دعا رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى جلسة تشريعية يومي الثلاثاء والأربعاء الواقع في 11 و12 آب 2026، وذلك لمناقشة 14 بندًا على جدول الأعمال. تُعدّ هذه الجلسة التشريعية الثانية التي يعقدها المجلس خلال العقد الاستثنائي الحالي الذي افتتح في الأول من حزيران. ولا بدّ من التذكير بأن جدول أعمال هذه الجلسة يتضمن بنودًا بقيت عالقة من الجلسة السابقة في تاريخ 15/7/2026 والتي لم تُناقش بسبب فقدان النصاب بعد انسحاب كتلة الجمهورية القوية.

وبالنظر إلى جدول الأعمال، وعلى الرغم من اقتصاره على 14 بندًا، إلّا أنّ البنود الواردة فيه قد تكون الأكثر دسامة وأهمّية خلال ولاية المجلس النيابي الممدّدة. فيتصدّر المشهد اقتراح قانون العفو العامّ ومعه اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام بالإضافة إلى رفع سن ترتيب المسؤولية الجزائية حتّى 14 عامًا. ماليًا، نلحظ على جدول الأعمال اقتراحًا فائق الأهمية يتمثّل بمشروع تعديلات هامّة على قانون إصلاح المصارف، بالإضافة إلى تمديد لمدّة 5 سنوات للمهل الموضوعة للأجانب المتملّكين عقارات في لبنان. كما يبرز على جدول الأعمال اقتراح قانون الإعلام المنتظر منذ سنوات.

تتوزّع بنود الجلسة على 7 مشاريع قوانين من الحكومة مقابل 7 مبادرات نيابية. ويكاد ينحصر جدول الأعمال بالمشاريع والاقتراحات التي أنجزت اللجان النيابية درسها، باستثناء مشروع قانون معجّل بتعديل سنّ المسؤولية الجزائية الدنيا والوارد من الحكومة. وقد أضيف هذا المشروع إلى جدول الأعمال تبعًا لجهودٍ بذلتْها وزارة العدل لهذه الغاية، علما أنه كان أحيل إلى لجنة الإدارة والعدل بتاريخ 25 شباط 2026 ولم تدرسه.  وعليه، يتواصل إقصاء الاقتراحات المعجّلة المكرّرة عن جداول أعمال جلسات الهيئة العامة للمجلس النيابي للشهر الخامس عشر تواليًا في توجّهٍ واضحٍ لدى إدارة المجلس النيابي لحصر عمل الهيئة في النظر في المبادرات التشريعية التي خضعت لدرس اللجان النيابية، وعمليا لتعطيل إحدى صلاحيات النواب التقليدية بتقديم اقتراحات معجلة مكرّرة. وما يزيد من خطورة هذا الأمر هو أنّ مجمل هذه الاقتراحات المعجلة المقدمة سابقا أو ستقدم ستضيع عمليا في حال استمرار هذه  الممارسة في أدراج البرلمان، طالما أنه لا يتم وضعها على جدول أعمال الهيئة العامة ولا إحالتها إلى اللجان المختصة لدرسها.  

وفي إطار رصده لأعمال البرلمان، يقدّم المرصد البرلماني في “المفكرة القانونية” تعليقاته حول بنود جدول الأعمال المُفترض مناقشتها خلال الجلسة، مرفقة بنسخة عنها لتمكين الرأي العام من الاطّلاع والتّعليق عليها، كما ومرفقة بتوصية للنواب حول التوجّهات الأمثل عند مناقشة كلّ مقترح. كما سيحيل القرّاء إلى تغطيات منفصلة تمّ نشرها حول أبرز المقترحات المتعلّقة في هذه الجلسة. 

انطلاقًا من ذلك، سنحاول إبراز مضمون جدول الأعمال وملاحظاتنا على بنوده في ما يلي تمكينًا للنواب من تكوين فكرة حوله ولإطلاع الرأي العام عليها. 

البند رقم 1:  اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان

من أهم البنود على جدول الأعمال اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان وفق الصيغة التي أقرّتها اللجان المشتركة في تاريخ 9/7/2026. وهي الصيغة التي تمّ مناقشتها على ضوء ملاحظات لجنة حقوق الإنسان ولجنة الإدارة والعدل اللتين كانتا قد أقرّتاه معدّلًا تباعا في تاريخيْ 23/2/2026 و2/6/2026.

ويرمي الاقتراح المقدّم من النواب الياس حنكش وأسامة سعد وبوليت يعقوبيان وجورج عقيص وفيصل الصايغ وحليمة القعقور وميشال الدويهي في 7/10/2025، إلى إلغاء عقوبة الإعدام أينما وردت، لا سيّما في قانون العقوبات، واستبدالها بالعقوبة القصوى التي تليها وهي الحبس المؤبد مع ظروف متشددة، على أنّ يستفيد المحكومون بالإعدام قبل صدور هذا القانون من مفاعيله. ويلحظ أنّ الاقتراح كان قد أعدّ بالتعاون مع “الهيئة اللبنانيّة للحقوق المدنية”. وكانت الأسباب الموجبة قد ركّزت أصلًا على “أنسنة العقوبات” باعتبارها مسؤوليّة حضاريّة في التخلّي عن القتل باسم القانون، بالأخصّ أنّ معالجة أسباب الجريمة تتمّ أوّلاً عبر تطوير سياسة الوقاية المُسبقة للحدّ من الجرائم، بعد أن تبيّن أنّ لا علاقة بين تطبيق الإعدام وردع الجريمة. 

وقد تبنت اللجان المشتركة النسخة الصادرة عن لجنة الإدارة والعدل مع بعض التعديلات، لتخلص إلى النتائج الآتية:

الأمر الأول، إنه يشكل وثبة قيمية في بنيان القانون اللبناني وقوامها إلغاء عقوبة الإعدام. 

الأمر الثاني، وهو إقرار مبدأ الاستبدال التلقائيّ لعقوبة الإعدام أينما وردت في النصوص الجزائية، ومؤدّاه محو هذه العقوبة بصورة رجعية. وقد أتى النص المقترح هنا متقدّما على النص كما عدّلته لجنة حقوق الإنسان التي كانت علّقت هذا الاستبدال على إثبات استيفاء الحقوق الشخصية، وعدم رفض هذا التخفيض من أيّ من ذوي الضحية (وتحديدا الأصول والفروع والزوج أو الزوجة). 

الأمر الثالث، وهو تحديد العقوبة البديلة بأنها “الأشغال الشاقّة المؤبّدة المشددة”. ويرشح ذلك عن استحداث عقوبة جديدة هي “الأشغال الشاقّة المؤبّدة المشددة” وإن لم يكن لهذا الاستحداث أي أثر عمليّ.

الأمر الرابع، وقد تفرّدت فيه اللجان المشتركة، وهو التشديد على أنّ المحكومين الذين تستبدل عقوبة الإعدام الصادرة بحقهم بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشدّدة “لا يستفيدون إلا من التخفيض المنصوص عليه في قانون تنفيذ العقوبات رقم 463/2002”. ويبدو أن اللجان المشتركة قد أضافت هذا البند كي تغلق الباب أمام استفادة المحكوم عليهم بالإعدام من التخفيض الذي قد يحصل تبعا لإقرار قانون العفو العام علاوة على استفادتهم من إقرار هذا القانون. 

وتشكّل موافقة اللجان المشتركة على إلغاء عقوبة الإعدام خطوةً هامّة على صعيد أنسنة قانون العقوبات وتكريس “الإنسان” كقيمة ذاتيّة، وإن تبقى هذه الموافقة مشُوبةً بتأكيد النص المقترح على عقوبة المؤبّد مع أشغال شاقّة مشدّدة. ويؤمل تاليًا أن تنتهي الهيئة العامّة لمجلس النواب إلى تصحيح هذا الخطأ بما يضمن انسجام النص المقترح مع معايير حقوق الإنسان. 

التوصية: إقرار القانون معدلًا لجهة إلغاء عقوبة الأشغال الشاقّة المؤبدة أو على الأقل تجنّب إعادة التأكيد عليها على الوجه الذي تقدّم.

للاطلاع على مسار الاقتراح:

اقتراح القانون الرامي الى الغاء عقوبة الاعدام في لبنان

للمزيد من المعلومات حول الاقتراح يمكن مراجعة تعليقات المرصد البرلماني عليه:

نواب يقدمون اقتراح قانون لإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان: ثمرة أولى لزيارة المقرر الخاصّ بالحقّ بالحياة

هل يلغي لبنان عقوبة الإعدام؟ قفزة إنسانيّة قبالة السّقوط الإسرائيليّ

“الإدارة والعدل” تنجز اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام: رسالة تقديس للحياة البشرية في لحظة قاتلة

إلغاء عقوبة الإعدام في محطاته الأخيرة: رسالة تقديس للحياة رغم الهفوات

البند رقم 2: اقتراح قانون الإعلام

على جدول أعمال الجلسة التشريعيّة اقتراح قانون الإعلام الذي انتهت من إعداده لجنة الإدارة والعدل وأقرّته اللجان المشتركة بعد عقد ونصف من الزمن. يتضمّن الاقتراح أحكامًا إيجابية من شأنها تعزيز حماية الصحافيّين وحرية التعبير وتنظيم وسائل الإعلام من قبل هيئة تتمتع بدرجة هامة من الاستقلالية. إلا أنه احتوى أيضا على سلبيّات تضاعفت في الصيغة الأخيرة للاقتراح كما أنجزته اللجان المشتركة.  

ويُسجّل للاقتراح، اعتماده لنظام الحرية في إنشاء المواقع الإلكترونية مع حصر نظام الترخيص والرقابة المسبقة وإلغاء رقابة الأمن العام على طباعة وإصدار ونشر المنشورات غير الدورية. كما يُخرج الاقتراح بعض الأفعال، مثل القدح والذم ونشر ما يُحظر نشره، من نطاق التجريم الجزائي، ويحيلها إلى المحاكم المدنية، وهو توجّه إيجابي ينسجم مع حماية حرية التعبير. كما يلغي الامتيازات الخاصّة بالرؤساء والموظّفين العامين ويوسّع حدود النقد المباح في قضايا القدح والذم، من خلال تمكين المدعى عليه من إثبات صحة الخبر المتعلق بالوظيفة أو بالمصلحة العامة للشخصيات العامة، ويلغي الجرائم المتصلة بالتحقير وإثارة النعرات وتعريض البلاد للمخاطر. ويسّجل أيضًا إيجابًا أنّ الاقتراح حصر التجريم بالتحريض على الكراهية والتمييز، إلا أنّه ربطه بمعايير الرباط بهدف الحدّ من التعسّف في تطبيق النصوص الجزائية.

إلى ذلك، يتضمّن الاقتراح موادّ هامّة ومفصلية لحماية الصحافيين، لا سيما من حيث حماية المصادر الصحافية والحرية النقابية واستقلالية التحرير والحماية من الاعتداءات واحترام مبدأ الضمير المهني وحق الوصول إلى المعلومات. وقد ورد في الاقتراح عددًا من الموادّ التي قد تسهم في تعزيز النزاهة الإعلامية والتزام المؤسسات الإعلامية بالمسؤولية الاجتماعية المترتبة عليها.

إلّا أنّ إيجابيات هذا الاقتراح، تُقابلها سلبيات أبرزها إلغاء فصل كامل عن تنظيم وسائل الإعلام العامّة بما ينذر بإضعاف دور هذا الإعلام وشلّ قدرته على أداء وظيفته، إلغاء اللجان المشتركة الضمانة الأساسية ضد احتكار الإعلام والتي كانت تمنع الشخص أن يتملّك أكثر من 10% من الحصص في الوسيلة الإعلامية. كذلك، ألغى الاقتراح الضمانات لمنع احتكار الإعلانات من خلال إلغاء الفقرة (ب) من المادة 66 التي كانت تنص على أنه “يحظر على قسم الإعلانات في شركات البث أو على شركات الإعلان المتعاقدة معها أن تربط إعلاناتها بصورة حصرية مع وسيط إعلان واحد”. إلى ذلك، أعادت اللجان المشتركة فتح باب الملاحقة الجزائية من خلال إعادة تجريم الخبر الكاذب ضمن مقاربة جزائية أكثر تشددًا. كما أغفل الاقتراح حظر التحقيق مع الصحافيين في القضايا الجزائية أمام جهات أمنية أو قضائية غير مختصة، ومنع التوقيف الاحتياطي للصحافيين في قضايا النشر غير الخاضعة لأحكام هذا القانون.

ونظرًا لأهمّية الموضوع، فقد أفردنا مقالات خاصة تُعالج أبرز الملاحظات المتعلّقة به:

اقتراح قانون الإعلام: بين الإصلاحات الإيجابية والأفخاخ الجديدة

التوصية: إقرار الاقتراح مع التعديلات التالية.

إعادة الفصل المتعلّق بتنظيم وسائل الإعلام العامة

إعادة فرض الحد الأقصى لملكية الحصص في الوسائل الإعلامية

تحديد عدد المؤسسات الإعلامية التي يُمكن أن يتملّك فيها أجانب

إعادة الفقرة (ب) من المادة 66 التي كانت تنص على أنه “يحظر على قسم الإعلانات في شركات البث أو على شركات الإعلان المتعاقدة معها أن تربط إعلاناتها بصورة حصرية مع وسيط إعلان واحد”

إلغاء تجريم الخبر الكاذب وإلا إخضاعه للمسؤولية المدنية

منع التحقيق مع الصحافيين في القضايا الجزائية أمام جهات أمنية أو قضائية غير مختصة، ومنع التوقيف الاحتياطي في قضايا النشر غير الخاضعة لأحكام هذا القانون

للاطلاع على الاقتراح ومساره:

اقتراح قانون الإعلام

البند رقم 3: اقتراح قانون يرمي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي

لا شك أن أهم اقتراح يناقشه المجلس هو العفو العام نظرا لخطورته وأبعاده الإشكالية وتداعياته على المجتمع. وقد أنهت اللجان المشتركة في تاريخ 19 أيار 2026 درس الاقتراح الذي قدّمته كتلة الاعتدال في نيسان من السنة نفسها. وإذ حافظت اللجان على بنيان الاقتراح، فإنها عدّلت مضمونه بصورةٍ محسوسة كما أعادت صياغة أسبابه الموجبة ضمن الروحيّة نفسها. 

وقد انتهت اللجان إلى صياغة توافقيّة بعد مساوماتٍ عدّة حول مضمونه، وخصوصا في الشق المتّصل بتخفيض العقوبات عن الجرائم المستثناة من العفو العامّ. وسرعان ما اتّضح أنّ موضوع هذه المُساومات ليس مسائل مبدئيّة إنّما الأثر العمليّ لما ينتج عنها من توافقات ولا سيما لجهة الإفراج عن جميع الموقوفين والمحكومين الإسلاميّين. وفيما دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى جلسة تشريعية للنظر في 27 بندا تشريعيا منها هذا الاقتراح يوم 21 أيار، فإنه عاد وألغى الجلسة على خلفية تحرّكات الشارع اعتراضا عليه، بعدما فهم أنه لا يؤدّي المطلوب لجهة الإفراج عن جميع هؤلاء. 

وكانت المفكرة القانونية قد سجلت اعتراضات على المنهجية المعتمدة، وأهمها حجب إشكالية الإفلات المعمم من العقاب واعتماد مبدئية العفو العام فضلا عن حصول المبادرة التشريعية بمنأى عن أي رؤية إصلاحية عامة. 

كما سجلت اعتراضات تفصيلية على الخيارات المعتمدة في صياغة الاستثناءات على العفو العام وخطورة صياغتها بصورة مبهمة، على نحو يؤدي إلى توسيع مشتملات العفو العام وبخاصة في مجال الفساد  في القطاع الخاص، من دون  أي مبرر واضح.   

ونظرًا لأهمّية الموضوع، فقد أفردنا مقالات خاصة تُعالج أبرز الملاحظات المتعلّقة به:

حين تنفتح خليّة العفو العامّ: عمل عدالة، لا استكمالٌ للجريمة

ملاحظات حول صيغة اللجان المشتركة حول العفو العام: مبرّرات هزيلة لعفوٍ شبه شامل

عود على بدء 2019-2026: أخطاء منهجيّة في مناقشة اقتراح العفو العامّ

التوصية: إعادة الاقتراح إلى اللجان المشتركة لدرسه على أساس منهجية واضحة وضمن رؤية إصلاحية عامة. 

للاطّلاع على الاقتراح ومساره والتعديلات الواردة عليه:

منح عفو عام عن بعض الجرائم

البند رقم 4: تعديل قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها

من أهمّ البنود على جدول الأعمال، مشروع القانون الذي أعدّته الحكومة لتعديل قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها. وقد سبق أن أقرّ هذا القانون قبل سنة تمامًا في 14/8/2025، إلّا أنّ ملاحظات من صندوق النقد وقرار المجلس الدستوري بإبطال بعض بنوده دفعا الحكومة إلى إعداد مشروع شامل لتعديل القانون على أساس هذه الملاحظات. ولم يُكتفِ بإرسال مشروع تعديلي وحيد، بل وصل المجموع إلى صيغتي مشاريع أرسلتها الحكومة إلى مجلس النواب لمناقشتها في لجنة المال والموازنة بناء على ملاحظات متكررة من صندوق النقد. وبعدما كان المشروع الأوّل يحاول تعديل 23 مادّة من القانون الصادر، رمى المشروع الجديد إلى تعديل 28 مادّة منه. واللافت أنّ الحكومة لا تبرّر في أسبابها الموجبة في المشروعيْن التعديلييْن أسباب طلبها للتعديل، بل تُعيد وتكرّر الأسباب الموجبة التي أوردتها في مشروع القانون الذي أقر، أيْ أنّ الحكومة لا تجد نفسها مضطرّة لتبرير تخبّطها التشريعي في هذا الخصوص والذي قد يفسر إلى حدّ ما في ممانعة النواب في قبول الإصلاحات المطلوبة والتي يتمسك فيها صندوق النقد الدولي، وخصوصا الإصلاحات التي يتحفظ عليها حاكم مصرف لبنان. ويلحظ هنا أن الحكومة وجهت من خلال وزارة المالية إلى لجنة المال مراسلة وردتها من صندوق النقد الدولي تؤكد لها أنّ الصيغة النهائية التي أرسلتها الحكومة تتوافق مع أفضل الممارسات العالمية best practices في هذا الإطار، وكأنها بذلك تحذر لجنة المال من خطورة المجازفة إدخال تعديلات على المشروع، بما يهدد احتمال إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي، محملة إياها المسؤولية كاملة من جراء ذلك.

وبخلاف ما جرى عند مناقشة مشروع قانون الحكومة السابق في 2025، حيث تمحور النقاش حول عضوية الهيئة المصرفية العليا في غرفتها الثانية وبخاصة لجهة ضمان عدم هيمنة حاكم مصرف لبنان أو الحكومة عليها أو تمثيل المصارف فيها، فإن النقاش احتدم في مناسبة مناقشة مشروع الحكومة الحالي حول صلاحيات الهيئة ومدى تداخلها مع صلاحيات المجلس المركزي لمصرف لبنان. وهذا ما تجلى في مناقشة المادتين 3 (الهدف من القانون) و11 (منح الهيئة المصرفية العليا إمكانية مطالبة المجلس المركزي إصدار تعاميم لتنظيم إجراءات تنفيذ هذا القانون) من المشروع. إذ تمسّك حاكم مصرف لبنان بضرورة إبقاء هدف القانون المشار إليه في المادة 3 تحت سقف المادة 70 من قانون النقد والتسليف بما يحفظ للمجلس المركزي في مصرف لبنان اليد الطولى في ممارسة الصلاحيات المتصلة بالنقد وتنظيم المصارف. وقد حذّر الحاكم بشكل خاص من أثر تداخل وتعارض الصلاحيات على نجاعة القانون. كما تمسك بأن بإمكان الهيئة المصرفية العليا أن توصي المجلس المركزي لمصرف لبنان بإصدار تعاميم، لا أن تطلب منه ذلك بما يوحي أنه يأتمر بها كما ورد في المشروع الحكومي. وقد سعت اللجنة إلى الحصول على رأي من صندوق النقد الدولي بشأن التعديلات على المادتين 3 و11 من المشروع والتي أصرّ عليها حاكم مصرف لبنان واعتمدتها إلا أن صندوق النقد الدولي عاد ليؤكد موافقته على مشروع قانون الحكومة من دون إبداء رأي واضح بشأن التعديلات المقترحة عليه، حسبنا ورد في تقرير لجنة المال والموازنة. 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخلاف الحاصل في مناقشة هذا المشروع يخفي خلافًا أعمق حول الدور الذي يجدر أن يؤديه مصرف لبنان ليس فقط في معالجة الأزمة المالية التي يتحمل مسؤولية كبيرة في التسبب بها بل أيضًا في تنظيم المصارف مستقبلًا على ضوء التجارب العالمية والتجربة اللبنانية الكارثية. وهو أمر لا بدّ أن يطرح عند فتح ورشة مستحقة أخرى هي ورشة تعديل قانون النقد والتسليف. وهذا ما أشار إليه الخبير في شؤون مصرف لبنان توفيق شنبور في عدد من مقالاته حيث أكّد أن استقلاليّة المصرف المركزي ترسخت تاريخيا بهدف تحقيق أمرين اثنين هما حمايته من محاولة السلطة إملاء قرارتها عليه في موضوع إقراضه لها ما تحتاجه من أموال وأيضا فيما خصّ استعماله أدوات السياسة النقدية لتحقيق الاستقرار في أسعار الصرف كما الاستقرار الاقتصادي وفي مقدمتها تحديد معدّل الفائدة. بالمقابل، فإن تنظيم المصارف، والذي قد يعهد به للمصرف المركزي، فليس من صلب مهامه ويحتمل بل يفضل أن يعهد به إلى هيئات أخرى كما هو الأمر في سويسرا وألمانيا. وعليه، فإن أيّ طلب أو توصية قد يأتي من الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية)، المعنية بإصلاح التعثر المصرفي، إلى مصرف لبنان لا يمكن وصفه وفق شنبور بأنه مساس باستقلالية الأخير. وقد ذكر شنبور أن إنشاء “لجنة الرقابة على المصارف” إنما تمّ أصلا في 1967 تبعا لأزمة مصرف إنترا وبعدما رفع النائب الراحل ريمون إدّه الصوت بأن مصرف لبنان كان عند تأسيسه يملك كل الصلاحيات لرقابة عمليات هذا المصرف لكنه لم يحسن الرقابة وعليه يجب فصل رقابة المصارف من صلاحيّات مصرف لبنان ومنحها لهيئة مستقلّة عنه هي لجنة الرقابة على المصارف. وقد حصل هذا الأمر من دون أن يعترض أحد بحجّة استقلالية مصرف لبنان  أو المسّ بالتماسـك المؤسّســي للأخير وبوحدته على النحو الذي يحتج به راهنا الحاكم سعيد.

وكانت المفكرة القانونية سباقة في نشر مقالين في 11 آب 2025  و6 حزيران 2026 عن قانون إصلاح وضع المصارف، دعت فيهما إلى فصل الأنشطة المتعلقة بالمصارف عن مصرف لبنان وحصر مهامّ الأخير بشؤون النقد على النحو المعمول به في بلدين رائدين بالاستقرار المصرفي هما ألمانيا وسويسرا. والحجّة الاولى أن الأزمة ما كانت لتحصل لو كان هذا الفصل قائما لأن السلطة المصرفية ما كانت لتسمح لحاكم مصرف لبنان أن يستجلب دولارات المودعين لدى المصارف إلى صناديقه تحت أيّ عذر من الأعذار ولو من خلال تشويه تفسير النصوص القانونية  كما حصل، والحجة الثانية عدم ملاءمة تولي حاكم مصرف لبنان أي منصب قيادي يتعلق بالبتّ بموضوع إصلاح المصارف المتعثرة باعتبار أن لمصرف لبنان دور أساسي في هذا التعثر، وهو أمر لم يشهد تاريخ العثرات المصرفية مثيلا له،  وتجاوز هذا الامر يكون كمن يثبت لأحد المتخاصمين صفة الخصم والحكم بآن واحد. 

للاطلاع على التعليقات على المشروع : 

الإيجابيّ والسلبيّ في التعديلات المقترحة لقانون إصلاح وضع المصارف

استقلالية ملتبسة لمصرف لبنان يروج لها الحاكم سعيد

مشروع لتعديل قانون إعادة تنظيم المصارف: تغيير تركيبة الهيئة بصمت

مشروع حكومي ثانٍ لتعديل “إصلاح المصارف”: نهج التشريع المتدحرج عملا بمتطلبات صندوق النقد الدوليّ

التوصية: إقرار مشروع القانون، بخاصة لجهة تعديل عضوية الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) مع اعتماد نصّ المادتين 3 و11 كما وردتا في المشروع الحكومي عملا بتوصيات صندوق النقد الدولي، وذلك تمكينا للهيئة المذكورة من القيام بعملها في معالجة أوضاع المصارف المتعثرة من دون عرقلة أو تدخل من  المصرف المركزي. ولا يرد على ذلك بما يثيره حاكم مصرف لبنان من مس باستقلاليته، طالما أنه من المتفق عليه عالميا أن استقلالية المصارف المركزية ترتبط بسياسة النقد وإقراض الحكومة حصرًا فيما أن إصلاح أوضاع المصارف ليس من مهامها الأساسية بل يستحسن أن تناط بهيئات أخرى كما هي الحال في سويسرا وألمانيا. وهذا الأمر ينطبق من باب أولى في وضعنا الحالي، حيث يتحمل مصرف لبنان مسؤولية أساسية في التسبب بالأزمة المصرفية والمالية التي يهدف مشروع القانون إلى تجاوزها.  

للاطلاع على المشروع ومساره والتعديلات الواردة عليه:

مشروع القانون الذي أعدّته الحكومة لتعديل قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها. 

البند رقم 5: اقتراح القانون الرامي إلى تسوية أوضاع رتباء وأفراد الضابطة الجمركية

نجد هنا اقتراح القانون المقدّم من عشرة نواب وهم أمين شري، إبراهيم كنعان، بلال عبد الله، جهاد الصمد، فريد البستاني، فؤاد مخزومي، محمد سليمان، غسان عطالله، أشرف بيضون وبلال الحشيمي بتاريخ 22/7/2025. ويرمي، خلافاً لأي نص آخر عام أو خاص، إلى ترقية الرتباء والأفراد التابعين لجهازي المكافحة البريّة والبحريّة، كذلك للجهازين الإداري والفني في الملاك العام للضابطة الجمركية، إلى الرّتبة الأعلى، كلّ بحسب اختصاصه، وفقاً للآلية المنصوص عليها في الاقتراح.

ويضيف الاقتراح أن الرتب الممنوحة تُعطى أقدميّة وفقاً لأحكام المادة 29 (التي تحدد المدة المطلوبة قانوناً للترفيع لرتبة أعلى) من قانون تنظيم الضابطة الجمركية، على ألا يترتّب من جراء تطبيقه أي مفاعيل مالية رجعية، وأن تسري رواتب وتعويضات الرتباء والأفراد وفق رتبهم الجديدة اعتباراً من تاريخ نفاذ هذا القانون.

كما ينص الاقتراح على إدراج المستفيدين من أحكامه على جداول الترفيع من قبل المجلس الأعلى للجمارك بناءً على اقتراح مدير عام الجمارك، الذي يتولى إصدار الأوامر الإدارية اللازمة لترفيعهم وفقًا للأصول النظامية، مع مراعاة وضعيّة كل منهم من حيث الأقدميّة في الرتبة.

وأخيراً، يستثني الاقتراح من أحكامه الرتباء والأفراد الذين فُرضت بحقهم عقوبات تأديبية خلال السنة الأخيرة التي تسبق صدور القانون.

تشير الأسباب الموجبة إلى أن المادتين 29 و30 من قانون تنظيم الضابطة الجمركيّة تحدّدان مدة الخدمة المطلوبة للترفيع إلى رتبة أعلى، والشروط الواجب توافرها لدى الإدارة لإجراء الترفيع، ومنها تنظيم مباريات ودورات تنشئة عسكريّة ومهنيّة. وتضيف الأسباب أن الإدارة لم تتمكّن من تنظيم هذه الدورات والترقيات لأسباب قاهرة، أبرزها الأوضاع الصحيّة والاقتصاديّة التي مرّ بها لبنان في ظل تفشي جائحة كورونا، وعدم توفّر الاعتمادات اللازمة، ما انعكس سلبًا على معنويات العناصر الذين بات معظمهم مستوفيًا شروط الأقدمية للترقية. وأدى ذلك إلى نشوء فروقات كبيرة بينهم وبين عناصر ورتباء القوى الأمنية الأخرى، وصلت في بعض الأحيان إلى ثلاث رتب.

وتضيف الأسباب أن هذا الواقع يشكّل إخلالاً بمبدأي العدالة والمساواة، ويؤثّر سلبًا على الروح المعنوية لعناصر الضابطة الجمركية ويسبب لهم ارباكاً واحراجًا وظيفيًا واجتماعيًا، ينعكس على إنتاجيتهم وأدائهم الوظيفي.

وتختم الأسباب أن الاقتراح لا يرتّب أعباء مالية رجعيّة على الخزينة، وأن كلفته السنوية تبقى محدودة نظرًا إلى ضآلة عديد الضابطة الجمركية.

وقد أُدرج على جدول أعمال لجنة الدفاع الوطني والداخلية والبلديات، التي أقرّته كما ورد بتاريخ 16/9/2025.

كما أُدرج على جدول أعمال لجنة المال والموازنة التي أقرّته معدّلًا بتاريخ 29/6/2026، حيث أضافت فقرة إلى المادة الأولى (أولً)، تنصّ على اشتراط اجتياز، المستفيدين من أحكام هذا الاقتراح، “بنجاح دورة تنشئة يحدّد نظامها مدير الجمارك العام بالاتفاق مع السلطات المختصّة، كشرط أساسي للاستفادة من الترقية المنصوص عليها في القانون. في المقابل، استثنت من هذا الشرط، أولئك الذين سيُحالون حُكمًا على التقاعد لبلوغهم السنّ القانونية خلال سنة من تاريخ نفاذ هذا القانون.

إلّا أنّ هذا الاقتراح يشابه اقتراحات أخرى كان البرلمان قد أقرّها وتمّ الطعن بها أمام المجلس الدستوري الذي اعتبرها مخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات المكرس في مقدمة الدستور، وذلك في القرارات 10 و12 و13 الصادر سنة 2025. وكان المجلس في قراره رقم 10 أكّد أنّ “لمجلس النواب صلاحية مراقبة الحكومة ومحاسبتها، وليس له بالتالي أن يحلّ محلها في ممارسة صلاحياتها، إذ تقتصر هذه الصلاحية على وضع القواعد العامة الناظمة للوظيفة العامة دون التدخل في تطبيقها”، ما يشمل بحسب المجلس الدستوري مسألة الترقيات. لذلك فإنّ الاقتراح في حال إقراره يكون معرّضًا للإبطال من للسبب عينه.

التوصية: رد الاقتراح نظرا لطابعه الاستثنائي ومخالفة مبدأ الفصل بين السلطات كما كرسته قرارات المجلس الدستوري.

للاطلاع على الاقتراح ومساره:

اقتراح القانون الرامي إلى تسوية أوضاع رتباء وأفراد الضابطة الجمركية

للاطلاع على تعليق المرصد البرلماني على هذا الموضوع، يمكن مراجعة المقال التالي:

اقتراحات بالجملة لتسوية أوضاع عسكريين وموظفين في القطاع العام: تعزيز للزبائنية وخرق للدستور

البند رقم 6: اقتراح القانون الرامي الى استيفاء رسم مالي مقطوع على معاملات التسديد المبكر لصالح المؤسسة العامة للإسكان

نجد هنا اقتراح قانون مقدّم من النائب سيمون أبي رميا بتاريخ 4 تشرين الثاني 2025، يرمي إلى استحداث رسم مالي مقطوع قدره مئة مليون ليرة لبنانية، يُسدّد اختياريًا من المُقترض لصالح المؤسسة العامة للإسكان، وذلك بهدف إنجاز معاملة فكّ التأمين عن القسم موضوع الدين في مهلة قصيرة، على أن تبقى إمكانية إنجاز المعاملات العادية متاحة وفق المسار الإداري العادي.

كما ينصّ الاقتراح على جواز تعاقد إدارة المؤسسة العامة للإسكان مع مؤسسات مالية وسيطة لتحصيل هذا المبلغ و”تسليم المواطن المستندات القانونية المطلوبة لفك التأمين وإبراء الذمّة ضمن مهلة” تُحدّد بقرار تنظيمي صادر عنها. 

تُبرّر الأسباب الموجبة الاقتراح بضرورة مواكبة المشرّع التطوّر الاجتماعي وإيجاد حلول عمليّة تُسهّل معاملات المواطنين، تُخفّف الضغط عن الجهاز الإداري للمؤسسة، فضلًا عن زيادة إيرادات المؤسسة، معتبرة أن فرض أي رسم مالي يستوجب أساسًا قانونيًا واضحًا.

كما تُشير الأسباب الموجبة إلى أنّ الأزمة الاقتصادية والإقفال القسري المتكرّر للإدارات العامة قد انعكسا سلبًا على أداء المؤسسة العامة للإسكان، التي تعاني نقصًا حادًا في ملاكها الوظيفي، إذ يعمل الجهاز الإداري حاليًا بنسبة لا تتجاوز 17% من عديده، ما أدّى إلى تراكم عشرات آلاف المعاملات.

وقد أُدرج على جدول أعمال جلسة المال والموازنة التي أقرًته معدلًّا بتاريخ 29/6/2026. فقد عمدت هذه اللجنة أولًا، إلى تعديل عنوان الاقتراح ليصبح: “إعطاء المقترضين من المؤسسة العامة للإسكان حق الخيار في تسوية الفوائد المترتبة على القروض السكنية والحصول على براءة الذمّة”.

كما أدخلت اللجنة تعديلات جوهرية على الصياغة والمضمون، تمثّلت بصورة أساسية في توضيح الآليتين المعتمدتين لتسوية الفوائد المترتّبة على القروض السكنيّة بهدف تمكين المقترضين من الحصول على براءة الذمّة. كذلك حدّدت مهلة لإصدار هذه البراءة، فأضافت موجباً على عاتق المؤسسة العامة للإسكان يقضي بإصدارها وتسليمها خلال مدة أقصاها أربعة أشهر من تاريخ تسديد المبلغ المقطوع واستكمال المستندات المطلوبة.

وأخيراً، ألزمت اللجنة المؤسسة العامة للإسكان بوضع الآليات التنفيذية اللازمة لتطبيق أحكام هذا الاقتراح خلال مهلة شهرين من تاريخ صدوره.

التوصية: رد الاقتراح لما يولده من تمييز في الخدمات العامة انطلاقا من القدرة المالية. 

للاطلاع على تعليق المرصد البرلماني على هذا الموضوع:

اقتراح لاستحداث رسم خدمة سريعة لصالح الإسكان: حل ظرفي يكرّس التمييز بين المواطنين

للاطلاع على الاقتراح ومساره:

اقتراح القانون الرامي الى استيفاء رسم مال مقطوع على معاملات التسديد المبكر لصالح المؤسسة العامة للإسكان

البند رقم 7: مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 1917 الرامي إلى تعديل بعض مواد القانون رقم 449 تاريخ 17/8/1995 (تنظيم شؤون الطائفة الإسلامية العلوية في لبنان)

على جدول أعمال الهيئة الجلسة، مشروع القانون الرامي إلى تعديل عدد من مواد القانون رقم 449 الصادر سنة 1995 القاضي بإنشاء والتنظيم المجلس الإسلامي العلوي المرسل بالمرسوم رقم 1917 والذي أنجزت لجنة الإدارة والعدل دراسته في تاريخ 13/1/2026. وقد درست اللجنة إلى جانب هذا المشروع اقتراح قانون مقدّم من النائب حيدر ناصر يقوم بتعديلات جذريّة تقضي بحلّ المجلس العلوي الحالي وإعادة إنشائه على أساس قانون جديد بالكامل، يؤمّن ديمقراطيّة أكبر في تشكيل الهيئة العامّة للطائفة إلّا أنّه ينشئ نظام حصانات لرجال الدين العلويين يشكّل سابقة قانونية بالنظر إلى الطوائف الأخرى ويشترط لملاحقتهم الاستحصال المسبق على إذن سلطتهم الطائفيّة كما يلغي الرقابة القضائية على أعمال المجلس العلوي ويجعل منه سلطة رقابية بحيث لا يمكن تناول شؤون الطائفة إلا بعد الحصول على موافقته. ولا شك أن كل هذه الأحكام لا مثيل لها في التشريعات الخاصة بالطوائف وهي بالتالي تؤدي إلى توسيع صلاحيات السلطات الطائفية وتحد من حرية المواطنين وحقهم الدستوري بالتعبير عن رأيهم.

لكن لجنة الإدارة والعدل ارتكزت بالفعل على مشروع القانون في تقريرها وأهملت بشكل كبير اقتراح النائب ناصر. وبالتالي أتى النص الذي اقرته اللجنة مشابهًا لمشروع الحكومة مع إدخال بعض التعديلات على تكوين الهيئة العامة وعضويتها من خلال توسيعها لتشمل عدد أكبر من العاملين في نقابات المهن الحرة وغيرهم، وقد عدّلت اللجنة الفقرة المتعلّقة بعضوية رؤساء المجالس البلديّة ففتحت المجال أمام رؤساء المجالس البلديّة في القرى والبلدات من العلويين بعدما كان المشروع يحصر ذلك بممثلَيْن منتخبَيْن عنهم، يضاف إليهم رؤساء وأعضاء المجالس البلديّة في مراكز المحافظات والأقضية كما ينص المشروع أصلًا. واعتمدت اللجنة أيضًا ما جاء في المشروع لناحية تعديل مدة ولاية رئيس المجلس لتمتد حتى إتمامه السبعين من العمر، كلّ ذلك من دون تغيير جذري في طبيعة القانون رقم 449. 

لا بدّ من الإشارة إلى أنّه في جلسة 16 تموز التي طرح فيها هذا المشروع على الهيئة العامة (مع مشروع آخر يكتفي بتعديل اسم المفتي العلومي إلى متولّ)، حصل نقاش مقتضب شارك فيه النائب عن المقعد العلوي حيدر ناصر معبّرًا عن اعتراضه على المشروع الذي لا يوجد عليه توافق داخل السلطات الطائفية على حدّ قوله وطالب بإعادته إلى اللجان، فيما كان النائب عن المقعد العلوي أحمد رستم مؤيّدًا لإقرار المشروع وقد أشار إلى أنّه نال موافقة المجلس الإسلامي العلوي. في النهاية، وبمبادرة من النائب مروان حمادة، تمّت إعادة المشروع إلى اللجان بحثًا عن توافق بين جميع أبناء الطائفة المعنيين. وإذ لم يرد مشروع القانون على جدول أعمال اللجان بين الجلسة السابقة والجلسة الحالية التي سيعاد طرحه فيها، كان من اللافت أن المجلس العلوي أرسل بتاريخ 3 آب 2026 كتابًا إلى مجلس النواب جرى إرفاقه بنصّ مشروع القانون، اعتبر فيه أنّ المشروعين المقدّمين لتعديل قانون الطائفة يمكن اختصارهما بالمشروع الذي أحالته الحكومة بموجب المرسوم رقم 1917 كونه “الأوسع والأشمل والمتضمن للمشروع السابق” عملا بمبدأ وحدة التشريع. ويقول الكتاب، الذي حمل أيضا توقيع النائب أحمد رستم بوصفه عضوا في الهيئة التنفيذية، أنّ المشروع المرسل بالمرسوم 1917 قد أشبع درسًا في لجنة الإدارة والعدل وصدر تقرير بشأنه، وختم طالبًا من رئيس مجلس النواب إدراجه على جدول الأعمال أول جلسة تشريعية قادمة. 

البند رقم 8: تمديد المهل الواردة في قانون تملّك الأجانب لمدّة خمس سنوات

ورد على جدول أعمال الهيئة العامّة، مشروع قانون لتعديل المادة 11 من قانون تملّك الأجانب في لبنان بحيث تمدّد لمدّة 5 سنوات المهل المنتهية وغير المنتهية بموجبه. ومن المعلوم أن المادة 11 تفرض على كل شخص غير لبناني تملّك عقارا بموجب ترخيص، أن يشيد البناء أو أن يخصص العقار المشترى للغاية التي منح الترخيص من أجلها؛ فضلا عن أنها ترتّب على مخالفة هذا الالتزام جزاءً صارمًا يتمثّل في سقوط أو إلغاء الحق العيني وبيع العقار من قبل وزارة المالية، مع مصادرة كامل الربح الناتج عن البيع لمصلحة الخزينة، بعد إعادة الثمن الأصلي والنفقات القانونية إلى صاحب الحق. كما أنها ترتب استحقاق غرامة  سنوية تراكمية بنسبة 2% من قيمة العقار تسجل على الصحيفة العقارية بمثابة دين ممتاز لمصلحة الخزينة.  

وقد تمّ تبرير المشروع ب “أن المرافق العامة في لبنان أقفلت أبوابها مرات عديدة بسبب عدة عوامل ومنها الإضرابات المتكررة لموظفي الإدارة العامة، مما أدّى إلى تأخر معاملات المواطنين أو حتى عدم تمكنهم البدء بهذه المعاملات ومن بينها الحصول على مستندات تجيز لأصحاب العلاقة التشييد على عقاراتهم وفقاً لما نص عليه القانون”، و”أن الأوضاع غير المستقرة في المنطقة وتأثيرها المباشر على لبنان حمل أصحاب الحقوق العينية العقارية من غير اللبنانيين التريث في إقامة الإنشاءات من المهلة المحددة قانونا”.  

وقد تم إحالة مشروع القانون إلى لجنة المال والموازنة التي أنجزت درسه في جلسة وحيد في تاريخ 3/8/2026 داعية إلى المصادقة عليه كما ورد من الحكومة من دون أي تعديل.  

وقبل المضي في إبداء ملاحظاتنا على هذا الاقتراح، يجدر التنبيه إلى الأمور الآتية: 

إن التعديل المقترح كان قد ورد ضمن قانون موازنة عام 2026، إلا أن المجلس الدستوري عمد إلى إبطاله باعتباره من “فرسان الموازنة”، أي من الأحكام التي لا تمتّ بصلة مباشرة إلى قانون الموازنة ولا يجوز تمريرها ضمنه. 

إن التعديل المقترح يؤدي ليس فقط إلى تمديد المهل التي لم تنته بعد، إنما يشمل علاوة على ذلك وبصورة رجعية المهل التي انقضت حتى ولو كانت انقضت قبل عقود. وهذا الأمر إنما يؤكد أن الدافع الحقيقي لمشروع القانون يختلف تماما عن أسبابه المعلنة التي تبدو مجرد ذرائع لا تنطبق إلا على عدد قليل من التراخيص.  

وبالنظر إلى أهميته، أفردنا لهذا المشروع تعليقا خاصا ناقشنا فيه المنهجية التشريعية القائمة على تغطية مخالفات امتدت طوال نصف قرن من دون أي دراسة للأثر الاقتصادي والمالي أو على عائدات الخزينة العامة.  

التوصية: وجوب إحالة مشروع القانون إلى اللجان، مع الطلب إلى ديوان المحاسبة بتنظيم تقرير عن حجم العقارات التي قد يشملها مشروع القانون هذا وعن أثره الاقتصادي والمالي وعلى عائدات الخزينة العامة؛ وفي حال الإصرار عليه، في وجوب حصر منح مهلة جديدة للأجانب الذين لم تنتهِ المهلة المحددة قانونا من تاريخ حصولهم على الترخيص أو على الأقل الذين لم تكن انتهت عند حصول الأزمة المالية والاقتصادية في تشرين الأول 2019. 

للاطّلاع على مشروع القانون ومساره:

تعديل المادة 11 من القانون المنفذ بالمرسوم رقم 11614 تاريخ 4/1/1969 (اكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية)

البند رقم 9: مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 13046 الرامي إلى طلب الموافقة على إبرام اتفاق بين الجمهورية اللبنانية والأمم المتحدة ممثلة بمكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بشأن مكتب إقليمي لمنظمة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لبنان.

على جدول أعمال جلسة الهيئة العامة، مشروع قانون قديم أحيل بالمرسوم رقم 13046 بتاريخ 29 شباط 2024 الرامي إلى طلب الموافقة على إبرام اتفاق بين الجمهورية اللبنانية والأمم المتحدة ممثلة بمكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان من أجل إنشاء مكتب إقليمي للمفوضية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لبنان.

تبرر الأسباب الموجبة تقديمه بضرورة استصدار قانون عملًا بالمادة 52 من الدستور لإبرام هذا الاتفاق، كما أن إبرامه من شأنه تعزيز وحماية حقوق الإنسان الأساسية بالإضافة إلى تسهيل تنفيذ الالتزامات المتعلّقة بحقوق الإنسان التي تعهدت بها الحكومات في المنطقة. كما من شأنه تعزيز الدورة الاقتصادية فيه سواء من خلال وجود موظفين تُدفع رواتبهم واستئجار مكاتب للعمل وتنظيم ندوات ومؤتمرات (…). وأخيرًا تشير الأسباب أن هذا الاتفاق لا يُلزم لبنان بتوفير “المقار-Premises” له وستُغطي أنشطة المكتب المذكور منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باستثناء إسرائيل ولن يكون في عداد موظفيه أو خبرائه من يحمل حنسية “معادية”.

أُدرج هذا المشروع على جدول أعمال لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين التي أقرته كما ورد، بتاريخ 25/9/2025.

كما أُدرج على جدول أعمال لجنة حقوق الإنسان التي أقرّته أيضًا كما ورد بتاريخ 15/10/2025، مع التوصية للحكومة التركيز في الأسباب الموجبة على تعزيز قدرة التدخّل المباشر وسرعة التفاعل مع الانتهاكات والقضايا الطارئة في المنطقة، تحسين جمع البيانات ورصد الانتهاكات من خلال عمل ميداني يكون أكثر قدرة على جمع معلومات موثوقة ومحدّثة حول حقوق الإنسان ما يساعد في إعداد تقارير دقيقة موثوقة، بناء قدرات وتطوير آليات الحماية، الاستجابة السريعة للأزمات الإنسانية والسياسية، زيادة الوعي العام بحقوق الإنسان، وتوفير الرقابة الدولية ومساءلة الجهات المنتهكة.

التوصية: لا مانع في إقرار المشروع الذي يعزز مكانة لبنان كمركز إقليمي. 

للاطّلاع على الاقتراح ومساره والتعديلات الواردة عليه:

مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 13046 الرامي إلى طلب الموافقة على إبرام اتفاق بين الجمهورية اللبنانية والأمم المتحدة ممثلة بمكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بشأن مكتب إقليمي لمنظمة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لبنان.

البند 10: مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 889 الرامي إلى تعديل المادة الخامسة من القانون المعجّل رقم 42 تاريخ 24/11/2015 (التصريح عن نقل الأموال عبر الحدود)

على جدول أعمال الجلسة، مشروع القانون المعجّل الوارد بالمرسوم رقم 889 تاريخ 14/8/2025، يرمي إلى تعديل المادة الخامسة من قانون التصريح عن نقل الأموال عبر الحدود (القانون 42/2015). ويهدف المشروع إلى رفع الغرامة المالية المفروضة على كل من أدلى بتصريح أو إفصاح كاذب أو امتنع عن التصريح أو الإفصاح، لتصبح “25% من قيمة الأموال القابلة للتداول المنقولة المحجوزة غير المصرّح/ المُفصح عنها أو تلك الزائدة عن المبلغ المُصرًح/ المُفصح عنه وفقاً للحال، وعند التكرار تصبح الغرامة المالية تساوي 50%”.

تشير الأسباب الموجبة المرفقة بأن “التقرير المتبادل حول تدابير مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب للجمهورية اللبنانية الذي صدر بنتيجة عملية التقييم التي خضع لها لبنان من قبل “مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، بالاستناد لمنهجية معتمدة من قبل مجموعة العمل المالي (Financial Action Task Force أو “فاتق”) لتقييم جميع البلدان، أظهر أن هناك إجراءات تصحيحية مطلوبة من قبل العديد من الجهات اللبنانية المعنية وحاجة لمقاربة شاملة لتنفيذها، فضلاً عن الحاجة لإجراء بعض التعديلات في القوانين والتشريعات النافذة”.

وتتابع الأسباب أن لبنان لم ينفذ كافة هذه الإجراءات ضمن المدة الزمنية التي منحت له، لذلك تم وضعه على لائحة الدول التي تخضع للرقابة المعززة (اللائحة الرمادية) من قبل “فاتق” بتاريخ 25/10/2024.

وعليه “يتوجب على لبنان اتخاذ كافة الإجراءات التصحيحية المطلوبة منه لحذفه عن هذه اللائحة بما في ذلك تعديل قيمة الغرامة المالية موضوع المشروع كونها حالياً غير كافية ومتناسبة ورادعة للمخالفين”.

نتيجة لما تقدّم، يمكن إبداء الملاحظات التالية:

أولاً، لا بد من التذكير أن القانون رقم 42/2015 قد أرسى آلية تصريح إلزامية عن الأموال النقدية المنقولة عبر الحدود، وذلك في إطار مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وقد نصّت المادة الثانية منه على وجوب التصريح/ الإفصاح للسلطات الجمركية عند دخول أو مغادرة الأراضي اللبنانية، في حال كانت قيمة الأموال النقدية المحمولة تتجاوز مبلغ 15.000 دولار أميركي أو ما يعادلها بعملات أخرى.

ثانياً، من أبرز مبرّرات مشروع تعديل القانون، تعزيز مبدأ تناسب العقوبة بهدف ردع المخالفين. ويعتبر هذا التعديل إيجابياً بحيث يعمد إلى رفع الغرامة الماليّة المنصوص عليها في المادة الخامسة من القانون (موضوع التعديل)، والتي لا تزال حتى تاريخه لا تتجاوز عشرة ملايين ليرة لبنانية، وهو مبلغ بات زهيداً جداً وغير رادع خاصة في ظل التدهور الكبير في قيمة العملة الوطنية، الأمر الذي يساهم أيضا بتعزيز ايرادات الخزينة.

ثالثاً وأخيراً، الإيجابية الثانية لهذا المشروع تكمن في الحدّ من الاستنسابية في فرض العقوبات المالية من قبل السلطات الجمركية. إذ إن المادة الخامسة من القانون المراد تعديله، تمنح السلطة الجمركية صلاحية تقدير الغرامة المناسبة – على ألا تتعدى عشرة ملايين ليرة لبنانية – دون تحديد معايير واضحة أو ضوابط موضوعية لتحديد مبلغ الغرامة. فيأتي هذا المشروع ليعالج هذا الخلل من خلال وضع نسبة مئوية تُفرض على المخالف.

لا بدّ من التذكير أن هذا المشروع يأتي في سياق التشريعات التي أقرها مجلس النواب سنة  2015 في ظل الشغور الرئاسي حينها بطلب من جهات أميركية من أجل مكافحة تبييض الأموال، علما أن الجرائم والمخالفات التي تتعلق بنقل الأموال عبر الحدود لا تقتصر على الأوراق والقطع النقدية التي يستهدفها مشروع الحكومة، لكنها تتعلق أيضا بالتحويلات التي جرت عبر المصارف، لا سيما بعد اندلاع الأزمة المالية في تشرين الأول 2019، والتي لا يزال التحقيق فيها حتى اليوم من دون نتائج واضحة. فمكافحة تهريب الأموال لا يجب أن تنحصر في الأفعال التي يقدم عليها بعض الأفراد لكنها يجب أن تطال أيضا النافذين الذين تمكنوا عبر شبكة علاقاتهم من تهريب ودائعهم، بينما جرى إرغام المواطنين العاديين على استجداء المصارف للحصول على النزر اليسير من أموالهم المحتجزة بشكل غير قانوني.

أُدرج المشروع على جدول أعمال لجنة المال والموازنة، فاستمعت اللجنة إلى شرح وزير المالية الذي أوضح أن تعديل قيمة الغرامات جاء استجابةً لمتطلبات مجموعة العمل المالي (FATF)، في إطار الإجراءات المرتبطة بوضع لبنان على اللائحة الرمادية، مشيرًا إلى أن التشدّد لا يتعلّق بمنع إدخال الأموال، وإنما بإلزام الأشخاص بالتصريح عن المبالغ التي تتجاوز خمسة عشر ألف دولار أميركي، وأن عدم التصريح يعرّض المخالف للغرامات المحدّدة في هذا المشروع. ثم ناقش النواب المشروع، حيث تم التأكيد على أهميّة اقراره، باعتبار أن ذلك يُسهم في تعزيز مكافحة جرائم تبييض الأموال والامتثال للمعايير الدولية لكن نسب الغرامات الموجودة في المشروع مرتفعة نسبيًّا ويجب تحقيق التوازن بين الردع والتناسب مع المخالفة. وعلى أثره، أقرته اللجنة بتاريخ 3/8/2026 بعد إدخال تعديل عليه، يقضي بتخفيض الغرامة المالية المفروضة من قبل السلطات الجمركية في حال الإدلاء بتصريح أو إفصاح كاذب أو الامتناع عن التصريح أو الإفصاح من 25% كما ورد في المشروع إلى 10%، كما خفّضت غرامة التكرار من 50% (كما وردت في المشروع) إلى 20%.

التوصية: يقتضي التثبت مما إذا كان مشروع القانون يؤدّي الغرض منه ومما إذا كانت الغرامة تعتبر رادعة ومتناسبة مع خطورة الفعل، في حال الأخذ بتخفيض الغرامة من 25% إلى 10% من المبالغ غير المصرّح عنها.  

للاطلاع على الاقتراح ومساره:

اقتراح القانون الرامي إلى تعديل المادة الخامسة من القانون المعجل رقم 42 تاريخ 24 تشرين الثاني 2015 (التصريح عن نقل الأموال عبر الحدود).

للاطلاع على تعليق المرصد البرلماني على هذا الموضوع، يمكن مراجعة المقال التالي:

مشروع لرفع غرامة الامتناع عن التصريح عن الأموال المنقولة عبر الحدود: تعديلات إيجابية لكن غير كافية

البند رقم 11: اقتراح القانون الرامي إلى ترخيص التعديل والإسكان للمستفيدين من “رخصة بناء مهجر”

على جدول أعمال الهيئة العامة، اقتراح قانون مقدّم في نيسان 2025 من نواب كتلة لبنان القوي سيزار أبي خليل – غسان عطاالله – وإدكار طرابلسي يرمي إلى إجازة الترخيص بالإسكان للمستفيدين من رخصة بناء مهجرين. يتضمّن الاقتراح مادة وحيدة تنصّ على إجازة إصدار تراخيص تعديل وإسكان للأبنية المشيّدة بموجب “رخصة بناء مهجرين”، والسماح بتسوية مخالفات البناء فيها مع تخفيض 40% من الرسوم. كما ينصّ على إعفاء الأبنية المستفيدة من هذه التعديلات والتسويات من رسوم الإنشاءات.

برّر مقدّمو الاقتراح في الأسباب الموجبة بأنه خطوة لتسهيل أمور اللبنانيين الذين أعادوا بناء منازلهم، وخطوة لتشريع هذه المنازل، بعد أن كان المجلس النيابي شرّع منح رخص بناء للمهجّرين لإعادة تشييد الأبنية التي دُمرت إبان الحرب الأهلية كما كانت عليه، وواجه بعضهم رفضاً لتعديل الرخص أو الحصول على رخص إسكان. 

إلا أن الحقيقة هو أن هذه المبادرة إنما تؤدي إلى منح امتياز جديد لمهجرّي الحرب الأهلية 1975-1990، ليس لواقعة التهجير أن تبرّره في حال من الأحوال. ففيما يفهم أن يمنح المهجّرون تسهيلات لإعادة تشييد أبنيتهم وفق القانون المحدد من مشرّع ما بعد الحرب (القانون رقم 322/1994) ، فإنه لا يفهم بالمقابل أن يسمح لهم باستغلال المنحة القانونية من خلال مخالفة شروطها. فبقدر ما تعبر المنحة الأولى عن تضامن اجتماعي ضروريّ تبعًا لمحنة التهجير، فإن السماح باستغلال هذه المنحة إنما يعكس جحوداً من قبل هؤلاء ومزيداً من التخلي من قبل الدولة عن صون الانتظام العام وفي مقدّمتها قوة القاعدة العامة التي يخضع أي استثناء عليها لتوفر مبرّرات موضوعيّة على ضوء مقتضيات المصلحة العامة. 

وما يزيد من قابلية هذا الاقتراح للانتقاد، هو أمران: (1) أن المشرع كان قد أقر في 2019 قانونًا أجاز تسوية مخالفات البناء خلال مدّة تقارب ستين سنة، وأنه يبقى من الممكن تسوية هذه المخالفة من خلال تنفيذ شروط هذا القانون. (2) أنه يخشى أن يشكل سابقة تشريعية لن تتوانى فئات أخرى من ضحايا التهجير والتدمير من استخدامها لاحقا بحجة المساواة، بحيث يطالبون بدورهم بتغطية جميع مخالفات البناء الحاصلة في إطار تنفيذ “رخص البناء” في المناطق المتضررة بفعل العدوان الإسرائيلي (القانون رقم 22/2025 المتعلق بإعفاء المتضررين من الاعتداءات الإسرائيلية)، مما يهدد الانتظام العام فيها.              

ويجدر التذكير هنا أن بأمرين: 

هذا الاقتراح كان قد أُدرج على جدول أعمال جلسة 24 نيسان 2025 حيث أسقطت صفة العجلة عنه وتم إرساله إلى لجنة الأشغال العامّة، 

 أن لجنة الأشغال العامة قد عدّلته بتاريخ 18 أيلول 2025 وفقا للنقاط التالية: حصر مهلة نفاذ القانون بثلاث سنوات من تاريخ صدوره، ووضع الضوابط للتأكد من سلامة البناء من الناحية الإنشائية وذلك عبر اشتراط إرفاق طلب التعديل والإسكان بإفادة صادرة عن إحدى نقابتي المهندسين موقّعة من مهندس مدني، وحصر الاستفادة من القانون لجهة ترخيص التعديل والحصول على رخصة إسكان بالحالات التي لم يتخطّ فيها التعديل في البناء المُشاد بموجب “رخصة بناء مهجرين” المساحات المرخصة أو الغلاف العام للبناء المسموح بهما وفقًا للقوانين المرعية الإجراء، وإعفاء هؤلاء من كامل الرسوم. وقد تمّ إلزام الأشخاص الذين استفادوا من قانون رخصة بناء مهجر والذين خالفوا الترخيص المعطى لهم، لجهة تخطي المساحات المرخّصة أو الغلاف العام للبناء المشاد أو المساحات والغلاف العام للبناء المسموح بهما بموجب القوانين بتسوية وضع البناء بحسب قوانين التسوية المرعية الإجراء، وذلك مع إعفائهم من 50% من الرسوم والغرامات والسماح بتقسيط قيمة الرسوم والغرامات المتبقية على خمس سنوات.

وكان وزير المهجرين طلب من اللجنة تضمين الاقتراح نصّا لتمديد القانون رقم 322 الصادر سنة 1994 لمدة سنة “بغية انجاز بعض الملفات العالقة والتي تأخرت بسبب تأخر المصالحات” لكن اللجنة لم توافق على ذلك. 

ينشر المرصد هنا ملاحظات استوديو أشغال عامّة على هذا الاقتراح والتي كان سبق نشرها في تقريرنا بشأن الجلسة التشريعية التي انعقدت في تاريخ 24 نيسان 2025.

ملاحظات استوديو أشغال عامة

عقب انتهاء الحرب الأهلية و”حرب الجبل” وإنشاء وزارة المهجرين والصندوق الوطني للمهجرين في أوائل التسعينيات، اقتضت الظروف الاستثنائية إصدار تشريعات لتيسير إعادة بناء المنازل المدمرة بفعل الحرب وتسريع عودة السكان. وكان أبرزها القانون رقم 322/1994 الذي أجاز للمهجّر، بموجب “رخصة بناء مهجّر”، إعادة بناء مسكنه المدمّر في القرية التي هُجّر منها على حاله السابقة حتى لو كان العقار لا يستوفي الشروط القانونية للبناء، بما في ذلك وجود مخالفات قائمة عليه أصلاً قبل الدمار، وإمكانية تسويتها. وتضمّن هذا القانون أيضاً إعفاءً من الرسوم المتوجّبة على رخص البناء، واستمرّ العمل به لفترة طويلة، إذ مُدّدت أحكامه عدّة مرات بين عام 1996 و2010.

يقتضي المسار القانوني المعتاد بعد انتهاء البناء حصول مالك العقار على “رخصة إسكان أو إشغال”، وهي وثيقة تثبت صلاحية المبنى للسكن وتتيح تسجيل الإنشاءات ضمن الأملاك المبنية، ودفع الضرائب، وفرز الشقق، وغيرها. وتُمنح هذه الرخصة بعد كشف تجريه المراجع الفنية المختصة للتأكد من تطابق البناء المنفّذ مع الخرائط الأساسية للرخصة، وفي هذه الحالة “رخصة بناء مهجّر”. أما إذا أراد المالك إجراء تعديلات على الرخصة الأساسية، فيتوجّب عليه قبل الشروع في تنفيذ التعديلات على البناء، الاستحصال على رخصة “تعديل” من الدوائر الفنية المختصة، وتُعطى رخصة الإسكان بعد التأكّد خلال الكشف من مطابقة البناء المشيّد للتعديل.

مع مرور الوقت، وفي حالات كثيرة، نشأت مخالفات قانونية عدّة تحت مظلة “رخص بناء المهجّرين”. فبعض من استحصل على “رخصة بناء مهجّر” قام، إما بمخالفة القانون 322/1994 وتعديلاته باستحداث مخالفات بناء من إضافات وتعديلات على البناء القديم خلافاً للقانون (غير المخالفات التي كانت موجودة أصلاً قبل تهدّم البناء والتي سمح القانون بتسويتها)، وإما بعدم اتباع المسار القانوني الذي يلزمه في حال أراد إجراء تعديلات على البناء الاستحصال على رخصة التعديل قبل الشروع في تنفيذها، فجرت التعديلات، وإن لم تخالف القوانين المرعية الإجراء من حيث الغلاف أو المساحات أو التراجعات أو غيرها، قبل ذلك، بما يجعلها مخالفات. ما حتّم على الإدارة رفض إصدار تراخيص تعديل بمفعول رجعي، ورفضها إصدار تراخيص الإسكان بموجب القانون.

يأتي اليوم مضمون اقتراح القانون الذي تقدّم به النواب الثلاثة ليجيز إصدار تراخيص تعديل وإسكان لأبنية مشيّدة بغضّ النظر عن وجود المخالفات فيها، أي يأتي لإضفاء الشرعية على أعمال بناء تمّت بشكل مخالف للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، لا سيّما القانون 322/1994 الذي يستند عليه النواب. بعبارة أخرى، هو تسوية بمثابة تشريع بأثر رجعي لمخالفات مُستحدثة بعد الحرب وليست قائمة منذ ما قبل الحرب.

أما إعفاء هذه الأبنية المشيّدة بنسبة 40% من رسوم التسوية ومن كامل رسوم الإنشاءات بموجب اقتراح القانون، فليس سابقة؛ فقد سبق أن تقدّم النائب أنيس نصّار في عام 2019 باقتراح قانون مماثل لإعفاء المهجّرين من رسوم الإنشاءات. وتأتي هذه الإعفاءات بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا على انتهاء الحرب الأهلية وحرب الجبل كاستثناء لفئة المهجّرين بحجة تحفيز عودتهم إلى بلداتهم، رغم وجود تشريعات مماثلة سابقة لم تحقق عودة فعلية حتى اليوم لأسباب تتجاوز القدرة على الدفع للبناء، مما يثير التساؤل عن جدوى الاقتراح الجديد الذي يعكس توجهاً تشريعياً مجتزأً يتمّ اللجوء إليه في ظلّ عدم القدرة على معالجة شاملة لجوهر الإشكاليّة. فالمهجّرون تكيّفوا مع الحياة في أماكن أخرى كالمدن أو دول الاغتراب، حيث أنشأوا مؤسّسات ومصالح، وأوجدُوا مجالات عمل، واستحصلوا على سكن دائم. وترتبط أسباب عدم العودة بشكل كبير بغياب الإنماء ونقص البنى التحتيّة والخدماتيّة في القرى والبلدات التي هُجّروا منها، كشبكات الطرق والكهرباء والمياه والخدمات التجارية والصحية والتعليمية وغيرها. كما أنها قد ترتبط بانحصار المعالجة في معالجة الذيول الماديّة للتهجير في ظلّ مصالحات شكليّة تبقي على اللا ثقة والعديد من الأسئلة المقلقة في العلاقة بين السكان المختلفين طائفياً. ومن الجدير ذكره أنّ التصاميم التوجيهية التي أصدرتْها المديرية العامّة للتنظيم المدني منذ التسعينات ساهمت إلى حدّ كبير في حالة عدم العودة إلى العديد من القرى والمناطق، إذ غذّى بعضها المخاوف الطائفية من تغيّر هوية ونسيج بعض المناطق الاجتماعي، وهي المخاوف التي زرعها تاريخ العنف الطائفي والمجازر.

بالمختصر اقتراح القانون ليس إلّا جزءاً من الحلقة المفرغة التي تتكرّر منذ عقود في تسوية المخالفات وتشريعها والإعفاء من الرسوم من خلال قوانين ظرفية على قياس فئات معينة، تعبّر بشكل فاضح عن المنطق الزبائني والطائفي في التعامل مع عملية التشريع. إن الاقتراح من النواب الثلاثة لا شكّ أنه يخدم مصالح ناخبيهم في المناطق التي تعرّضت للتهجير خلال الحرب الأهلية، خصوصاً في الفترات التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية. هذا التوجه، والتركيز اليوم على قضية تعود إلى حرب انتهت منذ ثلاثين عاماً،  يثير علامات استفهام خاصةً مع تزامن طرحه مع نقاشات حول طروحات مماثلة تمنح إعفاءات للمتضررين من الحروب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، والذين لا ينتمون بالضرورة إلى القاعدة الشعبية لهؤلاء النواب وبالتالي تصبح هكذا اقتراحات تكريساً اضافياً لمبدأ “ستة وستة مكرّر” الذين يحاول عبره بعض النواب تصوير التشريع وكأنه سباق لضمان “حقوق الطوائف” في صراعٍ مقنع عند كل أزمة وفي كل زمن.

التوصية: رفض الاقتراح لكونه مجرد تعبير عن دوافع زبائنية ولكونه يهدد الطابع العمومي للقاعدة القانونية ويولد سابقة تشريعية في كيفية التعامل مع ضحايا التهجير وتدمير البيوت، بما يهدد الانتظام العام في المناطق المدمّرة. 

للاطّلاع على اقتراح القانون ومساره:

ترخيص الاسكان للمستفيدين من رخصة بناء مهجرين

البند رقم 12: اقتراح القانون الرامي إلى تعديل المادة 44 من القانون رقم 313 تاريخ 6/4/2001 (إنشاء نقابتين للأطبّاء في لبنان)

ورد على جدول أعمال جلسة الهيئة العامّة اقتراح قانون يرمي إلى تعديل المادة 44 من القانون رقم 313 تاريخ 6/4/2001 (إنشاء نقابتين للأطباء في لبنان)، مقدّم من النائب بلال عبدالله في 20/10/2025. للعلم، تنصّ المادة 44 الحالية على أنّه وعند ملاحقة الطبيب جزائيا، يكون لنقابة الأطباء أن تبدي رأيها العلمي خلال خمسة عشر يوما حول ما إذا كان الجرم المدعى به ناشئا عن ممارسة المهنة، وفي هذه الحالة يجري استجواب الطبيب الملاحق بحضور نقيب الأطباء أو من ينتدبه لهذه الغاية. كما تنص المادة على عدم جواز التوقيف الاحتياطي للطبيب الملاحق بجرم ناشئ عن ممارسة المهنة قبل أن تبدي النقابة رأيها ضمن المهلة المذكورة. 

وإذ هدف الاقتراح الأساسيّ إلى وضع مزيد من الضوابط على ملاحقة الطبيب وتوقيفه، فإنه خضع لاحقا لتعديلات خلال دراسته في اللجان النيابية، علما أن هذه التعديلات قد ذهبت في اتّجاهات متناقضة. ففي حين أقرّت لجنة الصحة العامة بشكل عامّ الشروط المقترحة من النقابة مع إضافة ضوابط إليها كعدم جواز استئناف الطبيب أمام الضابطة العدلية (تقرير 16/2/2026)، عمدت لجنة الإدارة والعدل إلى تضييق هذه الحصانة (تقرير 30/6/2026). ويلحظ أنه رغم اختلاف اللجنتين في تقييم الاقتراح، فإنه تمّ إحالته إلى الهيئة العامة من دون أن يعرض على اللجان المشتركة لوضع صيغة موحدة للاقتراح المعدل، مما يفتح الباب أمام فوضى تشريعية وسوء فهم بشأن النص الذي سيكون موضع مناقشة في الهيئة العامة. 

وبالعودة إلى صيغته الأصلية، اشترط الاقتراح من أجل ملاحقة الطبيب جزائيًا عن فعل ناشئ عن ممارسة مهنة الطب أو بمعرضها، الحصول على إذن مسبق من مجلس نقابة الأطباء، على أن يصدر القرار خلال مهلة شهر من إبلاغ النقيب خطيا حصول الفعل، وأن يقرر مجلس النقابة ما إذا كان الفعل ناشئًا عن المهنة أو بمعرضها. وفي هذه الحالة، يجري استجواب الطبيب بحضور نقيب الأطباء أو من ينتدبه لهذه الغاية. كما نص أنه، في حال الطعن بقرار مجلس النقابة إعطاء الإذن بالملاحقة أو رفضه أمام محكمة الاستئناف المختصة خلال مهلة خمسة عشر يومًا من تاريخ التبليغ، أن ينضم إلى الهيئة الحاكمة عضوان يختارهما مجلس النقابة من بين أعضائه. كذلك، اشترط الحصول على موافقة مجلس النقابة قبل إصدار قرار بتوقيف الطبيب احتياطيًا عن جرم ناشئ عن ممارسة المهنة أو بمعرضها، من دون أن يفتح صراحة أيّ مجال للطعن.

وقد أبقت لجنة الصحة العامة والعمل والشؤون الاجتماعية على مبدأ الإذن المسبق لملاحقة الطبيب وعلى الآلية الأساسية لاتخاذه، بما فيها مهلة الشهر واعتبار الإذن واقعًا ضمنًا عند انقضاء المهلة من دون صدور قرار، إلا أنها عدّلت نقطة بدء هذه المهلة، فأصبحت تُحتسب من تاريخ إحالة الشكوى من قبل المرجع القضائي المختص، بدل تاريخ إبلاغ النقيب خطيًا بوقوع الفعل. كما أدخلت عامل حماية إضافيا قوامه أن يجري استجواب الطبيب، بعد صدور الإذن، أمام المدعي العام أو قاضي التحقيق أو مفوض الحكومة، مع منع إجرائه أمام الضابطة العدلية، وعلى أن يتم الاستجواب بحضور نقيب الأطباء أو من ينتدبه. وأبقت اللجنة كذلك على إمكانية الطعن بقرار مجلس النقابة أمام محكمة الاستئناف المختصة خلال مهلة خمسة عشر يومًا، وعلى انضمام عضوين يختارهما مجلس النقابة إلى الهيئة الحاكمة، كما أبقت على اشتراط موافقة مجلس النقابة على التوقيف الاحتياطي وعلى اعتبارها واقعة ضمنًا عند انقضاء المهلة دون صدور قرار.

من جهتها، أدخلت لجنة الإدارة والعدل تعديلات جوهرية على الصيغة، فأسقطت شرط الإذن المسبق لملاحقة الطبيب واستعاضت عنه بإلزام النيابة العامة، قبل تحريك الدعوى العامة، بطلب رأي علمي معلل من نقابة الأطباء، على أن يبقى هذا الرأي استشاريًا وغير ملزم. كما ألغت مشاركة عضوي مجلس النقابة في الهيئة الحاكمة عند الطعن بقرار المجلس. وأعادت تنظيم ضمانة الاستجواب، فنصّت على أن يجري أمام المرجع القضائي المختص بعد دعوة نقيب الأطباء أو من ينتدبه، من دون أن يحول عدم حضوره دون إجراء الاستجواب. وقد  شدد الاقتراح كما عدلته لجنة الإدارة والعدل على أن الرأي العلمي يبقى استشاريا وغير ملزم للنيابة العامة أو لقاضي التحقيق، ولا يقيد سلطتهم في تقدير الوقائع والأدلة أو في ممارسة صلاحياتهم القانونية، على أن يكون القرار معللًا. وفي المقابل، أبقت على اشتراط موافقة مجلس النقابة على التوقيف الاحتياطي، مع إخضاع قراره للطعن أمام محكمة الاستئناف المدنية المختصة. كما شدّدت لجنة الإدارة والعدل على أن المادّة المقترح تعديلها لا تحول أبدا دون اتخاذ التدابير المستعجلة اللازمة للمحافظة على الأدلة أو منع ضياعها، بما فيها المنع من ممارسة المهنة أو المنع من السفر.

ونظرًا لأهمّية الاقتراح، فقد أفردنا مقالا خاصا ناقشنا فيه مدى تعارضه مع حق التقاضي ومبدأي المحاكمة العادلة واستقلالية القضاء. 

التوصية: ننصح بإقرار اقتراح القانون كما عدلته لجنة الإدارة والعدل في البنود أولا وثالثا ورابعا، مع رفض البند ثانيا المتصل باشتراط موافقة مجلس النقابة على التوقيف الاحتياطي للطبيب في القضايا المتصلة بممارسة مهنة الطب. إذ يجدر ضمان تزويد المرجع القضائي بالخبرة والرأي العلمي المتخصص قبل اتخاذ قرار الملاحقة أو التوقيف الاحتياطي، من دون جعل ملاحقة الطبيب أو اتخاذ التدابير القضائية المتعلّقة بحريته متوقفة على إذن أو موافقة مسبقة من هيئته المهنية. 

للاطلاع على اقتراح القانون:

اقتراح القانون الرامي إلى تعديل المادة 44 من قانون 313 الصادر في 6 نيسان 2000

البند رقم 13: مشروع القانون الرامي إلى فتح اعتماد إضافي في الموازنة العامة لعام 2026 بقيمة 2,266,888,755,000 ل.ل لصالح هيئة أوجيرو

على جدول أعمال الهيئة العامة، مشروع قانون وارد بالمرسوم رقم 3371 الرامي إلى فتح اعتماد إضافي في الموازنة العامة لعام 2026 بقيمة 2,266,888,755,000 ل.ل (ألفان ومئتان وستّة وستّون مليار ليرة لبنانية تقريبًا) لصالح هيئة اوجيرو. وبحسب ما نتبيّنه من المشروع، فإنّ هذا الاعتماد سيُستخدم لتغطية فروقات الرواتب ومستحقّات الضمان عن 9 أشهر لمستخدَمي هيئة أوجيرو عن عام 2024، وذلك بعد زيادة الحد الأدنى للأجور في العام 2024.

وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى القرار الأخير الصادر عن مجلس شورى الدولة، الذي يتعلّق بتوظيف ما يقارب 453 مياومًا في هيئة أوجيرو قبيل الانتخابات النيابية الحاصلة في 2018 خلافًا للقانون 46/2017 الذي منع التوظيف في الإدارات والمؤسسات العامة، فيما يشبه الرشوة الانتخابية، والذي انتهى إلى إعلان عدم جواز استعمال نظريّة الحقوق المكتسبة للحؤول دون وقف الإنفاق العام الناتج عن تعيينات ثبتت مخالفتها للقانون، حيث يُنتظر أن يتّخذ ديوان المحاسبة قرارًا في هذا الصدد.  إلّا أنّ قرار مجلس شورى الدولة أكّد عدم جواز استرداد هذه الرواتب على قاعدة ألّا عمل من دون أجر. 

وإذ لا يوضح مشروع القانون الفئات التي تشملها زيادة الرواتب المذكورة وإذا ما كان المياومين الموظفين بطريقة غير شرعية من بينهم، فإنّ تطبيق قاعدة لا عمل من دون أجر التي اتّبعها مجلس شورى الدولة تُبيح دفع هذه المستحقّات طالما أنها عن أعمال قد أُدّيت سابقًا في العام 2024 كما أفاد تقرير لجنة المال والموازنة. إلّا أنّه يجب التنبّه من الآن فصاعدًا لأي نفقة تتعلّق برواتب ميُاومي هيئة أوجيرو الذين دخلوا بين في فترة ما بين عامي 2017 و2019 بعد تأكيد مجلس شورى الدولة على عدم قانونية صرف النفقة لهؤلاء مستقبلًا.

التوصية: إقرار المشروع مع التشديد على وجوب معالجة موضوع التوظيف غير الشرعي في أوجيرو وفق مندرجات قرار مجلس شورى الدولة. 

للمزيد حول هذه القضية:

شورى الدولة يفرض معالجة “التوظيف غير الشرعي”: نظرية الحقوق المكتسبة لا تبيح تأبيد المخالفة

للاطّلاع على مشروع القانون ومساره:

مشروع القانون الرامي إلى فتح اعتماد إضافي في الموازنة العامة لعام 2026 بقيمة 2,266,888,755,000 ل.ل لصالح هيئة اوجيرو

البند رقم 14: مشروع القانون المعجّل المكرر الرامي إلى تعديل سن المسؤولية الجزائية الدنيا

على جدول أعمال الجلسة، مشروع القانون المعجّل المكرّر الوارد بالمرسوم رقم 2549 تاريخ 19/2/2026 والرامي إلى تعديل سن المسؤولية الجزائية الدنيا.

تفصيلًا، يعمد المشروع إلى تعديل المادة الثالثة من القانون رقم 422 الصادر في السادس من حزيران 2022 والمتعلّق بحماية الأحداث المخالفين للقانون والمعرضين للخطر. تنص المادة الحاليّة على التالي: “لا يلاحق جزائيًّا من لم يتمّ السابعة من عمره حين اقترافه الجرم”. أمّا التعديل فيرفع سنّ المسؤوليّة الجزائيّة إلى إتمام “الرابعة عشرة من العمر”. وفي فقرة ثانية، ينص المشروع على أنّ “يستفيد من أحكام هذا القانون الذين صدرت بحقهم أحكام أو قرارات بتاريخ سابق لصدوره” وذلك عملًا بمبدأ المفعول الرجعي للقانون الجزائي في حالة تخفيف العقوبة. 

تشير الأسباب الموجبة إلى أنّ لبنان صادق على اتفاقات دوليّة بعد صدور القانون منها اتفاقيّة حقوق الطفل سنة 2004. لذلك، وتماشيًا مع القوانين الدوليّة، وبناءً على “التطورات الحاصلة في المفاهيم الدوليّة لعدالة الطفل، مع ما رافقها من إعادة تقييم لسنّ المسؤوليّة الجزائيّة الدنيا”، وبالاستناد إلى المادة 40 فقرة 3 من اتفاقيّة حقوق الطفل التي تملي على الدولة الموقّعة “تحديد سن دنيا يفترض دونها أن الأطفال ليس لديهم الأهلية لانتهاك قانون العقوبات” وعلى التعليق العام رقم 24 (2019) الصادر عن لجنة حقوق الطفل “الذي يوصي بعدم تحديد السن الدنيا للمسؤوليّة الجزائيّة بأقل من أربع عشرة سنة”، بات من الواجب تعديل القانون اللبناني لملاءمته مع ما سبق. وتضيف الأسباب الموجبة أن علوم الطفل وعلوم الأعصاب تشير إلى أن الأطفال دون هذه السن لا يملكون النضج النفسي والعقلي لفهم نتيجة أفعالهم وتحمل نتائجها الجزائيّة. وبالتالي، من الضروري تجنيب الأطفال “الآثار السلبيّة للنظام الجزائي، وتكريس مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وضمان توافق التشريع الوطني مع التزامات الدولة اللبنانيّة الدوليّة”. وتبرر الأسباب الموجبة في النهاية ضرورة تطبيق التعديل على الأفعال المرتكبة قبل سريانه “ولو صدر بشأنها حكم مبرم” من أجل “تصويب أوضاع قانونية قائمة، ورفع ظلم مستمر، وتأمين حماية فعّالة للأطفال من المعاملة الجزائيّة غير الملائمة لأعمارهم ونموّهم النفسي والاجتماعي”. 

تجدر الإشارة إلى أن هذا المشروع كان قد أحيل إلى لجنة الإدارة والعدل بتاريخ 25 شباط 2026 إلا أنها لم تدرسه، وتم وضعه مباشرة على جدول أعمال هذه الجلسة التشريعية، بضغط من وزارة العدل. ولا شك أن هذا الإصلاح المهم من شأنه مواءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية والتطورات العلمية ما يساهم بتعزيز حقوق الطفل لا سيما وأن التعديل يرفع سن المسؤولية بشكل ملحوظ ما يساهم بتجنيب هذه الفئة الهشة من الخضوع للنظام الجزائي ذاته الذي يطبّق على باقي الشرائح العمرية.

التوصية: إقرار المشروع كما ورد.