجبني أن ظهور شخصيات عالم مارفل الأخرى بقي محدوداً إلى حد كبير. وجود بروس بانر يخدم القصة بدلاً من أن يسرق الأضواء، بينما يتجنب الفيلم الوقوع في فخ تحويل نفسه إلى إعلان طويل للأعمال القادمة، وهي مشكلة عانت منها بعض أفلام مارفل. صحيح أن هناك بعض الخيوط التي تمهد للمستقبل، لكنها لا تأتي على حساب قصة بيتر نفسها. والأهم من ذلك أن الفيلم يبدو أخيراً بأنه يعرف أي نسخة من سبايدرمان يريد أن يقدمها. ليس البطل الذي يقاتل إلى جانب المنتقمين لإنقاذ الكون، بل الشاب الذي يجوب شوارع نيويورك محاولاً حماية مدينته، حتى لو اضطر إلى تحمل ذلك وحده.
والأهم من كل ذلك أن الفيلم يضع أخيراً سبايدرمان في المكان الذي يجب أن يكون فيه ضمن عالم مارفل السينمائي. فبدلاً من الاعتماد على توني ستارك أو دكتور سترينج، أو انتظار أن يأتي أحد الأبطال لإنقاذ الموقف، يصبح بيتر هذه المرة المسؤول الأول والأخير عن قراراته وأخطائه. صحيح أن بعض الشخصيات تساعده على طول الطريق، لكنها لا تحل مشاكله بدلاً منه، ولا تأتي في النهاية لإنقاذ اليوم. وهذا ما جعل المخاطر تبدو أكثر واقعية، لأن أي خطأ يرتكبه سبايدرمان ستكون عواقبه مسؤوليته وحده، وهو ما يعيد الشخصية إلى جوهرها.
في النهاية، يقدم Spider-Man: Brand New Day ما كنت أتمناه تقريباً: فيلماً يعيد سبايدرمان إلى مكانه الطبيعي، بين شوارع نيويورك، بعيداً عن الأكوان المتعددة والتهديدات الكونية، ويذكرنا لماذا أحببنا هذه الشخصية أساساً. صحيح أن ازدحام الأحداث، والاستخدام السطحي لبعض عناصر عالم مارفل مثل The Hand وإدارة السيطرة على الأضرار، وغياب العمق عن بعض الشخصيات يمنع الفيلم من الوصول إلى مستوى أفضل أجزاء السلسلة، لكنه ينجح في المقابل في تقديم بعض من أفضل مشاهد الآكشن في مسيرة توم هولاند، ورسالة حب واضحة لعشاق القصص المصورة وألعاب Marvel’s Spider-Man من Insomniac. بعد No Way Home، كان التحدي الحقيقي أمام مارفل ألا تصنع فيلماً أكبر، بل فيلماً يعيد سبايدرمان إلى جذوره، وBrand New Day ينجح في ذلك أكثر مما يفشل.
يقدم Spider-Man: Brand New Day بداية موفقة لمرحلة جديدة من رحلة بيتر باركر، حيث يعيده إلى شوارع نيويورك ويجعله يعتمد على نفسه بعيداً عن التهديدات الكونية. ورغم ازدحام الأحداث والاستخدام السطحي لبعض عناصر عالم مارفل، ينجح الفيلم في تقديم أكشن مذهل، معارك مصممة بعناية، وإشارات ممتعة لعشاق القصص المصورة وألعاب Marvel’s Spider-Man من Insomniac. كما تم تقديم شخصية سادي سينك إلى عالم مارفل السينمائي بطريقة موفقة، مع تمهيد جيد لبقية الثلاثية ومستقبل عالم مارفل السينمائي. قد لا يكون الفيلم مثالياً، لكنه ينجح في تذكيرنا بجوهر سبايدرمان.
