بشكل لافت، توسعت خريطة التصعيد داخل اليمن، حيث سجلت الساعات الماضية أعنف هجمات منذ هدنة أبريل/نيسان 2022 ومرحلة خفض التصعيد الممتدة لأكثر من 4 أعوام، في وقت تزايدت فيه التحذيرات من انزلاق البلاد نحو حرب شاملة تعيد رسم معادلات سيطرة ميدانية جديدة.
ودخل اليمن منذ أسابيع مسارا تصاعديا من التوتر بين جماعة أنصار الله (الحوثيين) من جهة، والحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية من جهة أخرى.
وبحجة إنهاء ما تصفه الجماعة بـ”الحصار”، يشن الحوثيون -منذ إعلانهم النفير العام نهاية يونيو/حزيران الماضي- هجمات عبر 3 محاور:
لكن حدة عمليات الحوثيين المعلنة خلال اليومين الماضيين تركزت في الداخل اليمني، في حين أعلنت القوات الحكومية تنفيذ رد على تلك العمليات التي قالت إنها أوقعت ضحايا من قوات الجيش والمدنيين.
وبدا واضحا من تسلسل العمليات أن فرص التهدئة قد تبدو بعيدة حاليا مع تعثر المساعي الأممية والإقليمية وتصلب الأطراف وراء مطالبها واشتراطاتها لأي تسوية سياسية ومبادرات لخفض التصعيد.
وفي حين قال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني “إن ساعة الخلاص من إيران والحوثيين أصبحت أقرب من أي وقت مضى، وإن استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب باتت مسألة وقت”، يقول الحوثيون إنهم في حالة استنفار ومستمرون في معادلة “الحصار بالحصار”.
ما التصعيد الأبرز؟
أعلن الحوثيون -يومي الخميس والجمعة الماضيين- شن هجوم على معسكرات للقوات السعودية والقوات التابعة للحكومة اليمنية في محافظتي مأرب وحضرموت، على حد قولهم.
وادعى الحوثيون أن الهجمات أسفرت عن “مقتل المئات من القوات اليمنية وتدمير معسكرات وتحشيدات ومخازن وأسلحة”.
لكن وزارة الدفاع اليمنية قالت إن الحوثيين نفذوا -الخميس- هجوما غادرا بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، استهدف عددا من معسكرات ووحدات القوات المسلحة المنتشرة في محافظتي مأرب وحضرموت.
وقالت إن تلك القوات تعمل في تأمين المناطق والطرق الدولية، والتصدي لمخططات الحوثيين وشبكات التهريب التابعة لها.
وبينت أن الهجوم أسفر عن “مقتل وإصابة عدد من منتسبي القوات المسلحة المرابطين في تلك المواقع، جميعهم من أبناء الشعب اليمني”، مؤكدة أنها سترد على ما وصفته بالعدوان في الزمان والمكان المناسبين.
وبخصوص هجوم الحوثيين أمس الجمعة، أفاد الجيش اليمني بأن الحوثيين شنوا هجمات على مدينة مأرب وضواحيها، مستهدفين الأحياء السكنية ومخيمات النازحين بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
وأشار إلى أن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط عدد من الطائرات المسيّرة للحوثيين، مؤكدا عدم تسجيل أي خسائر بشرية أو مادية في صفوف القوات المسلحة وممتلكاتها جراء هذا التصعيد.
تزامنا مع ذلك، أفادت قوات دفاع شبوة التابعة للحكومة بمقتل جنديين من جنودها في هجوم بطائرة مسيّرة تابعة للحوثيين في جبهة حريب بمحافظة مأرب المحاذية لمحافظة شبوة.
وقالت القوات إنها نفذت عملية واسعة بصواريخ الكاتيوشا وقذائف الطيران المسيّر، استهدفت معاقل الحوثيين في الجبهة ردا على الهجوم.
وعلى صعيد متصل، شهدت جبهات الضالع والحديدة وتعز مواجهات عنيفة وقصفا متبادلا بين القوات الحكومية والمسلحين الحوثيين.
ما حصيلة الضحايا في مأرب وحضرموت؟
كشفت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة أن هجمات الحوثيين -الخميس الماضي- على معسكرات ووحدات القوات المسلحة في محافظتي مأرب وحضرموت أسفرت عن مقتل 17 جنديا وضابطا وإصابة آخرين.
وأشارت -خلال اتصال عبر تقنية الاتصال المرئي مع المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ– إلى أن قصف الحوثيين للأحياء السكنية ومخيمات النازحين في مدينة مأرب أدى -في حصيلة أولية- إلى مقتل مدنيين اثنين وإصابة 14 آخرين.
ما رد الحكومة؟
أعلنت القوات المسلحة اليمنية “تنفيذ عمل عسكري ضد العناصر الحوثية وعتادها العسكري في محاور عدة على طول خطوط التماس”.
وأكد المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة العقيد ماجد النزيلي -في تصريح فجر اليوم السبت- أن الجيش اليمني لن يتهاون في حماية المدنيين والقوات الحكومية ومواقعها، وسيرد على أي هجوم بإجراءات عسكرية حازمة.
وفي غضون ذلك، ذكرت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ) أن مجلس الدفاع الوطني اتخذ عددا من القرارات المتعلقة برفع مستوى الجاهزية العسكرية والأمنية، وضمان التنفيذ الفوري للإجراءات الكفيلة بالرد الحازم على هجمات جماعة أنصار الله (الحوثيين).
ولم تفصح الوكالة عن مزيد من تفاصيل القرارات، لكنها أوضحت أن مجلس الدفاع أقر -بعد اجتماع له في العاصمة السعودية الرياض- استمرار انعقاده الدائم من أجل الاستجابة العاجلة للتطورات الميدانية والأمنية، واتخاذ ما يلزم من إجراءات بصورة مستمرة.
لماذا مأرب وحضرموت؟
في هجومهم على المحافظتين الإستراتيجيتين في مسار الصراع، أشار الحوثيون إلى أن القوات التي استهدفوها كانت في مراحلها النهائية للتصعيد باتجاه المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم.
وتمثل مأرب أحد أبرز معاقل الجيش والحكومة اليمنية، وظلت -منذ اندلاع الصراع قبل 12 عاما- حاضرة بقوة في المشهد العسكري، حيث تتوسط المحافظة البلاد، وتحاذي العاصمة صنعاء التي لا تزال تحت سيطرة الحوثيين منذ سبتمبر/أيلول 2014.
وفشلت محاولات الحوثيين -التي كان آخرها عام 2021- في السيطرة على عاصمة المحافظة التي تحمل الاسم ذاته والمناطق التي تضم حقول النفط والغاز.
خريطة اليمن توضح موقع محافظة مأرب (الجزيرة)
وتقول السلطات المحلية إن مأرب تضم أكبر تجمع للنازحين في البلاد، إذ تحتضن أكثر من مليونين و87 ألف نازح يتوزعون على 209 مخيمات في مختلف المديريات.
أما حضرموت -وهي المحافظة الأكبر مساحة في البلاد وتغطي نصف حدود اليمن مع السعودية- ورغم أنها لا تزال بعيدة عن خطوط التماس المباشرة بين الحوثيين والقوات الحكومية، فإنها تقع بمحاذاة محافظتي مأرب والجوف، مما يؤهلها لتكون جبهة إسناد وإمداد لقوات الجيش.
ظروف لم تكتمل وتحديات كثيرة
يستبعد الخبير في الشؤون الإستراتيجية العسكرية والأمنية الدكتور علي الذهب -في تصريح للجزيرة نت- اندلاع مواجهة شاملة في اليمن في التوقيت القريب، لكنه يقول إن هناك استعدادا لمرحلة لم يُحدَّد وقتها ومكانها.
ويرى الذهب أن الظروف لم تكتمل بعد على المستوى الداخلي والإقليمي بخصوص الحكومة اليمنية والتحالف بقيادة السعودية، بما يجعل المعركة مضمونة بنسبة 80%.
وأشار إلى أن هناك مشكلات داخلية في معسكر الشرعية اليمني، تتعلق بعدم البت في تداعيات أحداث حضرموت الماضية، وعدم جاهزية القوات الحكومية في البنى والهياكل والتدريب والتسليح، وإن كانت هناك خطوات متقدمة في هذا الجانب لكنها لم تصل بعد إلى المستوى الذي يجعل المواجهة وفق التصور التوصيفي لها بين الحكومة والحوثيين.
وذكر الذهب أنه إذا خرجت السعودية من ملف الصراع اليمني فإن أي عملية لها داخل اليمن ستكون ردا على الهجمات البحرية واستهداف أراضيها، من منطلق أنها تدافع عن أمنها القومي، وليست إلى جانب الحكومة اليمنية.
وبشأن الحوثيين، قال الذهب إنه ليست لديهم القدرة في الوقت الراهن على خوض مواجهة حاسمة، موضحا أن الحسم حاليا في نظرهم يتمثل في السيطرة على محافظتي تعز ومأرب على وجه الخصوص.
وبيَّن أن هذا الطموح لا يزال يواجه تحديات كثيرة، من بينها ما يتعلق بامتداداتهم الإقليمية، إضافة إلى ضعف بنيتهم العسكرية جراء ما تعرضوا له من انتكاسات، فضلا عن التذمر الشعبي المتصاعد الذي قد يتطور إلى تمردات قد تُغذى خارجيا، ويكون لها فيما بعد مع أطراف الحكومة الأخرى مكاسب في أي تسوية سياسية حال هزيمة الحوثيين.
ولفت إلى أن المواجهة الواسعة قد تكون محتملة خلال الربع الأخير من هذا العام إذا تهيأت الظروف لها.
احتقان وتحشيد
ولفت محرر الشؤون اليمنية في الجزيرة أحمد الشلفي إلى أن التطورات الميدانية الأخيرة في اليمن تتزامن مع حالة واضحة من الاحتقان وعمليات التحشيد العسكري المتبادل في جبهات الجوف ومأرب وتعز.
وحذر الشلفي من اتساع ما سماه “هامش الخطأ” في العمليات العسكرية، سواء في المواجهات البرية أو توترات البحر الأحمر، لأنها قد تؤدي إلى انفجار حرب برية شاملة، حسب تقديره.
تصعيد في خضم صراع إقليمي
يأتي التصعيد في جبهة اليمن في خضم الصراع الإقليمي الجاري بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تتهم الحكومة اليمنية الحوثيين بتنفيذ أجندة إيران التي تطالب برفع ما تسميه “الحصار” على المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.
ويتقاطع تصعيد الحوثيين -وفقا للمحللين- مع الصراع الإقليمي، إذ سبق أن انخرط الحوثيون بشكل محدود إلى جانب طهران في حرب الأربعين يوما الماضية.
ويتهم الحوثيون السعودية بفرض “الحصار”، وهو ما تنفيه الرياض التي أكدت أنها سترد بشكل غير مسبوق على أي هجمات تطالها.
وتبنى الحوثيون -منذ إعلانهم في 20 يوليو/تموز الماضي حظرا بحريا على السعودية- هجمات على سفن تابعة للمملكة في البحر الأحمر وخليج عدن، في حين نفذ التحالف بقيادة السعودية عملية في 25 من الشهر ذاته، قال إنها استهدفت أهدافا عسكرية للحوثيين في الحديدة مرتبطة بالتهديد على السفن.
قلق وتحذيرات دولية
مع ارتفاع حدة التصعيد، حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ -مساء الجمعة- من تزايد خطر عودة البلاد إلى صراع واسع النطاق.
ودعا الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس ووقف أي أعمال من شأنها الدفع نحو مزيد من التصعيد العسكري وجر البلاد إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وأعرب أعضاء مجلس الأمن الدولي عن قلقهم بشأن تصاعد التوترات في اليمن، مشددين على أهمية تجنب الأعمال التي قد تقوض جهود تحقيق السلام في البلاد، وتهدد السلم والأمن الدوليين.
وأكدوا دعمهم لغروندبرغ في جهوده الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية جامعة بقيادة وملكية يمنية قائمة على المرجعيات المتفق عليها، وبما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
أما الولايات المتحدة، فوصفت سفارتها لدى اليمن هجمات الحوثيين بالجبانة، وقالت إنها “دليل آخر على إرهابهم الموجه إلى الشعب اليمني”.
وأدان الاتحاد الأوروبي الموجة الأخيرة من هجمات الحوثيين ضد السعودية ومناطق سيطرة الحكومة في اليمن، وعدَّها تصعيدا خطيرا، من شأنه أن يزيد من تقويض الاستقرار الإقليمي، ويعرّض الجهود الجارية للتوصل إلى تسوية سلمية للنزاع للخطر.
ودعا -في بيان- الحوثيين إلى الوقف الفوري لجميع الهجمات داخل اليمن وخارجه.
كما أدانت السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف الهجمات الحوثية في الداخل اليمني وباتجاه السعودية، مؤكدة أن هذا “التصعيد المروع لا يخدم الشعب اليمني ولا مستقبل اليمن”.
