يُعدّ شكري أنيس فاخوري من أبرز كتَّاب الدراما التلفزيونية اللبنانية، وقد ترك فيها بصمة واضحة، وارتبط اسمه باكتشاف مواهب تمثيلية، في مقدمتها نادين نسيب نجيم التي قدَّمها للمرة الأولى في مسلسل «خطوة حب» عام 2009. وبين الكتابة والتدريس الجامعي، حافظ فاخوري على حضوره في المشهد الفني، وإن كان يقف اليوم على مسافة تتيح له مراقبته بعين الناقد.

مؤخراً، كرَّمت جامعة الكفاءات فاخوري تقديراً لمسيرته في الأدب والدراما، فأطلقت اسمه على قسم المرئي والمسموع، بموجب مرسوم رسمي صادر عن رئاسة الجمهورية. وخلال حفل أُقيم للمناسبة، أُزيحت الستارة عن لوحة تحمل اسمه عند مدخل القسم.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يُبدي فاخوري اعتزازه بهذا التكريم، قائلاً: «من الجميل أن يُكرَّم الشخص في حياته، لا سيما إذا جاءت هذه اللفتة من صرح جامعي بارز كجامعة الكفاءات. لكنني أُعدّ تفاعل الناس مع الأعمال التي قدَّمتها على مدى 35 عاماً أفضل وأجمل تكريم تلقيته في مشواري المهني».

أول من اكتشف موهبة الممثلة نادين نسيب نجيم (إنستغرام الفنانة)

ويرى فاخوري أن المشهد الدرامي يسير في اتجاه إيجابي، ويقول: «تشهد الإنتاجات تطوراً ملحوظاً، كما أغناها حضور مخرجين من الجيل الشاب ومواهب تمثيلية واعدة. ولا شك في أن الإنتاجات المشتركة أسهمت في انتشار الممثلين والمؤلفين اللبنانيين عربياً، وهو أمر إيجابي».

لكن هذه الصورة لا تخلو، في رأيه، من ملاحظات؛ إذ تتصدر الأعمال المُعرَّبة المشهد اليوم، في حين يجد الممثل اللبناني نفسه، في ظل شحِّ الإنتاجات المحلية، مضطراً إلى التعامل معها بوصفها «باب فرج». ويضيف: «كنا نتمنى وجود دعم يمكّن الدراما المحلية من الاستمرار، فهي وحدها تستطيع تأمين فرص أوسع لممثلين لبنانيين لا تُتاح لهم المشاركة في الأعمال المعرَّبة».

ويعتقد فاخوري أن موجة الأعمال المعرّبة لن تنحسر سريعاً، مشبّهاً إياها بمراحل سابقة تصدّرت فيها المسلسلات المكسيكية والإسبانية الشاشة العربية، لكنه يتوقع تراجعها تدريجياً مع مرور الوقت.

أما القول إن تقدُّم الممثل في السن يحدّ من فرصه، فيرفضه فاخوري، مؤكداً أن «صلاحية الممثل لا تنتهي إطلاقاً، بل تتغير طبيعة أدواره بما يتناسب مع عمره». ويضيف: «ممثلات مثل سيرين عبد النور ونادين نسيب نجيم ونادين الراسي لا يزلن يتمتعن بقدرات تمثيلية كبيرة، وقد لمسنا ذلك في أعمال حديثة لهن. لقد أثبتن امتلاكهن خبرات متراكمة، وهو ما تأخذه شركات الإنتاج اليوم في الحسبان».

ويشيد أيضاً بأسماء رجالية، من بينها طلال الجردي وعمار شلق وبديع أبو شقرا وباسم مغنية، قائلاً: «لدينا نجوم رائعون ومحترفون من النساء والرجال، لكن هيمنة الأعمال المشتركة قلّصت حضورهم في الإنتاجات المحلية. وحين يشاركون في بعضها، قد تأتي أسماؤهم بعد الممثل المصري أو السوري، وفق القاعدة التي تتبعها شركات الإنتاج».

يُبدي إعجابه بعدد من الكتاب من بينهم نادين جابر (إنستغرام الكاتبة)

ولا تقتصر مشكلة الفرص، في رأيه، على الممثلين، بل تشمل أيضاً أصحاب الأقلام الجديدة. ويلفت فاخوري إلى كتّاب لبنانيين نجحوا في تثبيت حضورهم، من بينهم نادين جابر وكلوديا مرشيليان وكلود صليبا. وعن القول إن الدراما اللبنانية تفتقد أقلاماً جديدة، يحسم موقفه: «لا أعتقد ذلك إطلاقاً. الأقلام موجودة، لكن الفرصة لا تتاح لها كي تبرز وتقدّم ما لديها؛ فشركات الإنتاج تفضّل التعاون مع أسماء معروفة، وهو ما ينعكس سلباً على المواهب الصاعدة».

ومن واقع قراءته للمشهد الدرامي، ينتقل فاخوري إلى الموضوعات التي لا تزال غائبة عن الشاشة اللبنانية، معتبراً أن الكاتب لم يعد حراً تماماً في اختيار أفكاره. ويشرح: «عند التفكير في أي موضوع، يصبح على الكاتب أن يأخذ في الحسبان الحساسيات السياسية والاجتماعية المحيطة به؛ فعندما فكرت في كتابة مسلسل عن الجنوب ومعاناة أهله جراء الحرب، علمت أن عليَّ الحصول على موافقة جهات سياسية، بل طُلب مني إخضاع النص لإشراف إحدى هذه الجهات. فرفضت، إذ لم يسبق لأحد أن أشرف على كتاباتي أو قيّد قلمي».

ومن هنا، يفتح فاخوري الباب أمام ملفات لبنانية لم تجد طريقها بعد إلى الشاشة، متسائلاً عن سبب عدم تناول الدراما أحداثاً مفصلية، في مقدمها انفجار مرفأ بيروت. ويقول: «لدينا موضوعات كثيرة يستطيع الكتّاب تناولها، مثل الفقر، وسرقة المصارف أموال اللبنانيين، ومعاناة الناس مع الهجرة، وغيرها».

ومن الدراما إلى الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يجد لنفسه مكاناً في عملية الكتابة، يقول فاخوري: «يتمتع الذكاء الاصطناعي اليوم بفاعلية كبيرة وتأثير واضح، نظراً إلى غزارة إنتاجه، فيكفي تزويده بفكرة أولية ليقدِّم سيناريو درامياً خلال لحظات. والمقلق أننا لا نستطيع أحياناً التمييز بين نصوصه وتلك التي تكتبها أقلام بشرية. وهو يسهّل مهمة الكاتب الذي ينتقي منه ما يرغب فيه، ويترك ما لا يستسيغه».

ويضيف متسائلاً: «لكن هل هناك شركات إنتاج تشجّع الكتابة بالذكاء الاصطناعي أو تقبل بها؟ لا أعلم».

وفي سياق حديثه عن الكتابة، يتوقف فاخوري عند تراجع الكوميديا، خصوصاً أن اللبنانيين يفتقدون هذا النوع من الأعمال. ويقول: «صناعة الدراما الكوميدية في تراجع مستمر، وأعتقد أننا نفتقد النصوص الكوميدية الحقيقية والمضحكة. فإما أن تكون مقتبسة من هنا وهناك، وإما أن تستعيد أفكاراً قديمة، فتبدو شبيهة بما سبقها».

ويتابع: «لا أذيع سراً إذا قلت إن كتابة الكوميديا صعبة جداً، فليس كل من حمل قلماً قادراً على تقديم حبكة كوميدية، مهما برع في الدراما الاجتماعية. وشخصياً، عندما كتبت فيلم (زفافيان)، واجهت صعوبة كبيرة، واضطررت إلى تعديل النص أكثر من 6 مرات حتى اقتنعت به».

ورغم ابتعاده في الفترة الأخيرة عن التأليف الدرامي، لم يهجر فاخوري الكتابة، إذ يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن فكرة مسلسل اجتماعي يعكف على تطويرها، ويقول: «يتيح لنا هذا النوع من الأعمال تقديم قصة تتفرع منها تفاصيل وموضوعات آنية كثيرة».