دخلت المفاوضات بين واشنطن وطهران مرحلة يتقاطع فيها العمل الديبلوماسي مع الخطاب الإعلامي. فمنذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق ضربة عسكرية كانت مطروحة ضد إيران، توالت التصريحات من الجانبين بوتيرة متسارعة، بالتوازي مع المحادثات الإيرانية – العُمانية التي بلغت مراحلها النهائية بشأن تنظيم الملاحة في مضيق هرمز. ومع كل جولة جديدة من التصريحات، بدا أن الرسائل الإعلامية أصبحت جزءاً من عملية التفاوض نفسها، إذ يعيد كل طرف ضبط رسائله بما يخدم موقعه على طاولة المفاوضات. وفي هذا المشهد، تحولت المؤتمرات الصحافية والمقابلات التلفزيونية إلى مساحة موازية لإدارة التفاوض، إذ يسعى كل طرف إلى رسم روايته قبل أي اتفاق محتمل.

 

ترامب يربط التهدئة بسياسة الضغط

قال ترامب إن الولايات المتحدة أجرت “مناقشات جيدة جداً” مع إيران، معرباً عن اعتقاده بإمكان التوصل إلى اتفاق قريب، لكنه عاد وربط هذا المسار بالتحذير من أن طهران ستواجه “ضربة قاسية” إذا تراجعت عن المفاوضات، في استمرار لخطاب يجمع بين الترغيب والتهديد.

ويأتي هذا الموقف امتداداً لخطاب اعتمدته الإدارة الأميركية منذ إعلان ترامب تعليق خطط لتنفيذ ضربات جديدة ضد إيران، وإعلانه أن دولاً في الشرق الأوسط توصلت إلى “معالم اتفاق” يفتح الطريق أمام استعادة الملاحة الكاملة في مضيق هرمز ومعالجة الملف النووي الإيراني. وأضاف يومها أن طهران ودولاً إقليمية طلبت منح المسار الديبلوماسي وقتاً إضافياً، مقدماً قراره بوصفه نتيجة مباشرة لسياسة الضغط التي انتهجتها إدارته.

وسبق لترامب أن عبّر عن هذا التوجه في مقابلة مع برنامج “فوكس أند فريندز” في 28 تموز/يوليو، حين تحدث عن مفاوضات وصفها بـ”الجدية”، وربط التوصل إلى اتفاق بمستقبل المنشآت النووية الإيرانية، مع إبقاء الخيار العسكري ضمن أدوات الضغط.

 

رأي


لماذا تفرض حسابات ترامب وإيران الاتفاق الآن؟


ترامب يتوقع أن يشكل اتفاق هرمز جسراً إلى المفاوضات المتعلقة بالملف النووي الإيراني، فيما ترى طهران أن أي انفراج في المضيق قد يفتح الباب أمام تخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة صادراتها النفطية.

 

طهران ترسم رواية مختلفة

في المقابل، حافظت طهران على روايتها القائمة على الفصل بين مسار هرمز وأي تفاوض مباشر مع واشنطن. فقد أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن المفاوضات مع سلطنة عُمان بشأن قضايا الملاحة في مضيق هرمز بلغت “مراحلها النهائية”، مقدماً هذا المسار باعتباره مفاوضات تقنية تتعلق بأمن الملاحة وتنظيم العبور في المضيق.

وفي السياق نفسه، شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي على أن المحادثات مع الولايات المتحدة “لا تشهد مساراً مباشراً في الوقت الحالي”، مؤكداً استمرار الاتصالات مع مسقط بشأن الترتيبات الخاصة بالمضيق. وبعدما تحدث ترامب عن “مناقشات جيدة جداً” بين الجانبين، نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مصادر مطلعة أن التوصل إلى تفاهم قد يتأخر إذا استمرت التهديدات الأميركية، في رسالة تعكس تمسك طهران بفصل التفاوض عن الضغوط العسكرية.

ويكشف تتابع هذه التصريحات أن الطرفين يقدمان الملف نفسه بصيغتين مختلفتين؛ فترامب يعرض أي تقدم بوصفه ثمرة لسياسة الضغط الأميركية، بينما يصر عراقجي وبقائي على الفصل بين الترتيبات الخاصة بالمضيق وأي تفاوض مباشر مع واشنطن.

 

المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي. (رويترز)

المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي. (رويترز)

 

خطابان في إيران

ويظهر الخطاب الإيراني توزيعاً واضحاً للأدوار. يتولى عراقجي عرض صورة المفاوضات والتقدم الديبلوماسي، فيما يحافظ القائم بأعمال وزير الدفاع، العميد سيد مجيد ابن الرضا، على خطاب الردع.

وقال ابن الرضا إن التصريحات الأميركية الأخيرة تندرج ضمن “عمليات نفسية وحرب حسابات”، موضحاً أن القوات المسلحة الإيرانية تتعامل مع أي تهديد من خلال رفع الجاهزية وتعزيز قدرات الردع وتطوير الإمكانات العسكرية.

ويعكس هذا التوازي رغبة طهران في مخاطبة أكثر من مستوى في وقت واحد؛ فالمسار الديبلوماسي يواكب الاتصالات مع الوسطاء، بينما يحافظ الخطاب العسكري على صورة الجاهزية خلال سير المفاوضات.

 

لكل طرف جمهوره

يُظهر مسار التصريحات أن كل طرف يدير خطابه وفق الجمهور الذي يسعى إلى التأثير فيه. فترامب يخاطب الداخل الأميركي، مقدماً التهدئة بوصفها ثمرة لسياسة الضغط. ويعرض عراقجي مفاوضات هرمز باعتبارها مساراً يركز على حماية المصالح الإيرانية وتنظيم الملاحة، بينما يحرص بقائي على الفصل بين هذا المسار وأي مفاوضات مباشرة مع أميركا. أما المؤسسة العسكرية، فتواصل استخدام خطاب الردع والجاهزية، بما يواكب التحرك الديبلوماسي من دون أن يطغى عليه.

 

وفي الوقت نفسه، يحمل هذا الخطاب رسائل مباشرة إلى الطرف المقابل؛ فكل تصريح يرفع سقف المطالب أو يعيد رسم حدود التنازل المقبول، بما يجعل المنابر الإعلامية امتداداً غير مباشر لغرف التفاوض.

 

 

وبهذا المعنى، أصبحت التصريحات إحدى أدوات التفاوض، إذ يستخدمها كل طرف لتثبيت شروطه، واختبار ردود الفعل، ورسم الرواية التي يريد ترسيخها لدى جمهوره قبل إعلان أي اتفاق محتمل.