طُرح مؤخرا فيلم “شمشون ودليلة” ضمن أفلام موسم صيف 2026، ليختبر رهانا تكرر في السينما المصرية خلال السنوات الأخيرة، وهو التعويل على نجوم الدراما التلفزيونية في بطولة أفلام جماهيرية.
يجمع “شمشون ودليلة” بين أحمد العوضي ومي عمر، وينتمي إلى أفلام الأكشن والتشويق. الفيلم من إخراج رؤوف السيد، وكتبه محمود حمدان، فيما تولى إنتاجه أحمد السبكي وكريم السبكي، مع حملة دعائية ركزت بصورة أساسية على الثنائي بطلي الفيلم.
نجومية الشاشة الصغيرة… واختبار شباك التذاكر
قبل الدخول في تقييم أو تحليل “شمشون ودليلة”، يجب إلقاء الضوء على التحول الذي حدث في السوق السينمائية مؤخرا، عندما أصبحت الدراما التلفزيونية، خصوصا الموسم الرمضاني، أحد المصانع الأساسية في تقديم نجوم السينما في مصر.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
نسب المشاهدة المرتفعة، والحضور المكثف على مواقع التواصل الاجتماعي، والانتشار الواسع الذي تمنحه المنصات الرقمية، كلها عوامل جعلت أسماء بعينها تمتلك قاعدة جماهيرية ضخمة، دفعت المنتجين إلى الاعتقاد بأن هذه الشعبية يمكن أن تتحول تلقائيا إلى إيرادات في شباك التذاكر.
غير أن المعادلة ليست بهذه البساطة، فالجمهور الذي يتابع مسلسلا في منزله، سواء عبر التلفزيون أو منصة رقمية أو مقرصنا، لا يتخذ القرار نفسه عندما يذهب إلى السينما ويدفع ثمن تذكرة، عندها يصبح أكثر انتقائية في اختياراته واستعدادا لمحاسبة الفيلم على جودته الفنية، لا على اسم بطله فقط.
يمثل “شمشون ودليلة” اختبارا عمليا لهذه الفرضية، فالفيلم يجمع بين أحمد العوضي ومي عمر، وهما من أبرز الوجوه التي رسخت حضورها خلال السنوات الأخيرة في الدراما التلفزيونية، وارتبط اسم العوضي بأعمال جماهيرية مثل “حق عرب” و”فهد البطل”، التي كرست صورته كبطل الأكشن الشعبي، بينما عززت مي عمر مكانتها ببطولات متتالية، منها “إش إش” و”نعمة الأفوكاتو” وغيرها من الأدوار.
لذلك ليس مستغربا اعتماد الحملة الدعائية للفيلم على هذه الثنائية أكثر من اعتمادها على تقديم عالم الفيلم أو فكرته، فقد تصدرت صورة النجمين الملصقات الرسمية والإعلانات الدعائية، كما لو أن وجودهما معا يكفي لإقناع الجمهور بشراء التذكرة.
يمنح التلفزيون الممثل فرصة الظهور أمام الجمهور لعشرات الساعات عبر موسم كامل، مما يسمح ببناء علاقة اعتياد وألفة مع المشاهد، بينما لا تملك السينما سوى نحو ساعتين لتقديم تجربة متكاملة تقنع المتفرج بأن خروجه من المنزل ودفعه ثمن التذكرة كان قرارا صائبا.
ولهذا، فإن شعبية النجم قد تكون كافية لجذب المشاهد إلى العرض الأول، لكنها لا تكفي وحدها لضمان استمرار الإقبال في الأسابيع التالية أو السمعة الجيدة للفيلم، إذ يصبح تقييم الجمهور مرتبطا بالفيلم ككل، من السيناريو والإخراج إلى الأداء والابتكار.
ممثلون لا يستطيعون الهرب من شخصياتهم المعتادة
تدور أحداث “شمشون ودليلة” حول شمشون (أحمد العوضي)، اللص الذي يحاول الابتعاد عن عالم الجريمة، ثم يضطر للعودة إليها من أجل إنقاذ شقيقته التي اختطفها الدولي (خالد الصاوي)، ويطالبه الأخير بسرقة ماسة عملاقة.
يلتقي شمشون، خلال محاولاته لسرقة الماسة، دليلة (مي عمر)، وهي محتالة تعتمد على الذكاء والخداع للإيقاع بضحاياها، والتي تسعى كذلك إلى الماسة بعدما أوهمها مالك (أحمد الرافعي) بأنها تقوم بهذه المهمة لصالح مصر.
يعتمد البناء الدرامي للفيلم على عناصر معروفة في أفلام السرقة والأكشن، لكن صناع العمل لم يأخذوا أي خطوة للأمام في تعديل هذه العناصر لتقديم شخصيات مختلفة أو مواقف تحمل قدرا من المفاجأة، واعتمدوا على القوالب التي رسخها هذا النوع من الأفلام.
لم يستغل كذلك كل من أحمد العوضي ومي عمر فرصة انتقالهما إلى مساحة أداء جديدة، بل كررا السمات نفسها التي صنعت شعبيتهما في التلفزيون، فالعوضي يقدم “بيرسونا” (Persona)، أو قناعه المفضل: البطل الصلب قليل الكلام الذي يحسم الصراعات بالقوة البدنية، ويستخدم الجمل الحوارية القصيرة والمسجوعة ذات النبرة الحادة، وكأنما الفيلم استعار الشخصية التي نجحت على الشاشة الصغيرة دون إعادة صياغتها بما يتناسب مع الفيلم السينمائي.
ينطبق الأمر على شخصية مي عمر، التي جاءت أقرب إلى امتداد طبيعي للأدوار التي قدمتها في السنوات الأخيرة؛ المرأة الجميلة، التي تفاجئ المتلقي عندما تتحدث بنبرتها الفجة وذكائها وقوة شخصيتها. ولم يمنحها السيناريو مساحة كافية لتجاوز صورتها المعروفة لدى الجمهور، وظل الممثلان حبيسي صورتيهما النمطيتين.
فيلم الحدود الدنيا
يتعامل سيناريو الفيلم مع أحمد العوضي ومي عمر باعتبارهما نقطة جذبه الأساسية، ولم يسعَ بما فيه الكفاية إلى بناء عالم درامي يمتلك منطقه الخاص. ورغم أن فكرة الفيلم تنتمي إلى نوع سينمائي يمتلك إمكانات كبيرة، إذ تجمع حبكته بين أفلام السرقة والأكشن، فإن الكتابة قدمت القصة في مجموعة محطات تنتقل الشخصيات خلالها من مطاردة إلى أخرى.
تكشف هذه المعالجة أحد الفروق الجوهرية بين منطق الكتابة التلفزيونية والسينمائية، ففي المسلسل يستطيع الكاتب تأجيل الكشف عن الشخصيات أو مراكمة ملامحها على مدار ثلاثين حلقة، بينما يفرض الفيلم اقتصادا في السرد، فمع مدة الفيلم القصيرة يجب أن يؤدي كل مشهد إلى دفع الأحداث وبناء الشخصيات في الوقت نفسه. لذا لا يكفي امتلاك العمل بطلين معروفين لكي ينجح في تعويض النقص في التعقيد.
لا يقتصر الأمر على السيناريو، بل يمتد كذلك إلى الإخراج، الذي يعتمد على الإيقاع السريع والمطاردات والاشتباكات التي تتوالى بوتيرة متقاربة، مع الاعتماد على التنوع البصري في أماكن التصوير، غير أن تصميمها يلتزم الحدود الدنيا دون أي تجديد، فلدينا البطل يقوم بضرب حفنة من الأشرار، مشهدا تلو الآخر، مع خلفية جديدة، والبطلة تجري وتصرخ.
يفتقد “شمشون ودليلة” المقومات التي تجعله عملا سينمائيا ناجحا، واعتماده على اسم بطليه ليس كافيا ليسمح له بمنافسة أفلام موسم سينمائي مثل الموسم الصيفي، أمام أفلام أجنبية وعربية هي الأكثر جماهيرية هذا العام.
