ليس جديدا أن تعود
المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة برعاية أمريكية، فالتاريخ الحديث للشرق
الأوسط يكشف أن المنطقة لم تغادر طاولات التفاوض منذ مؤتمر مدريد عام 1991، مرورا
باتفاق أوسلو ووادي عربة، ووصولا إلى اتفاقيات أبراهام وترسيم الحدود البحرية بين
لبنان وإسرائيل. الجديد ليس انعقاد المفاوضات، بل حجم الفجوة المتزايدة بين ما تعد
به الدبلوماسية وما تنتجه الوقائع على الأرض. ففي الوقت الذي تتحدث فيه العواصم عن
فرص التهدئة وإعادة بناء الثقة، تستمر الجغرافيا في التحرك باتجاه مختلف؛ توسع
استيطاني، وتغيرات ديموغرافية، وإعادة رسم لمعادلات الأمن، وتكريس لوقائع ميدانية
تجعل أي تفاوض لاحق يدور حول الاعتراف بالأمر الواقع أكثر مما يدور حول تغييره.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل ما يجري في روما هو تفاوض لاستعادة الحقوق، أم
تفاوض لإدارة الصراع ضمن حدود تمنع الانفجار الكبير فقط؟

لقد أثبتت نظريات
التفاوض في العلاقات الدولية أن نجاح أي عملية سياسية يرتبط بوجود توازن نسبي في
القدرة على فرض الكلفة على الطرف الآخر. أما عندما يكون ميزان القوة مختلا بصورة
كبيرة، فإن المفاوضات تتحول غالبا إلى وسيلة يستخدمها الطرف الأقوى لتنظيم البيئة
السياسية المحيطة به، وليس لإعادة توزيع الحقوق بصورة متساوية، وهذا ما يجعل تقييم
أي مفاوضات مرتبطا قبل كل شيء بميزان القوى لا بحسن النوايا. فمنذ اتفاق أوسلو عام
1993، شهد المجتمع الإسرائيلي تحولات فكرية وسياسية عميقة. فقد تراجعت تدريجيا
القوى التي كانت تتبنى فكرة “الأرض مقابل السلام”، مقابل صعود تيارات
قومية ودينية تعتبر أن الأمن والسيطرة الميدانية يسبقان أي اعتبارات سياسية.

تبدو الولايات المتحدة معنية قبل كل شيء بمنع توسع الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة، وحماية أمن إسرائيل، وضمان استمرار الاستقرار النسبي في شرق المتوسط. وهذه الأهداف، على أهميتها، لا تعني بالضرورة أن واشنطن تمتلك الإرادة أو القدرة على فرض تسوية سياسية شاملة
ومع مرور الوقت، لم يعد
اليمين الإسرائيلي مجرد تيار سياسي، بل أصبح يمثل الإطار العام الذي تتحرك داخله
معظم الأحزاب، بما فيها تلك التي كانت تُصنف يوما ضمن معسكر الوسط. وتعكس
الانتخابات الإسرائيلية المتعاقبة هذا التحول البنيوي، فأي حكومة تدخل استحقاقا
انتخابيا وهي تقدم تنازلات جغرافية أو سياسية واسعة، تخاطر بخسارة جزء كبير من
قاعدتها الشعبية. لذلك تصبح الحسابات الانتخابية قيدا إضافيا على أي مفاوضات، لأن
السياسة الداخلية كثيرا ما تكون أقوى تأثيرا من الضغوط الخارجية.

وتأتي الحرب على غزة
لتضاعف هذه المعادلة. ففي ظل بيئة أمنية شديدة التوتر، يتراجع الخطاب الداعي إلى
التسويات، ويصعد خطاب الردع والحسم العسكري. وفي الوقت ذاته، يستمر التوسع
الاستيطاني في الضفة الغربية، بما يعكس اتجاها استراتيجيا يقوم على تثبيت وقائع
جديدة تجعل العودة إلى خطوط التفاوض التقليدية أكثر صعوبة مع مرور الوقت. وهذا
يعني أن الزمن السياسي لم يعد عنصرا محايدا، بل أصبح يعمل لمصلحة من يملك القدرة
على تغيير الوقائع الميدانية.

وفي هذا السياق، تبدو
الولايات المتحدة معنية قبل كل شيء بمنع توسع الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة،
وحماية أمن إسرائيل، وضمان استمرار الاستقرار النسبي في شرق المتوسط. وهذه
الأهداف، على أهميتها، لا تعني بالضرورة أن واشنطن تمتلك الإرادة أو القدرة على
فرض تسوية سياسية شاملة، خصوصا عندما تتعارض مع التوازنات الداخلية الإسرائيلية أو
مع أولوياتها الاستراتيجية العالمية.

أما لبنان، فيدخل أي
عملية تفاوضية وهو يواجه واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث. فالدولة تعاني
أزمة مالية غير مسبوقة، وتراجعا في قدراتها المؤسسية، وانقساما سياسيا ينعكس على
قدرتها في إنتاج موقف تفاوضي موحد. وفي علم التفاوض، لا يقتصر عنصر القوة على
القدرات العسكرية، بل يشمل أيضا الاستقرار الداخلي، والقدرة الاقتصادية، ووحدة
القرار السياسي، وهي عناصر تؤثر بصورة مباشرة في القدرة على انتزاع المكاسب. ولعل
الخطأ الأكبر الذي يقع فيه كثيرون هو الاعتقاد بأن استمرار المفاوضات يعني
بالضرورة الاقتراب من الحل. فالتاريخ يقدم نماذج عديدة لمفاوضات استمرت سنوات
طويلة من دون أن تنهي الصراع، لأنها كانت تؤدي وظيفة مختلفة، تتمثل في إدارة
الأزمات، وتأجيل الانفجار، وتنظيم العلاقة بين الخصوم، لا إزالة أسباب النزاع.
وهنا تبرز نظرية هنري كيسنجر حول “إدارة الصراع”، التي تقوم على فكرة أن
بعض النزاعات لا تُحل عندما تكون كلفة الحل على الأطراف أعلى من كلفة استمرارها،
فيتحول الهدف إلى منع انهيار الوضع بدل إنهائه.

وإذا أُسقط هذا المنطق
على مفاوضات روما، فإن الاحتمال الأكبر ليس الوصول إلى سلام شامل أو استعادة سريعة
للحقوق، بل إنتاج تفاهمات مرحلية تمنع التصعيد، وتؤسس لقواعد اشتباك جديدة، وتبقي
باب الحوار مفتوحا. وقد تكون لهذه النتائج أهمية في تجنب الحرب، لكنها تختلف جذريا
عن تحقيق تسوية سياسية عادلة أو استعادة الأراضي المحتلة.

كما أن البيئة العربية
والإقليمية لا تبدو اليوم قادرة على تشكيل عنصر ضغط مؤثر. فالأولويات الاقتصادية،
والانقسامات السياسية، والتحولات الجيوسياسية، جعلت القضية العربية تمر بمرحلة
إعادة تموضع، فيما باتت القوى الإقليمية والدولية تنظر إلى المنطقة من زاوية أمن
الممرات البحرية والطاقة والتنافس الدولي؛ أكثر من النظر إليها من زاوية الصراع
العربي الإسرائيلي التقليدي.

المفاوضات، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تتجاوز البيئة التي تعمل فيها. وإذا كانت هذه البيئة تُنتج مزيدا من التشدد في إسرائيل، ومزيدا من الانقسام في الإقليم، ومزيدا من الاختلال في ميزان القوى، فإن أقصى ما يمكن توقعه هو إدارة أكثر هدوءا للصراع، لا إنهاؤه
إن التجربة التاريخية
تؤكد أن الحقوق لا تستعاد بمجرد انعقاد المؤتمرات، بل عندما تتغير موازين القوى أو
تتغير مصالح القوى الكبرى أو ترتفع كلفة استمرار الاحتلال إلى مستوى يفوق كلفة
التسوية. وحتى الآن، لا تشير المؤشرات إلى أن هذه الشروط قد اكتملت.

إن التفاؤل المفرط
بمفاوضات روما قد يكون أقرب إلى الرغبة السياسية منه إلى القراءة الواقعية.
فالمفاوضات، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تتجاوز البيئة التي تعمل فيها. وإذا
كانت هذه البيئة تُنتج مزيدا من التشدد في إسرائيل، ومزيدا من الانقسام في
الإقليم، ومزيدا من الاختلال في ميزان القوى، فإن أقصى ما يمكن توقعه هو إدارة
أكثر هدوءا للصراع، لا إنهاؤه.

إن السؤال الذي ينبغي
أن يشغل صانع القرار اللبناني ليس متى تنتهي المفاوضات، بل كيف يمكن تغيير البيئة
التي تُجرى فيها؛ لأن أي تفاوض لا يستند إلى عناصر قوة سياسية واقتصادية ووطنية،
ولا يواكبه تحول في موازين القوى الإقليمية والدولية، سيبقى يدور في حلقة مفرغة.
وعندها يصبح الزمن نفسه عاملا ضاغطا، إذ تتغير الوقائع على الأرض بوتيرة أسرع من
قدرة الدبلوماسية على ملاحقتها.   

وعليه، فإن الرهان
الحقيقي لا ينبغي أن يكون على مكان انعقاد المفاوضات أو على هوية الوسيط، بل على
بناء عناصر القوة الوطنية، وتعزيز وحدة القرار الداخلي، واستثمار التحولات الدولية
عندما تتوافر. فالتاريخ يعلمنا أن السلام لا تصنعه الطاولات وحدها، بل تصنعه أيضا
موازين القوى التي تجلس حولها. ومن دون تغير جوهري في تلك الموازين، ستبقى مفاوضات
روما، مهما طال أمدها، أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى صناعة السلام، وأقرب إلى
تنظيم الصراع منها إلى حسمه، وهي أسوأ الأسوأ في كل المقاربات الممكنة.

 [email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.