
ثمة روايات لا تقرأها لتعرف النهاية، بل لتشعر بدبيب الحياة في التفاصيل المنسية. في روايته الصادرة عن منشورات رامينا في لندن، التي تحمل عنواناً لافتاً «الزمن البري»، يأخذنا الروائي السوري حسين سليمان إلى عالم ينساب فيه السرد بعفوية دافئة، تماماً كما تفعل الجدات حين تنسجن الحكايات في ليالي الشتاء الطويلة. لا يبحث السارد العليم هنا عن توثيق جاف للوقائع، بل يقتفي أثر الحب الضائع عبر التفاصيل. في هذه الرواية الممتدة على مدار (277) صفحة، موزعة على (47) فصلا، تصبح شخصية «كندة» هي البوصلة والذاكرة. يراها القارئ تارة داخل بيت الجد المولع بالتعدد، في إشارة ضمنية ذكية من الكاتب تهمس لنا بأن الزواج في مجتمعاتنا قد يكون شيئاً، والحب شيئاً آخر تماماً، حتى إن تعايشا مجبرين تحت سقف واحد منذ عقود. «كندة» في هذا النص ليست مجرد امرأة، بل هي نصف بيوت القامشلي وحواريها، يصفها عاشقها بكثير من الهيام، لتمزج بوجودها بين ماضٍ نوستالجي وحاضر متأزم.
عتبات النصّ وتشكيل الفضاء الروائي
تتبدى رواية «الزمن البرّيّ» كبنية سردية معقدة، تنسج خيوطها بين الواقع الملموس والمتخيّل الحالم. ليس النص في جوهره مجرد توثيق لأحداث، أو حكايات عابرة، بل أشبه بحفر سيكولوجي/أنثروبولوجي في ذاكرة بلدة تقع على تخوم النهر. على مدار الرواية، نكتشف أن الكاتب يقدم لنا مرثية فلسفية للمكان والإنسان، حيث تتداخل أصوات الأجداد مع صخب الطائرات الحربية، وتتحول البيوت الطينية إلى شواهد حية على أزمنة متآكلة.
تنطلق الرواية من فكرة جوهرية: المكان كائن حي يتنفس من خلال ذكريات قاطنيه. إنها قصة بلدة سورية (تتقاطع ملامحها مع القامشلي وضفاف الفرات) تعيش أزمة وجودية حادة؛ أزمة يُذكيها الخراب الخارجي (الحرب والدمار الشامل) ويفجرها التمزق الداخلي للشخصيات، التي تحاول باستماتة التشبث بطفولتها، بأمجادها الآفلة، وبعلاقات حبها المجهضة. النص يعيد صياغة مفهوم «الوطن» و»البيت»، ليتحولا من حيز جغرافي إلى فضاء نفسي وافتراضي مطلق.
عند تفكيك البنية السردية لـ»الزمن البري»، نجد أن النص محكوم بمجموعة من العناصر المهيمنة التي تشكل هويته الإبداعية، وتمنحه هذا التدفق المونولوجي الشبيه بـ «تيار الوعي».
ينتهج الكاتب أسلوب سرد غير خطي، سرد متمرد يرفض الانصياع للترتيب المنطقي للأحداث. الأصوات تتداخل؛ فمن عيني كندة التي تتأمل البلدة من فوق السطوح، ننتقل فجأة إلى وعي أبيها عدنان، ومن ثم إلى هواجس الجد ناصر الفرحان أو ذكريات العم ساكن. هذا التعدد الصوتي (البوليفونية) يجعل السرد يبدو كأقنية ليلية ممتدة، حيث تتدفق الأرواح كالسائل لتشكل حواراً دافقاً مستمراً لا ينتهي بانتهاء الفصول.
ثيمة الحب المهيمنة والزمن الافتراضي المطلق
يتحرك أبطال «الزمن البري» في ساحة حب مفتوحة ومثقلة باللواعج. ليس الحب في النص مجرد عاطفة رومانسية عابرة، بل هو شرط وجودي للانعتاق من أسر الحياة المادية الزائلة. وكما يتردد في النص على لسان العم ساكن وكندة: «للدخول في الحب يجب الخروج من الحياة!» الحب هو المياه الأرضية التي لا تنضب، وبنضوبها تتحول الأرض إلى أخاديد بليدة تصل إلى كور النار.
يتجلى الحب في أبهى صوره العرفانية عندما تقوم الزوجة بستر زوجها المخمور العاري؛ فالحب هنا هو «الحرص والحفظ الحنون أمام جور الحياة». كذلك، يمثل الشال الملقى من السطوح (سواء من حبيبة عدنان الأولى أو شال باسكا لاحقاً) تميمة مقدسة، ووسماً يثبت لحظة الحب الأولى ويوقف الزمن. أما كندة، فتنتهي إلى اتخاذ قرار راديكالي بالتحول إلى ما يشبه «راهبة» تستمع إلى ومضات الحب الطاهر، من دون أن تستسلم للمسة أو معانقة، لتتحرر من «الشعلة الحيوانية» والثقل الأرضي، معيدةً أمجاد الآلهة «إنانا» التي تمنح العشاق شعلة الحياة.
ومن أبرز التقنيات-الحداثية- في الرواية هو الإلغاء التام للزمن الخطّي المتتابع والاعتماد المطلق على الزمن الافتراضي/النفسي. لا يمنحنا النص تواريخ محددة أو ساعات حقيقية، بل يجعلنا نتحرك في فضاء زمني هلامي يتحدد من خلال الأحلام، الكوابيس، وانثيالات الذاكرة: إذ يستيقظ الأب عدنان عند منتصف الليل، ليرى ذكرى حدثت منذ أربعين عاماً كأنها حدثت البارحة، ويتصور البطل أن الزمن الذي يفصله عن المرأة الغجرية في حلمه هو (150 عاماً)، وهو رقم ليس له أي سند واقعي سوى أنه «حاصل ما طرحته الأعماق». كما يبرز الزمن الدائري والأبدي، عبر البلدة التي تعيد استيلاد نفسها؛ فشباب أحدهم يشبه شبهاً تاماً جداً منسياً مات قبل قرن، كما لو أن الموتى يعودون بهيئة جديدة. بينما لحظات سماع دوي الطائرة، وهطول المطر الذي يبلل فستان كندة، وتبادل النظرات عند الباب المفتوح نصف فتحة؛ كلها لحظات تتحول إلى «أبدية» خارج التدفق الزمني المعتاد. لذا فإن غياب الزمن الحقيقي يعكس موقف الكاتب الفلسفي؛ فالزمن الواقعي هو زمن الموت، الفناء، الدمار، والشيخوخة المذلة. أما الزمن الافتراضي فهو الحيز الوحيد الذي يمتلك فيه الإنسان سلطة البقاء، حيث يبقى الحب حياً، وتظل الحبيبة غضة لا تشيخ، ويتحول النهر المسن إلى تجمع لأرواح خوالد تفلت من قبضة الفناء.
الذكريات هنا محشوة في الكوى الضيقة، معلقة فوق أسقف صفيح التوتياء، ومغروسة في جذوع شجر الحور المحروق. الشخصيات تعيش في ماضيها كآلية دفاعية ضد بشاعة الحاضر؛ فالعم ساكن يبني قريته المتخيلة في غرفته المهجورة، والجدة تلضم خرز ألوانها المتناوبة لتعيد ترتيب الأقدار الفائتة.
سيميائية اختيار الأسماء وعلامة المغايرة في «باسكا»
تمثل التسمية للقارئ الحصيف في رواية «الزمن البري» أداة شعورية واعية استخدمها الكاتب لتعميق الدلالات الرمزية للشخصيات وعلاقتها بالمكان. جميع الأسماء المحورية في النص جاءت ذات جذور عربية أصيلة، تحمل في طياتها صفات باطنية تعكس مصائر أصحابها: عدنان، يشير إلى الجذور العربية الضاربة في القدم، والانتماء إلى الأرض الأولى.
سَاكِن: يمثل الثبات، الطمأنينة، والارتباط الإيماني بالجذور، وهو الذي يرفض مغادرة بيته المشرف على الجرف رغم تهديد الفيضان.
سَعيد: اسم يحمل مفارقة تهكمية؛ فصاحبه ينتهي شيخاً وحيداً، منبوذاً في منزله، يقتات على الذكريات المريرة ويشعر بأن حياته أصبحت مجرد عبور للأشباح.
كِنْدَة: النجم، الشجرة الوارفة ذات الأغصان الفولاذية، وهي التجسيد الأرضي للآلهة القديمة (إنانا)، التي تمشي بخطى نبيلة متكبرة لتمنح البلدة ديمومتها.
هَدْوَة وعَائِدَة وسُهى: أسماء مستمدة من السكينة، العودة، والسهاد، وكلها تدور في فلك البيئة المحلية وعلاقاتها العشائرية. باسكا، الغريبة المقتحمة لعالم النص. وسط هذا النسيج اللغوي والاسمي العربي الخالص، يبرز اسم «باسكا» كعلامة فارقة وكسر حاد للبنية المألوفة. «باسكا» – كما تشير الدلالة النصية- تعني الغريب أو الوافد من عالم آخر.
إن اختيار هذا الاسم -غير العربي-لامرأة يدخل عدنان بيتها (الرقم 267) ليعشقها، ويترك لأجلها زوجته وأولاده، يحمل أبعاداً دلالية عميقة: تجسيد للتحول الهوياتي: باسكا هي رمز للبلدة الجديدة التي انقطع حبلها السري مع الماضي. وقد تمثل «الآخر» الذي يقتحم العزلة القديمة للبادية.
الجمال العجمي المربك: تصفها كندة بأنها ذات وجه عريض وعينين شهلاوين وإهاب طري، كما لو أنها لم تكن يوماً من بنات البلدة ولم تسكن تحت سمائها. هذا الجمال المغاير يثير غيرة كندة وحنق الزوجة الأولى (سهى)، لأنه جمال يكسر العرف التقليدي.
ستر الفضيحة واللغة الهجينة: عندما يركض زوج الجارة عارياً في الفناء بحثاً عن الحرية، تصرخ باسكا بلغة غير مفهومة للبلدة: «فاميو أجيح دبلوماسيات». هذا الدخول اللغوي الأجنبي يشير إلى رغبة باسكا في إحاطة عالمها بالسرية والغموض، بعيداً عن أعين الجدات الشرّيرات اللواتي يلعقن الحكايا.
تُقدم رواية «الزمن البرّيّ» لحسين سليمان، في نهاية المطاف، تجربة قرائية مغايرة، تجعل من السرد وسيلة لإعادة بناء الهوية المهددة بالزوال. من خلال التناغم البديع بين تصوير الذاكرة، والتوظيف السيميائي الذكي للأسماء (بين أصالة الداخل وغرابة باسكا)، والاتكاء على مفهوم الزمن الافتراضي؛ ينجح النص في تحويل المأساة الواقعية إلى ملحمة إنسانية كبرى، تظل فيها ثيمة الحب هي الراية الأخيرة المرفوعة في وجه غابة العالم وحروبه اللامتناهية.
كاتب جزائري
