
في وقتٍ اختارت فيه مهرجانات عدة إلغاء حفلاتها، وفرضت الظروف الاستثنائية التي عاشها لبنان والمنطقة حالة من الترقب والقلق، اتخذ مهرجان “أعياد بيروت” قرارًا لم يكن سهلًا: الاستمرار. لم يكن ذلك مجرد قرار بتنظيم حفلات، بل رسالة واضحة بأن الثقافة والفن قادران على الصمود حتى في أصعب الأوقات.
بعد تعذّر إقامة المهرجان في موقعه المعتاد على الواجهة البحرية في وسط بيروت، لم تستسلم الإدارة للواقع، بل بادرت إلى نقل الحدث إلى الواجهة البحرية في أنطلياس – النقاش، بالتعاون مع بلدية أنطلياس – النقاش، حفاظًا على استمرارية مهرجان أصبح على مدى سنوات جزءًا من الذاكرة الثقافية والفنية اللبنانية.
هذا القرار الجريء أثبت أن الإرادة تتفوّق على التحديات. فالمهرجان لم يكتفِ بالاستمرار، بل قدّم برنامجًا فنيًا متنوعًا ضم أسماءً من الصف الأول، مؤكّدًا أن لبنان لا يزال قادرًا على استقطاب أبرز الفنانين رغم كل الظروف. فافتتحت عبير نعمة الليالي، وسجّل الفنان الأردني الأخرس أولى مشاركاته، ثم أطلّ غي مانوكيان وجون أشقر، وجوزيف عطية وإبراهيم معلوف في أول مشاركة له ضمن المهرجان، كما اعتلى مروان خوري مسرح “أعياد بيروت” للمرة الأولى، قبل أن تختتم إليسا الدورة الحادية عشرة بأمسية جماهيرية كبيرة.
ولعلّ النجاح الذي حققه المهرجان لم يقتصر على حفلاته، بل شكّل نقطة تحوّل في المشهد الصيفي اللبناني. فمع انطلاق “أعياد بيروت” واستمرار فعالياته بنجاح، استعادت العديد من البلديات والجهات المنظمة ثقتها بإقامة مهرجاناتها، بعدما كانت تعيش حالة من التردد. وكأن المهرجان وجّه رسالة مفادها أن الحياة الثقافية لا يجب أن تتوقف، وأن لبنان لا يزال قادرًا على احتضان الفرح.
كما تميّزت الدورة الحادية عشرة بمستوى تنظيمي لافت، انعكس في حسن إدارة الحشود، واحترام الجمهور، والتعامل المهني مع وسائل الإعلام، وهي عناصر أصبحت جزءًا من هوية المهرجان عامًا بعد عام. ولم يكن ذلك مفاجئًا، في ظل الخبرة التي تتمتع بها الجهات المنظمة، وهي أمين أبي ياغي/ StarSystem و2U2C وGAT، الذين نجحوا في تقديم تجربة متكاملة عكست صورة مشرقة عن قدرة لبنان على تنظيم أحداث فنية بمستوى احترافي.
وللعام الخامس عشر منذ انطلاق فكرته، وفي دورته الحادية عشرة، أثبت مهرجان “أعياد بيروت” أن النجاح لا يُقاس بالموقع فقط، بل بالإرادة والرؤية والإيمان بأن الفن يبقى مساحة لقاء وأمل. وتحت شعار “وبيبقى لبنان”، لم يكن المهرجان مجرد سلسلة حفلات، بل رسالة ثقافية وإنسانية أكدت أن لبنان، مهما اشتدت الأزمات، يبقى قادرًا على صناعة الفرح.