أقر مجلس النواب اللبناني، اقتراح قانون يرمي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية، بعد إدخال تعديلات عليه، مُنهياً سجالاً سياسياً وقانونياً استمر أشهراً بشأن الجرائم التي سيشملها والموقوفين الذين قد يستفيدون منه.
وجاء إقرار الاقتراح بعد يوم من فقدان الجلسة التشريعية نصابها، إثر خلاف داخل البرلمان والحكومة بشأن ملاحظات قيادة الجيش، وسط اعتراضات متقابلة من عائلات الموقوفين الإسلاميين وعائلات العسكريين الذين قُتلوا في مواجهات أمنية.
وفي هذا السياق، تحدّث عضو تكتل الجمهورية القوية النائب سعيد الأسمر لـ”عربي21″ عن خلفيات القانون وأبرز البنود الخلافية فيه، وعلى رأسها ملف اللبنانيين الذين غادروا إلى إسرائيل بعد انسحابها من الجنوب عام 2000، وملف الشيخ أحمد الأسير.
“صفحة سوداء”
اعتبر النائب سعيد الأسمر أن القانون جاء استجابة لمرحلة اتسمت بالتوقيف العشوائي والتوقيف على خلفية سياسية، ومحاكمات لم تكن، بحسبه، منطقية في كثير من الأحيان. وأوضح أن النص جاء لرفع المظلومية عن عدد من الموقوفين الذين لم يُحاكموا رغم مضي سنوات طويلة على توقيفهم، مشيراً إلى أن الصيغة النهائية جاءت نتيجة توافق بين مختلف الأفرقاء في اللجان النيابية المشتركة، بهدف الجمع بين رفع المظلومية من جهة، وعدم الإفلات من العقاب من جهة أخرى.
اظهار أخبار متعلقة
وأشار إلى أن عدداً كبيراً من الجرائم لم يشملها العفو الكامل، بل اقتصر الأمر في بعض الحالات على تخفيض مدة العقوبة، لافتاً إلى أن الجرائم الكبرى، ومنها تلك المحالة إلى المجلس العدلي، وجرائم الاغتصاب والقتل المتعمد بحق مدنيين أو عسكريين، تبقى خارج نطاق العفو ما لم يُسقط المتضررون حقهم الشخصي.تعقيدات التفاوض ومدة التوقيف
في ما يخص مسار التفاوض على التعديلات، أوضح الأسمر أن تكتل النواب السنة كان يقود التفاوض مع رئيس مجلس النواب نبيه بري للتوصل إلى صيغة مقبولة من مختلف الأفرقاء، وأن كتلته اختارت مساندة أي اتفاق ينتج عن هذا المسار. وذكر أن أبرز نقاط الخلاف تمحورت حول تخفيض مدة التوقيف المعتمدة للإفراج من 14 إلى 12 عاماً، وحول التمييز بين من صدر بحقه حكم مبرم ومن لا يزال قيد التوقيف الاحتياطي من دون محاكمة.
ورأى أن الحل الذي تم التوصل إليه لم يكن مثالياً، معتبراً أن الجذر الحقيقي للمشكلة يكمن في تسريع عمل القضاء والمحاكمات الفعلية، لا في اللجوء إلى قوانين العفو. وربط الأسمر التوقيفات العشوائية التي سبقت هذا القانون بما وصفه بمفاعيل “النظام الأسدي” والأجهزة الأمنية التي كانت مهيمنة في لبنان سابقاً.
ملف “المبعدين إلى إسرائيل”
بشأن البند المتعلق باللبنانيين غير المقاتلين الذين غادروا إلى “إسرائيل” بعد انسحابها من الجنوب عام 2000، أوضح الأسمر أن هؤلاء أشخاص مدنيون، من عائلات غادرت حينها، بعضهم كان قاصراً أو مكرهاً أو خائفاً وقت مغادرته. وأكد أن القانون الجديد شدّد على تفعيل مضمون القانون رقم 194 الصادر عام 2011، والذي لم تصدر مراسيمه التطبيقية، والذي كان قد أعفى هؤلاء وسمح لهم بالعودة إلى لبنان من دون محاكمة.
وقال إن التأكيد الوارد في النص الجديد يمنحهم حق العودة حتى في ظل غياب المراسيم التطبيقية. غير أنه رجّح أن الغالبية الساحقة من هؤلاء الأشخاص لا ترغب في العودة إلى لبنان في الوقت الراهن، عازياً ذلك إلى مخاوف من نفوذ حزب الله داخل بعض المرافق الأمنية والقضائية، وما قد يترتب على ذلك من مخاطر عليهم، مشيراً إلى أن قسماً كبيراً منهم استقر في دول غربية وأوروبية. وشدد على أن كتلته ستقف إلى جانب هؤلاء متى قرروا العودة، باعتبار ذلك حقاً طبيعياً لهم.
اظهار أخبار متعلقة
وحول آلية تحديد صفة “غير المقاتل”، أوضح الأسمر أنه لا توجد آلية رسمية معلنة لذلك، لكنه أشار إلى أن الدولة اللبنانية والأجهزة الأمنية تملك معطيات ومعلومات عن الأشخاص الذين كانوا منخرطين في عمليات عسكرية أو أمنية مباشرة مع إسرائيل خلال تلك الفترة، في مقابل عائلات ومدنيين لا ارتباط قتالياً لهم.
لا نقاش بأسماء بعينها
في ما يتعلق بالأسماء المرتبطة بالجدل حول العفو، مثل الشيخ أحمد الأسير والفنان فضل شاكر ونوح زعيتر، أكد الأسمر أن مناقشة القانون لم تتناول أسماء أو أشخاصاً بعينهم، نافياً أن يكون النص قد صيغ على مقاس حالات محددة. وقال إن ما تناقلته وسائل الإعلام يفيد بأن الشيخ أحمد الأسير قد يخرج من السجن بعد نحو عام ونصف، بينما استبعد معرفة مصير نوح زعيتر تحديداً. أما بخصوص فضل شاكر، فأشار إلى أنه كان قد أُخلي سبيله بكفالة قبل صدور القانون، وبالتالي لا يُحتسب من بين من سيستفيدون من العفو للخروج من السجن.
وشدد على أن الهدف من القانون كان تشريعاً عاماً وليس تشريعاً خاصاً بحالات فردية، معتبراً أنه جاء لرفع المظلومية وطي صفحة مؤلمة من تاريخ لبنان، ارتبطت بحقبة هيمن فيها النظام السوري السابق وأذرعه على القرار القضائي والأمني في البلاد.
ورداً على الانتقادات التي طالت تسمية القانون بـ”العفو العام” رغم الاستثناءات الواسعة التي تضمّنها، اعتبر الأسمر أن التسمية لا تحمل أهمية تُذكر مقارنة بالمضمون، موضحاً أن الجميع سيستفيد بطريقة أو بأخرى من تخفيضات في العقوبات حتى لو لم يخرج من السجن فوراً. لكنه استدرك أن القانون ليس عفواً عاماً بالمعنى الحرفي الذي يقضي بخروج جميع الموقوفين إلى الحرية، معتبراً أنه ليس من العدل أن يخرج من ارتكب جرائم تمس بالشأن العام والمجتمع لمجرد وجود مظلومية لحقت بآخرين. ورأى أن الحل الذي أُقر هو الأفضل الممكن في المرحلة الراهنة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من ارتكب جريمة وفق القضاء والقانون.
اظهار أخبار متعلقة
وأعرب عن أمله في ألا يكون لبنان بحاجة إلى خطوة تشريعية مماثلة مستقبلاً، داعياً إلى تفعيل عمل القضاء بشكل سريع وجدي، ومنع استمرار التوقيف الاحتياطي لفترات طويلة كتلك التي شهدها لبنان مؤخراً، والتي امتدت في بعض الحالات لأكثر من عشر سنوات من دون محاكمة، معتبراً ذلك ظلماً وتجنياً بحد ذاته.
لا أزمة سياسية متوقعة
في ختام حديثه، استبعد الأسمر أن يفتح هذا القانون أزمة سياسية في لبنان، موضحاً أن جميع الأفرقاء السياسيين وافقوا عليه وتبنّوه، حتى تلك الكتل التي لم تصوّت عليه بشكل مباشر، إذ التزمت موقف عدم العرقلة أو الاعتراض.
واعتبر أن ما يهدد الاستقرار السياسي في لبنان ليس هذا القانون، بل الوضع الإقليمي المتفجر والوضع الداخلي غير المستقر، سواء على الحدود الجنوبية مع إسرائيل حيث تتواصل العمليات العسكرية، أو في الداخل اللبناني، مشيراً إلى استمرار رفض حزب الله الامتثال لقرارات الحكومة والدولة اللبنانية بما يبعد شبح الحرب عن البلاد.
