تعكس اتهامات الشيخ نعيم قاسم للدولة خطاباً مأزوماً لدى “حزب الله”، خصوصاً في مقاربته للتغيّرات في المنطقة التي تنعكس على لبنان الأكثر تأثراً بها. الخطاب التعبوي وتوزيع الاتهامات يضلّلان الحقائق، إذ لا مراجعة أو تحمّل للمسؤولية في إنقاذ البلاد من محنتها. فالحزب الذي يرفض المفاوضات المباشرة ويعتبر أنها أعطت إسرائيل مكاسب سياسية بعد عجزها عن تحقيق مكاسب ميدانية، يغيّب واقع احتلال إسرائيل لأكثر من 650 كلم2 وتدمير القرى وجرفها وتهجير الناس الذين كانوا يوماً حاضنة المقاومة قبل العام 2000.

البيئة التي يخاطبها قاسم دفعت ثمن الحروب الانتحارية، بعد تحرير الجنوب عام 2000، فمعادلة “سوريا المستقرة سند للبنان، ولبنان المستقر سند لسوريا”، التي يبرر من خلالها إمكان لقاء “حزب الله” والقيادة السورية، لا معنى لها قبل ترسيخ الاستقرار في لبنان أولاً، إذ أنه لا يخاطب الدولة السورية بقدر ما يحاول إعادة نسج العلاقة مع الطرف الذي قاتله حين تدخل نصرة لنظام بشار الأسد، وكأنه يبحث عن ظهير يتقاطع معه في السياسة والجغرافيا بعدما باتت خياراته الإقليمية ضيقة.

يغرق خطاب قاسم في شعارات الماضي، فيتحدث عن أن التفاف الأحزاب والقوى والطوائف حول خيار الوحدة يشكل عنصر قوة للبنان، لكنه يتهم السلطة السياسية ممثلة بالرئاستين الأولى والثالثة، بأنّها كانت “عونًا لإسرائيل بدل أن تكون عونًا للبنان”. وفي هذا الخطاب تخوين لرمزية الدولة التي دفعها الحزب نفسه لخيار التفاوض المباشر مع إسرائيل بهدف تخفيف الخسائر، وما أنتجه من اتفاق إطار لا تزال بنوده تراوح بفعل الاحتلال الإسرائيلي.

يوزّع “حزب الله” الاتهامات وليس لديه حجة قوية، فهو الذي جرّ لبنان إلى النار الإقليمية ولم يحد عن رهاناته الإيرانية، لا بل أنه رفض كل خطط الدولة لحصر السلاح بعد اتفاق 2024، وقدم الكثير من الذرائع للاحتلال حتى استدرجه في إسناده الشهير في 2 آذار. وإذا استمر خطاب “حزب الله” التخويني، والتهرّب من المسؤولية، لا يمكن الوصول إلى نتائج في اي حوار، فهو اشعل الجبهة، وجعل لبنان يدفع الثمن، بفعل الضغوط الكبرى التي حاصرت المفاوض اللبناني وقيّدت مناورته، فيستمر في مغامراته ورهاناته، ولا يبادر للتوصل إلى موقف وطني جامع خلف الدولة يعيد الاعتبار للقضية الوطنية اللبنانية.

اليوم، يرهن “حزب الله” مستقبل لبنان بالحسابات الإيرانية، وهو إذ يعتبر أن خيار المقاومة هو الأساس، إلا أنه لا يجيب عن سؤال الخسارات اللبنانية المتتالية، ولا يقنع اللبنانيين بأن وظيفة سلاحه مقاومة الاحتلال، خصوصاً مع اختلال الموازين، والأخطر أنه لا يترك للبنانيين فرصة تقرير مصيرهم بأنفسهم وابتكار الأساليب المناسبة لإخراج إسرائيل من أرضنا. فيسلّم بالأمر الواقع وبما تقرره طهران، ويزيد من الفرقة، ويضعف موقف لبنان في خياراته بمواجهة الاحتلال.

يسحب الشيخ نعيم قاسم باسم المقاومة، اعتراف الطائفة برمزية رئيس الدولة، ويخوض صراعاً مع رئاسة الحكومة، تحت عنوان أن الدولة تفرط بالسيادة وتخضع للمشيئة الأميركية الإسرائيلية، لكن الحقيقة أن “حزب الله” يحاول باسم الطائفة أو يتنطح لمواجهة ما يعتبره انقلاباً على مكاسبه وهيمنته التي تكرّست بعد اتفاق الطائف، حين أمسك بالقرار وهيمن على مفاصل الدولة برعاية النظام السوري السابق، ولذا يهدد الداخل ويتمسك بالسلاح للدفاع عن سطوته وسلطته العميقة.

استدراك “حزب الله” لا يزال بعيداً، فارتباطه الإيراني يغلب خياراته اللبنانية، وإن كانت هناك مسؤولية على السلطة في ضبط التوازنات الأهلية والطائفية واطلاق مبادرات جامعة تكرّس الوحدة في مواجهة التغيّرات الإقليمية.

قد يكون الحوار أحد أوجه الاستدراك العام في البلد، لكن ليس على طريقة “حزب الله” وشروطه، ولا على طريقة الأطراف الطائفية الأخرى الطامحة إلى استرداد مكاسبها، بل بالعودة إلى الدولة المرجعية وحدها في مواجهة النزعات الأهلية المدمرة، وهي الوحيدة القادرة على استعادة الأرض وإخراج الاحتلال.

 

Twitter: @ihaidar62