هل تذكرون ماذا كنا نعلق اعتراضًا على أي اغنية حتى الأغنية الرائع والتي كان المنتج او المطرب يدفع لحملة اعلامية ضخمة كي تذاع عبر الاذاعات؟ كنا نقول: “حرقوا الاغنية او احترقت” والمقصود ان الاغنية فقدت هيبتها.. بل وتذكرون كنا نقول من باب الاستهزآء بكثرة اذاعة الاغنية: “بتفتح الحنفية بتنزل من الحنفيي” هذه التعابير لم نعد نستخدمها لان لا احد مسؤول عن التفريط بالاغنية إلا نحن.. نحن من أحرقناها، نحن من لا ندرك بعد حجم الخسارات التي تنتجها السوشيال ميديا اذا لم نعرف.. لماذا؟ وكيف؟  

في مطلع عام 2026، صنع فضل شاكر ظاهرة فنية نادرة.أطلق أغنيات مثل «صحاك الشوق» «هوى الجنوب» «أحلى رسمة» «روح البحر» و«كيفك ع فراقي»، فتحولت خلال أيام إلى حديث الجمهور، وحصدت عشرات ملايين المشاهدات، واستخدمها ملايين الناس في مقاطععلى تيك توك وإنستغرام وفيسبوك ويوتيوب.للحظة، بدا وكأننا عدنا إلى زمن الأغنية التي تجمع العالم العربي كله.لكن بعد أسابيع قليلة فقط، خفت الضجيج.لم تختف الأغنيات من على المنصات، لكنها اختفت من الحياة اليومية.. لماذا؟هل تعب الناس من فضل شاكر؟أم أن العصر الرقمي غيّر قوانين الموسيقى كلها؟

اقرأ: ريما الرحباني تكشف للجرس اسرار عن طفولة شقيقها زياد الرحبانيالأرقام لا تكذب.. لكنها لا تقول الحقيقة كلهاقبل عشرين عامًا، كانت الأغنية التي تحقق مليون مشاهدة تُعد إنجازًا.اليوم، هناك أغنيات تحصد 50 أو 100 أو حتى 500 مليون مشاهدة، ومع ذلك لا يتذكرها الناس بعد أشهر.بالمقابل، لا تزال أغنيات فيروز وأم كلثوم وعبد الحليم ووديع الصافي تُغنى بعد أربعين وخمسين وستين عامًا، رغم أنها لم تعرف يوتيوب ولا تيك توك ولا إنستغرام.

  اقرأ: نضال الاحمدية لماذا لبنان عظيم بالارقام إذن، عدد المشاهدات لا يصنع أغنية خالدة. بل قد يكون أحيانًا بداية نهايتها.لأن الأغنية لم تعد تُسمع.. بل تُستهلكفي الماضي، كان المستمع ينتظر بث الأغنية.يسمعها في الإذاعة مرة أو مرتين، ثم يبحث عنها، ثم يشتريها، ثم يحفظها في بيته.اليوم يحدث العكس. الأغنية تطارد المستمع في كل مكان.تظهر في مئات آلاف الفيديوهات، وفي الإعلانات، والمنشورات، والقصص، والمقاطع الساخرة، وحتى في المحتوى الذي لا علاقة له بالموسيقى.خلال أسابيع قليلة، يسمع الإنسان الأغنية الواحدة عشرات، وربما مئات المرات.وهنا تبدأ المشكلة.ماذا يقول العلم؟

اقرأ: ما اغلى من الولد الا ولد الولد هل هذ صحيح ام كذبةفي علم النفس، توجد ظاهرة تُعرف بـالتعوّد (Habituation).عندما يتعرض الدماغ للمثير بصورة متكررة جدًا، يقلّ تفاعله معه، ويبدأ بفقدان الاهتمام به.وهناك أيضًا ما يسميه الباحثون السعي إلى الجِدّة ،أي أن الدماغ البشري يميل بطبيعته إلى البحث عن شيء جديد بعد فترة من التكرار لذا كلنا يعرف بأن الشائعة تلغي تأثير الشائعة التي شبقتها وكذا القضية لذا نردد: “يومين الناس وبتنسى” وهذه حقيقة علمية نسبة إلى ادمغتنا التي تنفر من المعتاد وتبحث غن جديد.لذلك، فإن التعرض المفرط للأغنية، قد يجعل المستمع يشعر بالشبع منها بسرعة، حتى لو كانت اجمل أغنية على الاطلاق..المشكلة ليست دائمًا في جودة الأغنية. بل في طريقة استهلاكها.والمشكلة الأكبر،في العبثفي الماضي، كانت الأغنية تُسمع. اليوم، تُستعمل. يأخذها ملايين الأشخاص ويضعونها فوق كل شيء وأي شيء. فوق فيديو طبخ. وفوق صورة طفل يضحك.وفوق حادث سير. وفوق إعلان. وفوق مقلب. وفوق رقص. وفوق مشهد لا علاقة له بكلماتها أو إحساسها. بعد فترة، تفقد الأغنية هيبتها.فلا يعود المستمع يربطها بالفنان، بل بعشرات آلاف المقاطع العشوائية. كأن الجمهور، من دون قصد، يفتت العمل الفني إلى ملايين النسخ الصغيرة، حتى يفقد هويته.

نضال الاحمدية