«فتاة المترو» ليست تراجى- كوميدى كاملة، ولا «كوميديا سوداء» كاملة، بل تقفُ على الخطّ المتأرجح بينهما، فيما يمكن أن نسميه «الكوميديا المُرّة» (Bitter Comedy). ذلك المزاج الفنى الذى يجعلك تضحك، لكن ضحكتك لا تنجو من وخز الألم. فالضحكة مشوبةٌ بخيبة الرجاء، وفجيعة الفقد، وتداعى الذاكرة، وما يتركه الترمّلُ من صدوع فى الروح. تلك المرارات تظلُّ تعمل طوال العرض تحت سطح المواقف الكوميدية. الكوميديا لا تواجه الوجع، بل تنبت منه؛ وكلما ازداد المرحُ، توغلّت مرارةٌ عالقةٌ فى الحلق.

عرض مسرحى مدهش، نتاج ورش المهرجان القومى للمسرح المصرى، برئاسة الفنان محمد ريا«، وإدارة الفنان عادل عبده. أخرجه مجموعة من الشباب، قاد كتيبتَهم المخرج محسن رزق، عن نصّ هانى قدرى، الفائز بالمركز الأول فى مسابقة التأليف بالدورة ١٦. نحن أمام عرض مسرحى مكتمل البناء، شفيف الروح، يعرف ماذا يريد أن يقول وكيف يقوله.

العرض يقدم مأساةً إنسانية عن الذاكرة التى تتآكل بسبب الفقد، لكنه خلال الفاجعة، يرتكب معجزة مراوغة: جعلنا نضحك حين ينبغى أن نبكى. لكنه الضحك المرّ الذى يُطلُّ من النسيج الإنسانى المعقّد للنفس البشرية، حيث تختلط الابتسامة بشهقة الوجع وشرقة الدموع. تضحك لتقاوم وجعًا غير محتمل. وتلك واحدة من أجمل تقنيات المسرح، وأصعبها، حين يقدم الفواجع بخفة ظل، دون أن تفقد الفاجعة قسوتها.

ما الذى يبقى للإنسان حين تبدأ ذاكرته فى الانسحاب؟ وهل بوسع المسرح أن يصبح ذاكرةً بديلة حين تعجز الذاكرة الطبيعية عن أداء وظيفتها؟ تلك بعضُ الأسئلة طرحتها المسرحية من مشهد يبدأ بسيطًا لكهل يجلس فى محطة المترو يطالع الجرائد، ثم تتشابك الأحداث فى سُلَّم التعقيد المتصاعد حتى يلتبسُ عليكَ المكانُ والزمانُ والأحداثُ والشخصياتُ؛ فلا تعرف أواقعٌ هذا أم خيال، وهل الأبطال فى شبابهم أم فى شيخوختهم، وهل هم أحياء يرقصون على المسرح، أم غيّبهم الموتُ منذ عقود، وهل الأحداثُ هى المسرحية التى تشاهدها، أم مسرحية داخل مسرحية، فيما نسميه: «المسرح داخل المسرح»، وهى واحدة من أقدم وأخطر ألعاب المسرح، توسّلها «شكسبير» فى «هاملت» حين مثّل جريمةَ قتل أبيه أمام عمه ليغدو المسرح أداة لاختبار الحقيقة وكشفها. وكذلك «بيرانديللو» فى «ست شخصيات تبحث عن مؤلف»، حيث يقتحم الخشبةَ ستةُ شخوصٍ، زاعمين أن مؤلفهم تركهم معلّقين دون أن يُكمل حكايتهم.

بطل العرض هو الدكتور مراد المراغى، الأستاذ الجامعى والمؤلف المسرحى المعروف، الذى أدّى دوره بعبقرية الفنان عزت زين، وفى شبابه رجائى رمزى. رجل شهير يعرفه الناس، لكنه بدأ ينسى نفسه ويبحث فى الأوراق عن خيوط تقوده إلى حياته. يلتقى بالشابة «أشرقت»، أدت دورها الجميلة «سندس عرفة»، ومع الأحداث نكتشف أنها ابنته، وتلميذته التى تسلّمه نص مسرحية كتبها والدها عن حياته، وتدعوه للعرض، علّه يتذكر حياته التى نسيها. يشاهد العرضَ فيتعرف على الشخصيات والأماكن والأحداث، ثم يبدأ فى التعافى حين يعترض على خروج أحدهم عن نص الدور المكتوب له. وهنا المفارقة المدهشة: الرجل الذى نسى حياته، يتذكر النص الذى كتب حياته. وهكذا يصبح المؤلفُ شخصيةً داخل النص الذى كتبه. وتبدأ اللعبة الملغزة التى كُتبت باقتدار، وأخرجت بحِرفية عالية، وأدّاها بإتقان مجموعة من المواهب الشابة الواعدة، كان درّة عقدهم الفنان القدير «عزّت زين»، صاحب التاريخ الفنى الراسخ، الذى يُحسب له الوقوف إلى جوار مجموعة من الوجوه الجديدة التى تخطو خطواتها الأولى فى المسرح، وأن يشاركهم تجربة ورشة تمثيل، امتدت خمسة أشهر من البروفات المتواصلة.

والشاهدُ أن جميع تقنيات العرض كانت أبطالا حقيقيين. السينوغرافيا المدهشة التى قدّمها مريم هشام ويوسف الصوفى لم تكن محض إطار بصرى للعرض، وإنما جزء من لغته وأداة إبهاره وصدقه، أدخلتنا فى قلب البناء الحى للأحداث بكامل مفرداته المعمارية. وكذلك الدراما الحركية التى صممتها خلود سامح، وأشعار عبد الله حسن، موسيقى شريف حمدان. هذا العمل يستحق أن ينال لقب: المسرحُ فى تمامه.

تحية خاصة لجميع الوجوه الشابة التى امتلكت شجاعة الوقوف على الخشبة لأول مرة، أمام فنان راسخ، وخاضت تجربة المسرح من بابها الأصعب: التدريب الطويل، والانضباط، وهارمونية العمل الجماعى. الإخراج المتقن، والموهبة، وشهور من البروفات الجادة، أنتجت لنا عرضًا حقيقيًّا يستحق أن يُشاهد، ويجول فى جميع مسارح مصر، من شمالها إلى جنوبها، بل يستحق أن يكون أحد سفراء المسرح المصرى فى الدول العربية. أثبت أولئك الشباب، أن الموهبة حين تجد من يصقلها ومن يدعمها ويساندها ويؤمن بها، يمكن أن تتحول من وعدٍ جميل إلى فنٍّ حقيقى.

مقام السؤال:

حين تنسى الذاكرةُ صاحبَها، ويتذكّر النصُّ كاتبَه، أيهما يكون الحقيقة الأخيرة للإنسان: حياته التى عاشها، أم الحكاية التى تركها وراءه.