لا يمكن للعفو أن يكون صفحاً عما مضى، كما لا يمكن لمعناه أن يكون مطابقاً للمغفرة. المغفرة بمعناها الاجتماعي هي فعل أخلاقي وشخصي، أما العفو فهو على ضفة أخرى من ذلك، فعل سياسي وقانوني. الأول يخص الضحية والجاني وذاكرتهما، أما الثاني يخص الدولة وحدود سلطتها وقدرتها على العقاب وفيه.

لا يستطيع القانون، مهما بدا واسعاً، أن يقرر نيابة عن الضحيّة أنّ ما حدث لم يعُد مهماً أو يمكن تجاهله وتلافيه. يستطيع  القانون أن يقول إنَّ العقوبة سقطت، لكنه لا قدرة له على الدخول إلى الجرح والادعاء بأنَّ له قدرةً على شفائه أو تلمّسه. ولعل لبنان البلد المنكوب، أكثر من أي بلد آخر، يعرف خطورة هذا الفرق. لأن ما لم يتذكّره اللبنانيون عن أنفسهم وماضيهم كما يجب، سيضطرون غالباً إلى مواجهته مرة أخرى بالطريقة الأسوأ.

في كلّ مرة يخرج هذا البلد من مرحلة سياسية عنيفة يذهب ليفتش عن طريقة للتعامل مع ماضيه بحيث لا يتحول العفو إلى بديل من الحقيقة، ولا تتحول العدالة إلى انتقام وتشفٍ. ربما هذا التعريف قد يفسِّر شيئاً من مفهوم العدالة الانتقاليّة. أن يحاول المجتمع إيجاد طريقٍ وسطى بين المحاسبة والمصالحة، بين حق الضحايا في معرفة ما جرى وحق المجتمع في ضمان الانتقال إلى مرحلة جديدة.

لبنان المنكوب لم يخض هذه التجربة فعلياً. سلكَ بعد حربه الأهلية منطق التسوية. وبقيت مع هذه الطريق ملفات كثيرة معلّقة، واستقرّت ذاكرة حربه موزعة بين روايات الطوائف والأحزاب والجماعات، حتى بدا هذا البلد وأهله كأنّ لكلّ قطعة فيه ماضيها الخاص وسيرتها الخاصّة.

تبدو قوانين العفو اللبنانية التي تبرز خلف كلّ حقبة حربيّة وكأنها مرآة، تكشف في كل مرة، الطريقة التي يختار بها البلد أن يتعامل مع ما لا يريد مواجهته. ربما لأنّ البلد لم يطوِ صفحة الحرب فعلاً. بطريقة عجائبيّة طوى ملفها السياسي، أو ربما حاول أن يفعل، لكن ذلك تمّ من دون أن يطوي ذاكرتها. الناظر يرى بسهولة أنّ المأساة اللبنانيّة في تشعباتها لم تتحوّل إلى حقيقة عامة، يمكن للناس أن يختلفوا حول تفاصيلها لكن أساسها يبقى حقيقة موجودة.

يؤجِّلُ اللبنانيون الماضي. يضعونه جانباً وهم على قناعة أن الزمن كفيل بمعالجته. ربما هذا أسهل ما يمكن أن يفعله المجتمع الساكن على شفير حرب نائمة ودائمة. لا بد من لحظة تنفّس بين حرب وأخرى. لكن البلد المنكوب حوّل التسوية إلى حالٍ مستمرة وطريقة في العيش. بحيث كلما تراكمت الملفات والأزمات رماها للمستقبل.

ربما ينبغي قراءة العفو العام وكأنه مدخل، بطريقة ما، للسؤال عن علاقة لبنان بماضيه. كل مرحلة لبنانية جديدة تبدأ تقريباً بالقصة نفسها. قصة وسؤال حول ترِكة المراحل السابقة المتراكمة في المخازن والمستودعات والذاكرة المجروحة للبلد. يعيش أهله الحروب، رغم اختلافهم على أسمائها. يعيشون الاغتيالات، ثم يختلفون على رواياتها. تنهكهم الانهيارات، ثم يبحثون عن مسؤولياتها متأخرين.

منذ العفو العام الأخير في 1991، تغيّر البلد أكثر من مرة. انتهت الحرب الأهلية، وتحرّر جنوب لبنان في العام 2000، اغتيل رفيق الحريري، ليأتي بعد ذلك خروج الجيش السوري، وينقسم البلد حول المحكمة الدولية. ناهيك عن حزب الله وحروبه الكثيرة من تموز والحرب السورية، وتسوياته مع السلطة، وصولاً إلى سنواته الثلاث الأخيرة وما رافقها من تغيير كبير في ميزان القوة.

ولو دقق الناظر في تغيّرات المنطقة. لوجدَ أنّ نظام بشار الأسد قد سقط. ومعه انتهت مرحلة طويلة كانت فيها دمشق لاعباً مركزياً في الحياة اللبنانية. مع السقوط نفسه بدأت سوريا تبحث عن شكل جديد للسلطة وعلاقاتها بجوارها. مع ذلك أيضاً يمشي حزب الله، الذي كان لسنوات أحد أكثر القوى تأثيراً في المعادلة اللبنانية والإقليمية، فخرج من حروبه الأخيرة وهو أمام أسئلة لم تكن مطروحة عليه بهذه الحدة من قبل. السلاح ودوره، علاقته بالدولة، وموقعه في النظام السياسي.

بعد خمسة وثلاثين عاماً، يعود العفو العام إلى لبنان، لكن لبنان الذي يصدره اليوم ليس لبنان 1991. وهذه ربما هي النقطة الأهم. في 1991 كانت سوريا جزءاً من المعادلة التي يُعاد تركيب لبنان من خلالها. اليوم، سوريا نفسها تعيد تركيب نظامها. الرجل الذي حكم دمشق لعقود تركها إلى غير رجعة، والسلطة الجديدة في سوريا لا تنفك تبحث عن موقعها الداخلي والإقليمي وأولويتها سوريا داخل سوريا لا خارجها. 

في 1991 كان حزب الله يخرج من الحرب الأهلية كقوّة مقاومة، فيما كانت الدولة اللبنانية تُعاد صياغتها تحت مظلة إقليميّة واضحة. اليوم، حزب الله نفسه يقف أمام مرحلته المختلفة. حربٌ أنهكت قدرته، خسائر كبيرة في قيادته وبنيته، وضغط سياسيٌّ وأهليٌ متزايد لإعادة تعريف علاقته بالدولة.

البلد في العفو العام الأخير  (1991) كان يريد أن يعيش. وكان عليه أن يطوي صفحة الحرب الأهليّة. أما اليوم فيبدو العفو العام، وكأنه يأتي نتيجة لهذا التحوّل في لبنان والمنطقة. لبنان يحاول أن يخرج من مجموعة قيود ومعادلات حكمته طويلاً.  هكذا نحن اليوم أمام قرار سياسي يصدر بقانون. ربما لهذا السبب يستحق العفو العام الحالي أن يُقرأ في سياق أوسع من السجون ومشاكلها وقدرة القضاء والدولة على معالجتها. 

قطعاً هذا العفو ليس جزءاً من تسوية سرية. لكنه قد يكون تجسيداً لهذا البلد المنكوب الذي يقف أمام تسويات مع مرحلة كاملة وسابقة يريد لنفسه أن يقفلها. مرحلة بدأت ملامحها تتغير مع عودة الحديث عن الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة التي يفترض لها وعليها أن تحتكر القرار والسلاح.

في مثل هذه اللحظات، تصبح القوانين الصغيرة أكثر دلالة مما تبدو عليه.  تشكلُ مدخلاً لقراءة البلد، في نكبته، حين يريد أن يبدأ مرحلة جديدة وعليه أن يقرر ماذا سيفعل بماضيه. هل يحاكم ساسته وحزب الله وسوريا والإقليم وإيران وما لفّ لفهم؟ لبنان اختار، مرات كثيرة، طريقه الأسهل، أن يطوي الصفحة. لكن الصفحات التي لا يقرؤها أهلها تعود لتتلبَّسَ لهم في حياتهم. تعودُ في صورة الطوائف والذاكرة، تعودُ أيضاً في خوف الجماعات الدائم من المستقبل.