لن أذهب لمشاهدة أحدث أفلام كريستوفر نولان، “الأوديسة”. وليس في الأمر أي تظاهر بالنخبوية الفكرية، فأنا من حيث المبدأ، أقاطع دائما الاقتباسات السينمائية للكتب التي تحتل مكانة مقدسة في مكتبتي الشخصية. إنه مجرد إجراء احترازي مني. فلا رغبة لدي في أن أعيد يوما قراءة الأوديسة وقد حلت صورة مات ديمون محل صورة أوليس التي شيدها عقلي، عبر سنوات من القراءة، قطعةً قطعة. تلك الصورة ملك لي وحدي؛ إنها فريدة، وهي ثمرة حساسيتي وشخصيتي، وتجربتي الحياتية، وكل ما أنا عليه وما لست عليه. لقد قرأت هوميروس قبل هذا الفيلم، وسأقرأه بعده، وأريد أن يظل هذا الفعل نقيا من أي تأثير خارجي.
ولذلك، سأحرص على ألا أحكم على جودة فيلم نولان، فضلا عن مدى وفائه للنص الأصلي؛ فهذا شأن المؤرخين وعشاق السينما. ثم إن السؤال نفسه لا أهمية له؛ إنه جدل فارغ لا معنى له. فرؤية نولان هي رؤيته هو، تخصه بكل جوارحه. قد يراها البعض موفقة أو هزلية، مقنعة أو في غير محلها، لكن جوهر المسألة في مكان آخر: فالأوديسة كتاب كوني، لا يمكن للشاشة أن تجد له معادلا حقيقيا.
خذ أي تحفة من روائع الأدب العالمي، وستجد أن تحويلها إلى فيلم محكوم عليه، في الغالب، بأن يكون أقل من الأصل. فإن التزم المخرج بروح الكتاب حرفيا، فسيخفق لأنه لن يستطيع نقل لغته وأسلوبه وسحر عبارته وغموضها. وإن تحرر من النص، فلن يعود يقدم اقتباسا، ولكن مجرد تأويل شخصي. وفي كلتا الحالتين، لن يبلغ أبدا القوة الأصلية للرواية. ومهما بلغ المخرج من موهبة، فلن يستطيع أن يرتقي إلى مستوى الكتاب.
وهذا صحيح بالنسبة إلى الكلاسيكيات كما هو صحيح بالنسبة للروايات الكبرى في الحداثة. لقد شهدنا عددا لا يحصى من الاقتباسات السينمائية لـالبؤساء وآنا كارينينا ومدام بوفاري. وبعضها لا يخلو من القيمة، لكن أيا منها لم يبلغ كثافة الكتاب الأصلي أو عمقه أو جماله أو رقته. سيظل هناك دائما شيء ناقص: ذلك السحر الخاص الذي تبثه اللغة بين يدي الكاتب، ذلك السر الغائر في فعل السرد نفسه، سر الكلمة، واللفظ، والاندفاع الذي لا يمكن التعبير عنه نحو اللغة، ذلك “الشيء الذي لا يسمى”، الكامن في أصل كل رواية عظيمة.
إن الأدب لم يُنقل إلى الشاشة يوما بنجاح حقيقي؛ فهذه مهمة محكوم عليها بالفشل. أعمال دوستويفسكي، وكافكا، وبروست، وفرجينيا وولف، وفوكنر، وكثيرون غيرهم، وهي روايات تقوم على العالم الداخلي، والاستبطان، وتفكيك البنية التقليدية للرواية، والنظر إليها بوصفها وسيلة لترويض الفكر في تدفقاته الفوضوية، لا يمكن تحويلها إلى السينما دون أن تفقد معظم جوهرها. فلا يمكن تصوير دوار الشمس لفان غوخ، كما لا يمكن تصوير تجوالات ليوبولد بلوم في شوارع دبلن في عوليس لجيمس جويس، أو تيه القنصل المدمن على الكحول في تحت البركان لمالكولم لوري، أو الدوخة الميتافيزيقية التي يعيشها كوينتن كومبسون في الصخب والعنف لفوكنر.
وهذه كلها أسباب كافية لأن أحجم عن مشاهدة أوديسة نولان، ويضاف إليها سبب آخر، هو ما أراه من تضخم في نزعة نولان إلى تمجيد ذاته. صحيح أنني أحببت كثيرا أفلامه الأولى، لكنني لا أستطيع أن أقول الشيء نفسه عن أعماله الأخيرة. فدانكيرك لم يقدم جديدا يُذكر إلى أفلام الحرب، وتينيت بدا أشبه بمحاكاة ساخرة ومبتذلة لمقال فلسفي لفيتغنشتاين أعاد إخراجه مخرج يخلط بين الميتافيزيقا وتعاطي الأمفيتامينات، أما أوبنهايمر فكان بالغ الملل، ثقيل الإيقاع، متكلفا في طموحاته، إلى درجة أنني غادرت قاعة السينما قبل أن ينتهي.
وأستطيع أن أفهم جيدا ما الذي دفع نولان إلى إخراج الأوديسة: ذلك التحدي المجنون المتمثل في إضفاء صورة على الكتاب المؤسس للفكر والأدب الغربيين. كأنه يقول لنا: “هذا تحدٍ لا يليق إلا بعبقريتي. أنا وحدي القادر على تجسيد تلك المشاهد الملحمية الراسخة في لاوعينا بوصفها ركائز لذاكرتنا الجماعية. ابنوا لي سفنا أضخم من الواقع، وشيدوا لي ديكورات لم يرها أحد من قبل، واتركوني أصور كل شيء من جميع الزوايا الممكنة حتى أبلغ أقصى درجات الوفاء لحقيقة هذه الرحلة الأسطورية التي يجسدها أوليس”. لكن النتيجة المتوقعة، في المقابل، هي أن يفوته جوهر الموضوع تماما.
لقد ابتعد كثيرا عن أفلامه الأولى، عن الابتكار العبقري في ميمينتو، وعن ذلك التمرين السينمائي البديع في السير أثناء النوم الذي مثله إنسومنيا، وعن كل تلك الجرأة التي جعلت من نولان فنانا حقيقيا في الفن السابع. أما اليوم، فيبدو مخرجا يسعى إلى الضخامة، وإلى الإنجاز الاستعراضي، وإلى كل ما هو هائل، على حساب البحث الفني الحقيقي. إنه يربح من الشعبية بقدر ما يخسر من الأصالة والابتكار الحقيقي. وكأن غايته لم تعد إلهام العقول، ولكن إبهارها وترك أثر مدو فيها. ومن هنا جاءت تلك الأفلام المتورمة بادعاءات فارغة، التي لم يعد واضحا ما الذي يطمح إليه نولان من خلالها، سوى تشييد صروح تمجده.
ومن يدري ما سيكون مشروعه القادم؟ هل سيكون الكتاب المقدس بتقنية الأبعاد الخمسة؟ أم هاملت بلغة الإشارة؟ أم ربما، بكل بساطة، سيرة سينمائية للإله نفسه؟!
