
المثنى الشيخ عطية
هل تقود الصُّدَفُ البشرَ إلى اللقاءات التي تربطهم ببعض، وتخلق حيواتٍ مشتركةً فيما بينهم، أم أن كل شيء مرتّبٌ مسبقاً بقَدَرٍ من كائن ما، هو إلهٌ لدى البعض، وكونٌ لدى آخرين، وما لا يُعرف ويفضَّل عدم إشغال التفكير فيه لأنه لن يُعرفَ ضمن أبعاد كوننا، وما لا نعرفُ من افتراضاتٍ لمآل هذه الاحتمالات التي تقود حياتنا في العالم الملموس. ولا نعرفُ إن كانت حدثتْ بصورة أخرى في عالم غير ملموس وفق نظرية الأكوان الموازية، أو وفق ما يخلُقُ الروائيون من روابط واقعيةٍ مقْنِعةٍ، أو جامحةِ الخيال ومقْنعةٍ، أو مثيرةٍ للسخرية والأسى بإقناعها في أشد حالاتها واقعيةً. كما لو كانت تحدث في فيلم هنديٍّ؛ تحت ظلّ السؤال عن تأثير هذا السؤال المزدوج في حياة البشر، توهاناً في الشكّ أو سلاماً في اللا أدرية، أو خلْقاً ليقينِ ما لا يُعرف إن كان حقيقةً أو وهماً في إيجاد العزاء؟
هل نلجأ في بحثنا عن إجابةٍ إلى أهل الدين، أم إلى أهل العلم، أم إلى أهل القلب الذين يقدّمون الإحساس حالمين، أم للروائيين الذين يقدّمون الأسئلة في الرد على الأسئلة لتوليد المتعة التي تُزيل الخوف في التعامل مع الخوف، عبر شخصيات البشر الواقعية والخيالية والمركّبة التي تعيش سؤالَ تأثير الأسئلة في حياة البشر. من مثل وصول شخصية الأفغانية اللاجئة «درصاف» في رواية اللبنانية لنا عبد الرحمن «ليالي سان دوني»، في حياة اللجوء القاسية التي تطرح أسئلةً مصيريةً على البشر، وبعد تساؤلاتها المُضنيةِ، إلى سلامِها في مواجهة الخوف من المآلات بقول سوفوكليس: «لماذا يشعر الإنسان بالخوف ما دامت الصدفة ولا شيء غيرها هي التي تقود خطاه؟»؛ وأنا من قادتْ خطاهُ الصّدفةُ، ولا شيء آخر». وسلامِها بالأمل مع قول جلال الدين الرومي: «خارج حدود الصواب والخطأ، هناك حقلٌ، سألقاك هناك، كأنني أُهَدّئ روحي الثائر.»
وكذلك مثلما يحسّ اللاجئ السوري مازن «الفهلويّ» الذي وجد مكانةً في تدبير أمور اللاجئين بتحليله لنفسه: «يقولون عني: مازن العمدة، وأنا أنتشي لهذا اللقب، أن تحمله في باريس، وسط اللاجئين الذين يتخيلون أن بإمكانك القيام بالمعجزات، من دون تخمين بسيط، أنّ كل شيء يخضع للصدفة. فهل الصّدفة، حقاً، ضرورة قدرية كما قالت لي نايا، لا يمكنني الجزم بحقيقة العبارة».
وفي النهاية المفتوحة على اللانهايات، داخل البنية العميقة التي ترتقي بحكايات عبد الرحمن أو لياليها في البنية الظاهرة لروايتها، إلى رحاب الرواية المميَّزة: لماذا لا نعتبر المشيئة الإلهية التي تخلقُ الترتيب وتولّد العزاء ومواجهة الخوف هي الصدفة نفسُها التي تفعل ذلك، وننتهي إلى سلامنا في متعة قراءة الروايات التي تخلق لنا عوالمَ تُطرح فيها الأسئلة عن وجودنا، ونشعر أنها عوالمُنا، وتخفّف عنّا الإحساس بالخوف من الوقوع في اللامكان؟
حيث «لا بيت يدوم» حقاً، ولكنْ أيضاً، هناك بيتٌ آخر، كما حقل الروميّ، موجودٌ فوق الأسى في طمأَنَة يوهانس ليوسف «سوف نبحث عن مكانٍ آخر، لا تقلق يا صديقي»، إن حدثتْ واقعة تبخّر المكان، في الرواية التي تعالج أسى وفرح المكان، بخصوصيةٍ مفتوحةٍ على عام الجميع، بطعم تداخلاتها التراثية والثقافية الإنسانية: «ليالي سان دوني».
مكانٌ لاحتضان الأرواح:
كما لو كان «بنسيون نجلا القاضي» لأجيال من المثقفين والطلاب في شارع العابد بدمشق الستينات والسبعينات، ولا أعرف إن تمّ تصويره في روايةٍ، أو كانت «عمارة يعقوبيان» في القاهرة، وتمّ تصويرها في روايةٍ ناجحةٍ، أو كان أيَّ سكنٍ مشتركٍ في روايةٍ عالميةٍ، أو كانت ألفَ ليلةٍ وليلةٍ من دون مبالغةٍ؛ تجمع «لنا عبد الرحمن» شخصياتَ حكاياتٍ لم يأتِ عبثاً تسميتها بـ«ليالي سان دوني». وذلك من جهةِ ما يتولّد عنها من حكاياتٍ، يمكن ذكر بعضها كأمثلةٍ، من مثل هرب يوسف وأبي الطيب من قيد مؤسسة الزواج، وفقدان الأمومة في ضياع عبير بين حقيقة تخلّي أمها اللبنانية عنها، وحقيقة خطف أبوها الليبي لها من بيروت إلى ليبيا، وحكاية خذلان الأبوة لدى الابنة السرية نايا لزعيم حرب لبناني، والحكايات الأخرى البسيطة والعميقة المرتبطة بمآسي الحرب واللجوء. وترتقي بهذه الحكايات عبر التشابك الثري مع الثقافة الإنسانية وعمق الطرح وتحليل الشخصيات العميق إلى الرواية.
وفي هذه الرواية، تتحرك الشخصيات وفق طبيعتها الخاصة كشخصيات فنانين، بما يشابك بحثها عن وجودها مع بحثها عن مكان يأويها، ويتجلّى المكان بغرف قصر قديم، تقدّمه الرواية بتسمية «لو شاتو»، في تمهيدها الذي يعود إليه دائراً ختامُها، أنه «كان ملكاً لكونت فرنسي إسباني قيل أنه فقد عقله، ثم رحل إلى برشلونة وفارق الحياة هناك تاركاً القصر للنسيان». وللبلديات الفرنسية التي توفّر في العادة سكناً للفنانين بأجرٍ رمزي، تحت ظلّ التهديد الذي تضفيه الرواية في تمهيدها الافتتاحي المشوّق لفصولها، بوجود عينين غريبتين تراقبان القصر وقاطنيه المحتفلين الفرحين في صمت، من دون أن يعرف أحدٌ: «من يكون هذا الظلّ الذي يراقب، لكنّ نظراته تحمل ثقل الماضي، كأنها تبحث عن وعد قديمٍ أو حقٍّ ضائع»، يوحي بقدوم «هازم اللذات ومفرّق الجماعات» الذي يأتي في نهاية الرواية دائراً على بدايتها، بصورة تنفيذ قرار الطرد من فردوس المكان.
وهذا الجمع الصُّدفي توفّره أحداثُ ما أسفر عنه حال العالم من حروبٍ تدفع إلى الهجرة واللجوء، وبالأخص بعد هزيمة ثورات الربيع العربي من جهة الشرق والغرب، والحرب الروسية الأوكرانية من جهة الغرب والغرب. في المكان المختار باريس ممثلةً بضاحيتها الشهيرة سان دوني، تفتح عبد الرحمن المكان «لو شاتو»، ثيمةً تقود الرواية متشابكةً مع أحوال وطبائع قاطنيه من الشخصيات المختارة المتآلفة والمتضادة في نفس الوقت بدقةٍ تعكس حال العالم في الربع الأول من قرننا.
وتبلور عبد الرحمن المكان، مع تداخلات هذه الثيمة بقدوم وخروج القاطنين، مشابِكةً واقعه بتاريخيته ومبلورةً معانيه، بدءاً من اللوحة التي بقيت محافظةً على حالها وسط التهالك، ومحتفظةً بهالةٍ من عظمتها السابقة، في تصويرها: «القديس سان ــ دوني، الملقَّب بالقديس مقطوع الرأس؛ وهو يحمل رأسه بين يديه، فيما عيناه تنظران إلى السماء بسلام غريب، والرداء الأسود القاتم الذي يرتديه يبدو كأنه يلمع في ضوء خافت، بينما الخلفية الزرقاء تخلق شعوراً بالرهبة والغموض».
وتماهي عبد الرحمن هذه اللوحة بموضوعات وغايات روايتها في فلسفة بطلتها المحامية الفرنسية التي تخلّت عن أرستقراطيتها للعيش في «لو شاتو»، كامي التي تَعتَبرُ أن اللوحة تتجاوز كونها مجرّد رمز ديني إلى كونها «رسالةً عن التضحية، وعن الحياة التي تستمر بعد الموت.. وكذلك في تعبير أحد أبطال روايتها الفنان الموسيقي اللبناني يوسف الذي علّمه العيش في «لو شاتو»: «كيف تكون الحياة في اللامكان واللازمان»، لكونه: «المكان الذي تختلط فيه الأوراق والأرواح والفنون والطبقات والهويات، في تداخل عجيب يصعب استيعابه بسهولة، كل شيء هنا متداخل، لكن في عمقه، يحمل نوعاً من الحرية والفوضى التي كنت أحتاجها بشدة».
في الحضن المستقرّ وغير المستقرّ، الآمن وغير الآمن، والمتحوّل من فردوس إلى فردوس على وشك الفقد في الرواية، تتحرّك شخصيات عبد الرحمن، البسيطة العميقة في ذات الوقت والآسرة في كل الأحوال، بمنظومةِ سردٍ تتبلور كما لو كانت هي من يشكّل بنية الرواية. حيث تضع عبد الرحمن هذه البنية في تسعة وعشرين فصلاً، بعناوين موحّدةً تقريباً في شكل صياغتها، بقسمين: أولٌ منهما يحدّدُ الشخصيات ويعكس طبيعتها باختزال، مثل: («أبو الطيب» في سهرات «لو شاتو»، «يوسف» في ساعة الصفر، «درصاف» أفغانيةٌ وحيدةٌ في باريس، «كامي» فرنسية هاربةٌ من النظام، «عبيرُ وبناتُها» في لو شاتو، «دكتور ماثيو» الوصول إلى «لو شاتو»، «كريم، أكرم، نسيم» ثلاثي السيرك المرح، «مازن» العمدةُ في لو شاتو وأماكن أخرى، «نايا» مدرِّبةُ رقص ذات ساق مكسورة). وقسم ثانٍ يعكس طبيعة وتطور الأحداث، مثل: (ظلالٍ عتيقة، يوسف بين ضاحيتين، عبير والأمومة المفقودة، ظلُّ لصٍّ مجهول، يوسف وياسمين.. وجهاً لوجه، «أبو الطيب.. خمسون يورو.. ومزحة الحياة، درصاف.. شال جريح وكلب زائر، يوسف ودرصاف.. رصاصة في قلب الليل، سرادق عزاء في القصر، يوسف وابنة الزعيم، نساء «لو شاتو»، درصاف.. عاشقة ومعشوقة، ماثيو.. خيوط الشفاء، غرام سارق، صباح الغضب.. مساء الاختفاء، السيرك يشتعل والحب يتنفس، عبير تصنع محتوى عند النهر، وصلة غناء مشتركة، يوسف في نهايات وشيكة، فجر يومٍ أخير).
ويقوم بالسرد في الفصول التي تعكس الشخصيات، شخصيات الرواية نفسها، لمرة أو لعدد من المرات، بصيغة سرد المتكلم، التي توفّر لعبد الرحمن العاطفة وتدفّق الجريان ومصداقية الشخصية، مع إضافة صيغة سرد الراوي العليم، الذي يتكشف عن الكاتبة نفسها، في عدد كبير من الفصول التي تعكس الأحداث.
حضنُ تعاطف إنساني عميق:
فيما عدا شخصية الشاب المعنِّف الذي يبدو أنه ارتكب جريمة قتل صديقته الشابة البريئة خديجة، التي تُلجِئها مدربة الرقص اللبنانية نايا في لوشاتو، تعاطفاً معها، لأيامٍ بسبب ضربه العنيف لها. مع جميع الشخصيات، التي ينيرها الخير، بما في ذلك التي تمارس أفعالاً ليس فيها خير مثل فعل السرقة التي يقوم بها نسيم، ويجر ابنة عبير نغم إلى إشراكها معه فيها؛ تمسح عبد الرحمن جميع شخصيات الرواية بزيت التعاطف الإنساني، كما لو كان مطراً سُكِب ليشكل بحيرةً عميقةً للتعاطف، لا تستثني إلجاء كامي للكلب الجريح روميو كقاطنٍ من أهل «لو شاتو»، ولا تسلم الروائية نفسُها من التبارك في مائها، خلال بلورتها لشخصياتها.
ويلمس القارئ ذلك بقوة في تعاطفها مع حالة الأفغانية درصاف، الهاربة من استبداد طالبان بالمرأة، وتخشى إلى حدّ الرعب العودة إلى كابول إن فقدت إقامتها في فرنسا بفقدان عملها. حيث تصور عبد الرحمن أسى الفتاة في الانصياع لخيار العشيقة، بتعاطف مع هذا الخيار المدان، في مسألة مُفاضلتها بين حب الموسيقي اللاجئ يوسف، الذي عشقته وتولّدت إمكانية العلاقة معه، وبين أسر المليونير الفرنسي الذي تعرفُ أنها لن تكون سوى عشيقةً له، يتحكّم حتى في لباسها، من خلال أمان توفير وظيفة لها تمنع طردها.
مثلما يلحظ القارئ ويعيش مع أبطال «لو شاتو» على اختلاف طبائعهم وتاريخهم وسلوكياتهم حالة التعاطف الإنساني معهم، والأسى على حالهم عند طردهم من سكنهم إلى المجهول، رغم ما تولّد لديه من ثقة بفعل الرواية أنهم سيجدون مأوى آخر مثلما وجدوا ما فقدوا.
لنا عبد الرحمن: «ليالي سان دوني»
دار العين للنشر، القاهرة 2026
272 صفحة.
