فنون

الجمعة، 07 أوت 2026 14:50

ثماني سنوات كانت كافية ليكبر الشوق، لكنها لم تكن كافية ليمحو الذاكرة.. 

ما إن ظهر ملحم زين على ركح مسرح الحمامات مساء الخميس 6 أوت، ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، حتى بدا وكأن المسافة بين آخر لقاء له بالجمهور التونسي وهذه الليلة قد اختفت دفعة واحدة.

لم يحتج الفنان اللبناني إلى مقدمات طويلة.. تحية واحدة كانت كافية لإشعال التواصل: “اشتقنا لتونس وللجمهور التونسي صاحب الذوق الرفيع.. إليّ الشرف أن أكون معكم اليوم”..

 ومنذ تلك اللحظة، لم يعد المسرح مجرد فضاء للغناء، بل صار مساحة للحنين والاحتفاء.. 

كانت سهرة لبنانية بامتياز، لكن جمهور الحمامات لم يكن متفرجا فحسب.. كان شريكا كاملا في تفاصيلها.. يردد الكلمات ويصفق ويرقص على إيقاعات الدبكة مستمتعا بالمواويل كما لو أنها جزء من ذاكرته الخاصة..

وبين “نامي يا حياتي” و”غيبي يا شمس غيبي” و”ردوا حبيبي” استعاد ملحم زين محطات من مسيرته التي بدأت من “سوبر ستار” سنة 2003، حين اختار له الجمهور لقب “الريس” قبل أن يتحول ذلك اللقب إلى علامة على صوت لبناني استطاع أن يحجز لنفسه مكانا خاصا في المشهد الغنائي العربي.

لكن ملحم لم يأت إلى الحمامات بأغانيه وحدها.. حمل معه شيئًا من لبنان القديم، من زمن كان فيه الموال مدرسة، والأغنية حكاية، والصوت قادرًا على اختصار مسافات طويلة من الوجدان.

استحضر وديع الصافي في «رمشة عين» و«عالهدى»، ومرّ بملحم بركات من خلال «على بابي واقف قمرين»، قبل أن يفتح الباب على مصراعيه أمام الفولكلور اللبناني وإيقاعات الدبكة. وفي كل محطة، كان واضحا أن الفنان لا يؤدي هذه الأعمال بحثا عن استعادة الماضي فحسب، بل يحاول أن يمنحها حياة جديدة بصوته وشخصيته وأسلوبه..

ومن “صفا قلبي” و”بدي حبك” إلى “كوكبي” و”حبيبي ما بعرف ليش” ثم “علواه” و”عندك هواية” و”إنت مشيتي”.. ظل الجمهور حاضرا بقوة، حتى تحولت الأغنية في أكثر من لحظة إلى حوار جماعي: ملحم يغني مقطعا، والجمهور يتبعه.. في مشهد جعل الركح يبدو وكأنه يمتد إلى المدرجات.

صوته الجبلي.. ببُحّته المميزة ودفئه اللافت.. بدا في هذه الأجواء وكأنه يعود إلى بيئته الطبيعية. ومع المواويل والمقامات الشرقية، كشف ملحم عن مساحة صوتية واسعة ونَفَس طويل وقدرة على التصعيد والهدوء دون أن يفقد إحساسه بالكلمة. أما حين دخلت الدبكة على الخط تحولت السهرة إلى احتفال لبناني مفتوح اختلط فيه الغناء بالتصفيق والرقص والهتاف..

ولم يكتف ملحم زين بالغناء.. فقد أراد أن يترك في هذه العودة إلى تونس أثرا يتجاوز السهرة، فوجه تحية خاصة إلى صابر الرباعي الذي كان بين الحاضرين، معلنا عن رغبته القديمة في أداء أغنية تونسية، وداعيا صابر إلى اختيار عمل له باللهجة التونسية أو تلحين أغنية جديدة له..لتكون الفكرة أشبه بجسر فني بين لبنان وتونس.. بين صوتين ينتميان إلى مدرستين عريقتين في الطرب العربي..

وبعد الحفل، تحدث ملحم زين عن سعادته الكبيرة بالعودة إلى تونس بعد غياب دام ثماني سنوات، مستحضرا آخر لقاء له بالجمهور التونسي في مهرجان قرطاج سنة 2018. وأشاد بحرارة الاستقبال، قبل أن يتوقف عند مسرح الحمامات، ذلك الفضاء الذي يمنح الفنان، بحكم تصميمه وقرب الجمهور من الركح، إحساسا نادرا بأن المسافة بينه وبين الناس تكاد تختفي.

وفي حديثه عن إعادة تقديم أغاني كبار الفنانين اللبنانيين، أكد أنه لا يبحث عن تقليد أصحابها، بل عن تقديمها من زاويته الخاصة، وهو ما بدا واضحا في أدائه لأغنية “على بابي واقف قمرين” لملحم بركات..

في ختام السهرة، لم يكن ملحم زين قد غادر تونس بعد ثماني سنوات فحسب، بل ترك خلفه ليلة استعاد فيها الجمهور شيئا من ذاكرة الأغنية اللبنانية، بينما حمل هو معه صورة جمهور لم ينسه رغم طول الغياب.

على ركح الحمامات، لم تكن الدبكة مجرد إيقاع، ولا الموال مجرد استعراض صوتي، ولا الأغاني مجرد قائمة من الأعمال الناجحة… كانت سهرة عن الذاكرة حين تستعيد صوتها، وعن فنان يعود إلى جمهور اشتاق إليه، وعن أغنية قادرة بعد كل هذه السنوات على أن تجعل مئات الحناجر تغني بصوت واحد.

هكذا انسجم حضور ملحم زين مع شعار الدورة الستين “ذاكرة تعيش”… لأن بعض الأصوات لا تغيب.. حتى عندما يطول الغياب..

 

وليد عبد اللاوي

 

 

ملحم زين في الحمامات.. مواويل ودبكة وذاكرة لا تغيب

ثماني سنوات كانت كافية ليكبر الشوق، لكنها لم تكن كافية ليمحو الذاكرة.. 

ما إن ظهر ملحم زين على ركح مسرح الحمامات مساء الخميس 6 أوت، ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، حتى بدا وكأن المسافة بين آخر لقاء له بالجمهور التونسي وهذه الليلة قد اختفت دفعة واحدة.

لم يحتج الفنان اللبناني إلى مقدمات طويلة.. تحية واحدة كانت كافية لإشعال التواصل: “اشتقنا لتونس وللجمهور التونسي صاحب الذوق الرفيع.. إليّ الشرف أن أكون معكم اليوم”..

 ومنذ تلك اللحظة، لم يعد المسرح مجرد فضاء للغناء، بل صار مساحة للحنين والاحتفاء.. 

كانت سهرة لبنانية بامتياز، لكن جمهور الحمامات لم يكن متفرجا فحسب.. كان شريكا كاملا في تفاصيلها.. يردد الكلمات ويصفق ويرقص على إيقاعات الدبكة مستمتعا بالمواويل كما لو أنها جزء من ذاكرته الخاصة..

وبين “نامي يا حياتي” و”غيبي يا شمس غيبي” و”ردوا حبيبي” استعاد ملحم زين محطات من مسيرته التي بدأت من “سوبر ستار” سنة 2003، حين اختار له الجمهور لقب “الريس” قبل أن يتحول ذلك اللقب إلى علامة على صوت لبناني استطاع أن يحجز لنفسه مكانا خاصا في المشهد الغنائي العربي.

لكن ملحم لم يأت إلى الحمامات بأغانيه وحدها.. حمل معه شيئًا من لبنان القديم، من زمن كان فيه الموال مدرسة، والأغنية حكاية، والصوت قادرًا على اختصار مسافات طويلة من الوجدان.

استحضر وديع الصافي في «رمشة عين» و«عالهدى»، ومرّ بملحم بركات من خلال «على بابي واقف قمرين»، قبل أن يفتح الباب على مصراعيه أمام الفولكلور اللبناني وإيقاعات الدبكة. وفي كل محطة، كان واضحا أن الفنان لا يؤدي هذه الأعمال بحثا عن استعادة الماضي فحسب، بل يحاول أن يمنحها حياة جديدة بصوته وشخصيته وأسلوبه..

ومن “صفا قلبي” و”بدي حبك” إلى “كوكبي” و”حبيبي ما بعرف ليش” ثم “علواه” و”عندك هواية” و”إنت مشيتي”.. ظل الجمهور حاضرا بقوة، حتى تحولت الأغنية في أكثر من لحظة إلى حوار جماعي: ملحم يغني مقطعا، والجمهور يتبعه.. في مشهد جعل الركح يبدو وكأنه يمتد إلى المدرجات.

صوته الجبلي.. ببُحّته المميزة ودفئه اللافت.. بدا في هذه الأجواء وكأنه يعود إلى بيئته الطبيعية. ومع المواويل والمقامات الشرقية، كشف ملحم عن مساحة صوتية واسعة ونَفَس طويل وقدرة على التصعيد والهدوء دون أن يفقد إحساسه بالكلمة. أما حين دخلت الدبكة على الخط تحولت السهرة إلى احتفال لبناني مفتوح اختلط فيه الغناء بالتصفيق والرقص والهتاف..

ولم يكتف ملحم زين بالغناء.. فقد أراد أن يترك في هذه العودة إلى تونس أثرا يتجاوز السهرة، فوجه تحية خاصة إلى صابر الرباعي الذي كان بين الحاضرين، معلنا عن رغبته القديمة في أداء أغنية تونسية، وداعيا صابر إلى اختيار عمل له باللهجة التونسية أو تلحين أغنية جديدة له..لتكون الفكرة أشبه بجسر فني بين لبنان وتونس.. بين صوتين ينتميان إلى مدرستين عريقتين في الطرب العربي..

وبعد الحفل، تحدث ملحم زين عن سعادته الكبيرة بالعودة إلى تونس بعد غياب دام ثماني سنوات، مستحضرا آخر لقاء له بالجمهور التونسي في مهرجان قرطاج سنة 2018. وأشاد بحرارة الاستقبال، قبل أن يتوقف عند مسرح الحمامات، ذلك الفضاء الذي يمنح الفنان، بحكم تصميمه وقرب الجمهور من الركح، إحساسا نادرا بأن المسافة بينه وبين الناس تكاد تختفي.

وفي حديثه عن إعادة تقديم أغاني كبار الفنانين اللبنانيين، أكد أنه لا يبحث عن تقليد أصحابها، بل عن تقديمها من زاويته الخاصة، وهو ما بدا واضحا في أدائه لأغنية “على بابي واقف قمرين” لملحم بركات..

في ختام السهرة، لم يكن ملحم زين قد غادر تونس بعد ثماني سنوات فحسب، بل ترك خلفه ليلة استعاد فيها الجمهور شيئا من ذاكرة الأغنية اللبنانية، بينما حمل هو معه صورة جمهور لم ينسه رغم طول الغياب.

على ركح الحمامات، لم تكن الدبكة مجرد إيقاع، ولا الموال مجرد استعراض صوتي، ولا الأغاني مجرد قائمة من الأعمال الناجحة… كانت سهرة عن الذاكرة حين تستعيد صوتها، وعن فنان يعود إلى جمهور اشتاق إليه، وعن أغنية قادرة بعد كل هذه السنوات على أن تجعل مئات الحناجر تغني بصوت واحد.

هكذا انسجم حضور ملحم زين مع شعار الدورة الستين “ذاكرة تعيش”… لأن بعض الأصوات لا تغيب.. حتى عندما يطول الغياب..

 

وليد عبد اللاوي

 

 

الوسوم/علامات المقال: