تم تحديثه الأربعاء 2026/8/5 04:48 م بتوقيت أبوظبي

لماذا يتجه المطربون إلى أغاني الفلكلور؟ تحليل يكشف سر نجاح إعادة إحياء التراث مع أحمد سعد وعمرو دياب ومحمد منير.

لم يعد توظيف الفلكلور في الأغنية العربية مجرد محاولة لإحياء التراث أو استدعاء الحنين إلى الماضي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى استراتيجية فنية وتسويقية تلجأ إليها كبرى شركات الإنتاج ونجوم الغناء كلما أرادوا صناعة أغنية تمتلك فرصة أكبر للوصول إلى الجمهور. فالأغنية الشعبية التي ولدت قبل عشرات، وربما مئات السنين، أصبحت اليوم تعود إلى الحياة بإيقاعات إلكترونية وتوزيعات حديثة، لتتصدر قوائم الاستماع ومنصات الفيديو القصير، وكأنها ولدت من جديد.

وجاء إعلان الفنان المصري أحمد سعد عن أغنية «يا ولا يا ولا»، إحدى أغنيات ألبومه الجديد، بوصفها معالجة حديثة لإحدى الأغنيات الفلكلورية المصرية، ليعيد فتح ملف قديم يتجدد باستمرار: لماذا يعود المطربون إلى التراث؟ وهل أصبح الفلكلور بالفعل أقصر الطرق إلى النجاح الجماهيري، أم أن الأمر يتجاوز مجرد البحث عن «ترند» سريع؟

بنك الألحان الذي لا ينضب

على خلاف الأغنية الجديدة التي تبدأ رحلتها من الصفر، يمتلك الفلكلور ميزة لا تتكرر؛ فهو يعيش في ذاكرة الناس منذ الطفولة. فالجمل الموسيقية الشعبية انتقلت عبر الأجيال في الأفراح، والموالد، والحقول، والمراكب، والبيوت، حتى أصبحت جزءًا من الوجدان الجمعيو ولهذا، فإن إعادة تقديمها لا تعني تقديم لحن جديد، بل إعادة اكتشاف كنز موجود بالفعل، مع منحه ثوبًا يناسب العصر.

ويرى موسيقيون أن الفلكلور يمثل بالنسبة للملحنين ما تمثله الروايات الكلاسيكية لصناع السينما؛ قصة يعرفها الجميع، لكن النجاح يكون في طريقة روايتها من جديد.

من سيد درويش بدأت الحكاية

إذا كان البعض يظن أن إعادة توظيف التراث ظاهرة حديثة، فإن الحقيقة تعود إلى أكثر من قرن. فالفنان سيد درويش لم يكن يكتب ألحانه داخل غرفة مغلقة، بل كان ينزل إلى الشوارع والأسواق والموانئ ليستمع إلى أغنيات الصيادين والعمال وباعة الأسواق، ثم يعيد صياغتها في أعمال أصبحت فيما بعد علامات في تاريخ الموسيقى العربية. ومن بعده سار كبار الملحنين على النهج نفسه، فاستلهموا المقامات والجمل الشعبية، وأضافوا إليها رؤية موسيقية حديثة، ليصبح الفلكلور أحد أهم منابع الإبداع في الأغنية المصرية.

أغنيات فلكلورية صنعت التاريخ

لم يكن نجاح الأغنية الفلكلورية استثناءً، بل قاعدة تكررت عشرات المرات.ففي مصر، تحولت «زوروني كل سنة مرة» إلى واحدة من أشهر الأغنيات العربية، بعدما خرجت من التراث الشعبي إلى المسارح والإذاعات. كما تجاوزت «يا مصطفى يا مصطفى» حدود العالم العربي، وغُنيت بلغات متعددة، لتصبح نموذجًا على قدرة الأغنية الشعبية على عبور الثقافات.

وفي بلاد الشام، بقيت «على دلعونا» حاضرة في الذاكرة العربية رغم مرور عقود، وأعاد تقديمها عشرات المطربين في لبنان وسوريا وفلسطين، بينما أصبحت «هالأسمر اللون» واحدة من أكثر الأغنيات الفلكلورية تداولًا بصيغ مختلفة. أما في الخليج، فما زالت الأهازيج البحرية وأغنيات «العرضة» تلهم العديد من الفنانين الذين يعيدون تقديمها داخل أعمال معاصرة، في محاولة للحفاظ على الهوية الموسيقية المحلية.

من سيد درويش إلى عمرو دياب.. لماذا أصبح الفلكلور «الوصفة السحرية» للأغنية الناجحة؟ - صورة 1

محمد منير.. أصبح التراث مشروعا فنيا

يصعب الحديث عن الفلكلور دون التوقف أمام تجربة محمد منير. فمنذ بداياته، لم يتعامل منير مع التراث النوبي باعتباره مادة للحنين، بل باعتباره مشروعًا موسيقيًا متكاملًا. أعاد تقديم الأغنية النوبية بإيقاعات حديثة، ونجح في نقلها من حدود الجنوب المصري إلى العالم العربي، لتصبح جزءًا من التيار الموسيقي السائد، دون أن تفقد هويتها. ولذلك، يرى كثير من النقاد أن منير لم يقتبس من الفلكلور، بل أعاد تعريفه لجيل جديد.

من سيد درويش إلى عمرو دياب.. لماذا أصبح الفلكلور «الوصفة السحرية» للأغنية الناجحة؟ - صورة 2

عمرو دياب.. الفلكلور في ثوب صيفي

حتى الفنان عمرو دياب، المعروف بتجديده الدائم في الموسيقى، عاد هو الآخر إلى الفلكلور، لكن بطريقة مختلفة. فأغنية «لولا البنات» استعادت جملة غنائية متداولة في التراث المصري، وأعادت توظيفها داخل أغنية عصرية تعتمد على الإيقاعات الإلكترونية.

ولم يكن نجاح الأغنية مرتبطًا فقط باسم عمرو دياب، بل أيضًا بالألفة التي شعر بها الجمهور عند سماع الجملة الشعبية، وهو ما ساهم في انتشارها سريعًا على منصات التواصل الاجتماعي.

أحمد سعد… رهان جديد على التراث

في هذا السياق، يبدو اختيار أحمد سعد لأغنية «يا ولا يا ولا» امتدادًا لهذا الاتجاه. وكشف مصدر مقرب  أن الأغنية تعتمد على توظيف الفلكلور المصري في قالب موسيقي حديث، يجمع بين الجملة الشعبية والتوزيع الإلكتروني، في تجربة تشبه عددًا من الأعمال التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في إعادة تقديم التراث.

ويضم الألبوم ست أغنيات هي: «الليلة»، و«وطايرين»، و«9:30»، و«محيراني»، و«وصل وصل»، و«يا ولا يا ولا»، بينما يبدأ طرح أولى أغنياته عبر المنصات الرقمية، على أن تُطرح بقية الأعمال تباعًا.

ويأتي ذلك في وقت اعتاد فيه أحمد سعد على التنقل بين أكثر من لون موسيقي، مع محاولة استقطاب شرائح مختلفة من الجمهور.

من سيد درويش إلى عمرو دياب.. لماذا أصبح الفلكلور «الوصفة السحرية» للأغنية الناجحة؟ - صورة 3

أكثر من الأغنية الجديدة

الإجابة لا تكمن في الموسيقى وحدها، بل في علم النفس أيضًا. فالإنسان يميل بطبيعته إلى الأصوات المألوفة، ويستجيب بسرعة لما يعرفه مسبقًا، حتى لو لم يتذكر مصدره.

ويُطلق علماء النفس على ذلك «تأثير الألفة»، حيث يشعر المستمع بالراحة تجاه اللحن الذي سبق أن مر على أذنه، وهو ما يجعل الأغنية الفلكلورية تمتلك أفضلية منذ اللحظة الأولى.

كما أن الجمل الشعبية تمتاز بالبساطة وسهولة الحفظ، وهو ما يجعلها مثالية لمنصات مثل «تيك توك» و«إنستغرام ريلز» و«يوتيوب شورتس»، التي تعتمد على مقاطع قصيرة قادرة على الانتشار خلال ثوانٍ.

لماذا تحبه شركات الإنتاج 

في الماضي، كانت شركات الإنتاج تراهن على صوت المطرب. أما اليوم، فأصبحت تراهن على «قابلية الأغنية للانتشار».

وتدرك الشركات أن الأغنية الفلكلورية تقلل نسبة المخاطرة؛ لأنها تعتمد على لحن أو جملة أثبتت قدرتها على البقاء لعقود، كما أن إعادة تقديم التراث تمنح الأغنية فرصة للوصول إلى أكثر من جيل في الوقت نفسه؛ فالكبار يسمعون ذكرياتهم، بينما يكتشفها الشباب بصوت وإيقاع جديدين.

وبهذه الطريقة، تتحول الأغنية الواحدة إلى منتج يخاطب جمهورًا أوسع، وهو ما ينعكس على نسب المشاهدة والاستماع والإعلانات.

هل أصبح الفلكلور «وصفة مضمونة»؟

ورغم النجاحات المتكررة، يؤكد نقاد الموسيقى أن الفلكلور وحده لا يصنع النجاح. فالنجاح الحقيقي يعتمد على قدرة الفنان في إضافة رؤية جديدة، لا مجرد إعادة توزيع لحن قديم.

فالجمهور قد ينجذب في البداية إلى الحنين، لكنه لن يستمر في الاستماع إذا شعر بأن العمل مجرد نسخة مكررة، ولهذا، فإن بعض التجارب اختفت سريعًا، بينما تحولت أخرى إلى علامات موسيقية لأنها احترمت روح التراث وأضافت إليه شخصية معاصرة.

 موجة جديدة

ما يحدث اليوم يوحي بأن الأغنية العربية تدخل مرحلة جديدة، يعود فيها الماضي ليقود المستقبل، فبعد سنوات هيمنت فيها الأغنيات الإلكترونية الخالصة، عاد التراث ليحتل مكانًا متقدمًا داخل صناعة الموسيقى، ليس باعتباره بديلاً عن الحداثة، بل شريكًا لها.

ولذلك، فإن إعلان أحمد سعد عن «يا ولا يا ولا» لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد أغنية جديدة داخل ألبوم، بل باعتباره حلقة جديدة في سلسلة طويلة بدأت مع سيد درويش، ومرت بمحمد منير وعمرو دياب وغيرهم، لتؤكد أن الفلكلور ما زال يمتلك قدرة استثنائية على التجدد.

وربما تكشف الأشهر المقبلة ما إذا كانت «يا ولا يا ولا» ستنضم إلى قائمة الأغنيات التي نجحت في إعادة تقديم التراث بروح عصرية، أم أن المنافسة ستدفع المطربين إلى البحث عن كنوز فلكلورية جديدة، بعدما أثبتت التجارب أن الذاكرة الشعبية ما زالت واحدة من أكثر مصادر الإلهام ربحًا وتأثيرًا في صناعة الموسيقى العربية.