دمشق – “القدس العربي”: يمثل إعلان الأمين العام لـ “حزب الله” اللبناني، نعيم قاسم، استعداد الحزب للحوار مع القيادة السورية تحولا في الخطاب السياسي تجاه دمشق، بعد سقوط نظام بشار الأسد، والدور الذي لعبه الحزب في الحرب السورية.
ويأتي هذا الانفتاح في وقت يواجه فيه “حزب الله” ضغوطا داخلية وإقليمية متزايدة، بالتوازي مع سعي دمشق إلى إعادة رسم سياستها الإقليمية انطلاقا من أولوياتها الأمنية وعلاقاتها الرسمية مع الدول. وفي هذا السياق، تبرز جملة من التساؤلات حول دوافع هذا الانفتاح، وإمكانات نجاحه، وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه دمشق في أي مسار جديد مع الحزب.
وتتباين تقديرات خبراء ومحللين تحدثوا لـ “القدس العربي” في هذا الشأن، بين من يرى في الخطوة محاولة من الحزب لكسر عزلته واحتواء الضغوط المفروضة عليه، ومن يعتبرها جزءا من حسابات إيرانية أوسع، كما تتباين القراءات بشأن دوافع هذا التحول وحدود الاستجابة السورية له.
“حزب الله” يسعى لحجز موقعه
في قراءة لدلالات هذا التحول، يرى الباحث والمحلل السياسي، محمود علوش أن انفتاح “حزب الله” على الحوار مع القيادة السورية لا يرتبط فقط بطبيعة العلاقة بين الطرفين، بل يعكس أيضا تغيرا في حسابات الحزب السياسية والأمنية، في ظل الضغوط التي يواجهها داخليا وإقليميا، بالتوازي مع الدور الذي تسعى دمشق إلى ترسيخه في مقاربة الملف اللبناني.
ويقول لـ “القدس العربي” إن إعلان “حزب الله استعداده للحوار مع القيادة السورية الجديدة يعكس تحولا مهما في مقاربة الحزب تجاه دمشق، ويمنح في الوقت ذاته زخما للمبادرة السورية الرامية إلى مقاربة الأزمة اللبنانية عبر المسار السياسي”.
ويعتبر أن الحزب بات يدرك أهمية الاستفادة من التوجه السوري الحالي، الذي يقوم على الدفع نحو تسوية سياسية شاملة في لبنان تضم مختلف الأطراف، بما فيها “حزب الله”.
ويشير علوش إلى أن هذا المسار يشكل، في المرحلة الراهنة، بديلا عن أي تدخل عسكري سوري محتمل في لبنان، موضحا أن الحزب يدرك أن استمرار الأزمة اللبنانية وتفاقمها قد يفرضان على دمشق، بحكم اعتبارات الأمن القومي والجوار، خيارات أكثر تدخلا. ومن هذا المنطلق، يرى أن الحزب “يسعى إلى تضييق مساحة العوامل التي قد تدفع سوريا إلى أي تدخل عسكري مستقبلا، من خلال إظهار استعداده للانخراط في مسار سياسي”.
ويضيف: “حزب الله يواجه في الوقت الحالي ضغوطا متزايدة على أكثر من مستوى، في ظل استمرار المواجهة التي تخوضها إيران، إلى جانب وجود توجه إقليمي ودولي يهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، ولا سيما في العراق”.
وحسب علوش، فإن هذه المعطيات تدفع الحزب إلى محاولة ضمان موقع له في أي تسوية سياسية مقبلة، بدلا من أن يجد نفسه أمام تسوية تفرض عليه من دون أن يكون شريكا فيها، وخاصة في الساحة اللبنانية.
يعتقد علوش أن لدى القيادة السورية استعدادا للحوار مع “حزب الله”، لكنه يلفت إلى أن هذا الحوار لا ينظر إليه في دمشق باعتباره غاية بحد ذاته
وفي المقابل، يعتقد علوش أن لدى القيادة السورية استعدادا للحوار مع “حزب الله”، لكنه يلفت إلى أن هذا الحوار لا ينظر إليه في دمشق باعتباره غاية بحد ذاته، وإنما كأداة تخدم المبادرة السورية الخاصة بلبنان، والتي تقوم، في جوهرها، على إدراج مسألة نزع سلاح “حزب الله” ضمن إطار تسوية سياسية لبنانية شاملة.
ويشير كذلك إلى أن هذا التوجه السوري يحظى، “بدعم أمريكي، إلى جانب رعاية إقليمية، الأمر الذي يعزز فرص نجاحه خلال المرحلة المقبلة” .
ورغم ذلك، يؤكد علوش أن المشهد لا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة، وأن الأرضية السياسية والأمنية المحيطة بالعلاقة بين سوريا و”حزب الله” لم تستقر بعد، ما يجعل من الصعب الجزم بالمسار الذي قد تتخذه هذه العلاقة في المرحلة المقبلة، رغم وجود مؤشرات تدل على إمكانية تطورها ضمن إطار ترتيبات أوسع تخص الملف اللبناني.
حسابات إيرانية
وفي المقابل، يربط المحلل السياسي محمد العطار هذا التحول بالضغوط التي يواجهها الحزب، وبحسابات إيران المرتبطة بالحفاظ على نفوذها في سوريا والمنطقة، مع تشديده على أن أي تواصل بين دمشق والحزب يبقى محكوما باعتبارات سيادة الدول ودور المؤسسات الرسمية.
ويقول العطار لـ “القدس العربي” إن فهم إعلان “حزب الله” استعداده للحوار مع القيادة السورية يقتضي النظر إلى المصالح الإيرانية التي تقف خلف هذا التحرك، متسائلا عن الهدف الذي تسعى إليه طهران من تشجيع الحزب على فتح قنوات تواصل مع دمشق في هذه المرحلة.
ويعتبر أن إيران تنظر إلى هذا المسار باعتباره وسيلة للحفاظ على نفوذها في سوريا، من خلال السعي إلى إعادة تفعيل خطوط التواصل التي كانت تعتمد عليها لنقل الأسلحة والعتاد، وتسهيل حركة شبكاتها وعناصرها في الجنوب السوري والساحل، بما يضمن استمرار حضورها الإقليمي بعد التحولات التي شهدتها الساحة السورية.
ربط المحلل السياسي محمد العطار هذا التحول بالضغوط التي يواجهها الحزب، وبحسابات إيران المرتبطة بالحفاظ على نفوذها في سوريا والمنطقة
ويضيف: “حزب الله” يمر بمرحلة شديدة الحساسية، إذ يواجه تحديات قد ترقى إلى مستوى التهديد الوجودي، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية، والضغوط الداخلية المتصاعدة داخل لبنان، وتراجع هامش الحركة الذي كان يتمتع به خلال السنوات الماضية، مستبعدا أن يكون إعلان الحزب استعداده للحوار مع دمشق قد جاء بمبادرة مستقلة، حيث يؤكد أنه قد يكون منسقا مع إيران التي تمتلك “حسابات تتجاوز مصالح الحزب المباشرة، وإن كانت للحزب في الوقت نفسه دوافعه الخاصة المرتبطة بتخفيف الضغوط المفروضة عليه”.
ويرى المتحدث أن الحزب يسعى إلى تقليص عدد الجبهات المفتوحة في مواجهته، إذ لا تبدو في الأفق مؤشرات إلى تفاهم مع إسرائيل أو مع القوى اللبنانية الداخلية، الأمر الذي يدفعه إلى استثمار تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع التي أبدى فيها انفتاحا على الحوار إذا كان يخدم استقرار لبنان والمنطقة.
فكّ العزلة
وحسب العطار، فإن الحزب يسعى من خلال هذا الانفتاح إلى تحقيق هدفين رئيسيين، أولهما فك جزء من العزلة والضغوط المفروضة عليه من الجبهة السورية، وثانيهما، وهو الأهم، خدمة المصالح الإيرانية عبر الحفاظ على نفوذ طهران في سوريا، وإعادة إحياء محور التواصل الممتد بين العراق وسوريا، بما يسمح باستمرار خطوط الدعم اللوجستي.
وفي المقابل، يستبعد المتحدث أن توافق دمشق على فتح حوار مع “حزب الله” بمعزل عن الدولة اللبنانية، معتبرا أن “أي تفاهمات من هذا النوع ينبغي أن تتم عبر السلطات الشرعية في بيروت، صاحبة الصلاحية في توقيع الاتفاقيات الدولية وإدارة العلاقات بين الدول” .
ويخلص العطار إلى أن من الطبيعي أن تسعى الدولة السورية إلى الإسهام في ترسيخ الأمن والاستقرار في لبنان، لكن من خلال التعاون مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها، لا عبر الانخراط مع جهة مسلحة أو التحول إلى طرف في الصراعات الداخلية اللبنانية.
إشكالية “حزب الله”
وانطلاقا من إرث العلاقة بين “حزب الله” وسوريا خلال سنوات الحرب، يرى الكاتب والخبير السياسي أحمد الهواس أن أي حديث عن انفتاح متبادل لا يمكن فصله عن الدور الذي لعبه الحزب داخل سوريا، ولا عن التحولات التي طرأت على موازين القوى بعد سقوط نظام بشار الأسد، معتبرا أن الحزب يسعى اليوم إلى تخفيف الضغوط المتزايدة التي يواجهها أكثر من سعيه إلى بناء علاقة جديدة مع دمشق.
ويقول لـ “القدس العربي” إن الإشكالية الأساسية بين “حزب الله” وسوريا لا ترتبط بالدولة السورية بوصفها نظاما سياسيا، بقدر ما ترتبط بالشعب السوري، معتبرا أن الحزب كان جزءا من المنظومة التي شاركت، حسب رأيه، في عمليات القتل والتهجير والتغيير الديموغرافي، إلى جانب ما وصفها بمحاولات إحداث تغيير عقائدي عبر نشر التشيّع في المناطق ذات الغالبية السنية.
الهواس: تدخل الحزب في الحرب السورية لم يقتصر على منع سقوط النظام السابق، بل أسهم أيضا في إطالة أمد الصراع وزيادة معاناة السوريين
ويعتبر أن تدخل الحزب في الحرب السورية لم يقتصر على منع سقوط النظام السابق، بل أسهم أيضا في إطالة أمد الصراع وزيادة معاناة السوريين، الأمر الذي ترك آثارا عميقة على صورة الحزب داخل المجتمع السوري.
ويشير إلى أن انسحاب “حزب الله من سوريا وعودته إلى لبنان حرمه من كثير من المكاسب التي كان يتمتع بها، سواء من خلال شبكة الميليشيات المحلية التي عمل على بنائها، أو عبر الأنشطة المرتبطة بتجارة الكبتاغون والمخدرات. كما أدى تراجع وجوده، إلى جانب القوات الإيرانية والميليشيات العراقية، إلى إضعاف أحد أهم مسارات النفوذ الإيراني الذي كان يمتد عبر الأراضي السورية وصولا إلى حدود فلسطين المحتلة” .
ويضيف أن الحزب يواجه اليوم ظروفا أكثر تعقيدا، في ظل الضغوط المتزايدة داخل لبنان لحصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب الحديث عن أدوار قد تضطلع بها دمشق في دعم الدولة اللبنانية ضمن هذا الملف. لكنه يستبعد في الوقت نفسه أي تدخل عسكري سوري في لبنان، مرجحا أن يقتصر الدور السوري على تقديم المشورة أو الدعم السياسي والأمني للسلطات اللبنانية.
هدنة مع دمشق
وحسب قوله، فإن شعور “حزب الله” بتضييق هامش حركته يدفعه إلى البحث عن تخفيف الضغوط عبر تحسين علاقته مع دمشق، لكنه يرى أن الحزب لا يسعى إلى إقامة علاقة وثيقة بقدر ما يبحث عن هدنة أو حالة من الحياد تمنع فتح جبهة إضافية ضده.
ويستبعد الهواس أن تستجيب الدولة السورية لهذا الطرح، انطلاقا من أنها تتعامل مع الدول ومؤسساتها الرسمية، وليس مع الميليشيات أو الجهات المسلحة.
يستبعد الهواس أن تستجيب الدولة السورية لهذا الطرح، انطلاقا من أنها تتعامل مع الدول ومؤسساتها الرسمية، وليس مع الميليشيات أو الجهات المسلحة
ويشير إلى أن أي انفتاح سوري، إن حصل، سيظل مرتبطا بجملة من الملفات التي يعتبرها أساسية، من بينها الاعتذار للشعب السوري، وتعويض المتضررين، والاعتراف بالانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الحرب، والابتعاد عن الحدود السورية، ووقف أنشطة تهريب المخدرات، والكشف عن أسماء المجموعات المحلية التي تعاونت مع الحزب داخل سوريا.
ويخلص إلى أن هذه المطالب تجعل من الصعب “الوصول إلى تفاهم حقيقي، لأن تنفيذها يتجاوز قدرة حزب الله”.
لذلك يرى المتحدث أن الهدف الأساسي للحزب في هذه المرحلة “يتمثل في تخفيف حالة الاختناق التي يعيشها، والسعي إلى إقامة علاقة محايدة مع دمشق تحول دون تحولها إلى مصدر ضغط إضافي عليه في المستقبل”.
