وطن-تتجه الأنظار إلى جنوب لبنان مع بدء تطبيق ما يُعرف بـ«المناطق التجريبية» ضمن اتفاق الإطار المبرم بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، في وقت تكشف فيه الوقائع الميدانية عن فجوة كبيرة بين الحديث السياسي عن الانسحاب الإسرائيلي واستعادة السيادة اللبنانية، وبين استمرار العمليات العسكرية والوجود الإسرائيلي في المناطق المحيطة بالقرى الجنوبية.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا أُدرجت ضمن «المناطق التجريبية» بموجب اتفاق الإطار الموقع في يونيو 2026، على أن يبدأ تنفيذ هذا المسار في 20 يوليو من العام نفسه. ويهدف الترتيب، بحسب بنوده، إلى اختبار نموذج لانسحاب إسرائيلي تدريجي، بالتوازي مع تولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية وإنهاء الوجود المسلح لحزب الله داخل هذه المناطق.
لكن الزيارة الميدانية التي أجرتها الصحيفة إلى عدد من هذه البلدات أظهرت واقعاً أكثر تعقيداً، إذ لا يزال القصف والهدم والنشاط العسكري الإسرائيلي مستمراً في محيطها، بينما يواجه السكان صعوبة في العودة إلى حياة طبيعية بسبب الدمار وقطع الطرق واستمرار المخاطر الأمنية.
المناطق التجريبية بين الانسحاب الإسرائيلي واستمرار السيطرة العسكرية
في زوطر الغربية، تظهر المفارقة بوضوح. فعلى الرغم من انتشار الجيش اللبناني عند مدخل البلدة باعتبارها إحدى «المناطق التجريبية»، لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة في زوطر الشرقية القريبة، حيث تتواصل عمليات الهدم والقصف، وفق ما أوردته “ميدل إيست آي”.
وتشير بيانات جمعها «استوديو الأشغال العامة»، وهو تجمع بحثي وخرائطي مقره بيروت، إلى أن زوطر الشرقية تعرضت خلال الفترة الممتدة بين أواخر يونيو وأواخر يوليو 2026 لهدم منازل وتوغلات برية وتفجيرات مسيطر عليها وحرائق وعمليات تجريف للأراضي.
وخلال وجود فريق الصحيفة في المنطقة، سُمعت عدة انفجارات من جهة زوطر الشرقية، فيما شوهد الدخان يتصاعد في الأفق، بما يعكس استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي رغم الحديث عن بدء مرحلة الانسحاب وتسليم المسؤوليات الأمنية.
ويرى دانيال ماير، أستاذ العلوم السياسية ومدير ماجستير دراسات الشرق الأوسط في معهد العلوم السياسية بمدينة غرونوبل الفرنسية، أن إسرائيل تتعامل مع «المناطق التجريبية» باعتبارها وسيلة للضغط على حزب الله وإضعاف قدرته على العمل في الجنوب، وليس بالضرورة باعتبارها خطوة تؤدي إلى انسحاب كامل وسريع.
زوطر الغربية تعود إلى الجيش اللبناني وسط دمار واسع
دخل فريق “ميدل إيست آي” إلى زوطر الغربية بالتنسيق مع الجيش اللبناني، حيث انتشرت آليات مدرعة عند الطرق المؤدية إلى البلدة. لكن آثار الغارات الإسرائيلية كانت لا تزال واضحة على الأبنية، فيما بدت أجزاء واسعة من المنازل مدمرة أو متضررة.
وأظهرت الجدران المتبقية آثار رصاص، في حين لم ترصد الصحيفة مؤشرات واضحة على تمركز بري إسرائيلي مستمر داخل البلدة نفسها. ولم تظهر كذلك بعض العلامات التي سبق أن ارتبطت بالوجود العسكري الإسرائيلي المباشر في بلدات أخرى، مثل الكتابات على الجدران أو المخلفات العسكرية والبشرية.
غير أن غياب القوات الإسرائيلية من داخل البلدة لا يعني، بالنسبة إلى السكان، عودة الحياة الطبيعية أو استعادة السيادة اللبنانية بشكل كامل، إذ إن الوجود الإسرائيلي في المناطق المحيطة يواصل التأثير في حركة الأهالي وإمكانية إعادة إعمار المنطقة.
وقال دانيال ماير إن استعادة السلطة اللبنانية تبقى محدودة طالما أن الوجود العسكري الإسرائيلي مستمر في مناطق جنوبية أخرى، معتبراً أن صيغة «المناطق التجريبية» قد تمنح انطباعاً بعودة السيادة من دون أن تعالج جذور المشكلة.
سكان زوطر الغربية: لا حياة طبيعية من دون انسحاب إسرائيلي كامل
من بين سكان البلدة الذين تحدثوا إلى الصحيفة عباس هري، البالغ من العمر 40 عاماً، والذي عاد إلى زوطر الغربية بعد نزوحه في فبراير 2026. لكنه وجد أن العودة إلى البلدة لا تعني بالضرورة القدرة على استئناف الحياة الطبيعية.
وأوضح هري أن الطريق الرئيسية التي تربط زوطر الغربية بمدينة النبطية لا تزال غير سالكة بسبب الوجود الإسرائيلي في زوطر الشرقية، مؤكداً أن استمرار هذا الوضع يجعل الاستقرار في البلدة أمراً بالغ الصعوبة.
وقال إن منزله موجود في البلدة لكنه غير صالح للسكن، مضيفاً أن الدمار وانعدام الأمن والانفجارات الليلية تجعل السكان غير قادرين على الشعور بالأمان حتى بعد عودتهم.
وبحسب “ميدل إيست آي”، فإن اتفاق الإطار لا يحدد بصورة واضحة موعد الانسحاب الإسرائيلي من المنطقة العازلة الأوسع التي أقامتها إسرائيل على طول الحدود اللبنانية، وهي المنطقة التي يقول مسؤولون إسرائيليون إن قواتهم قد تبقى فيها طالما يحتفظ حزب الله بسلاحه.
«المقاومة تولد من الظلم».. السكان يروون تأثير الاحتلال
يرى عباس هري أن استمرار الوجود الإسرائيلي والدمار الذي خلفته الحرب يمكن أن يؤدي إلى استمرار التوتر وظهور أشكال جديدة من المقاومة.
وقال للصحيفة إن حركات المقاومة تنشأ من الشعور بالظلم، متسائلاً عن كيفية مطالبة السكان بقبول احتلال أراضيهم أو منازلهم من دون الدفاع عنها.
وتكشف شهادته حجم الفجوة بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن ترتيبات أمنية ومناطق تجريبية، وبين الواقع الذي يعيشه سكان الجنوب، حيث لا تزال آثار الحرب حاضرة في المنازل والطرق والبنية التحتية، فيما يبقى الخوف من تجدد القصف جزءاً من الحياة اليومية.
كما عبّر هري عن استيائه من استمرار معاناة السكان، مشيراً إلى أن ابنته الصغيرة أصبحت قادرة على التمييز بين أصوات الطائرات والانفجارات، في صورة تعكس الآثار النفسية التي خلفها التصعيد على سكان المنطقة.
فرون.. طريق مدمرة وقرية تحاول استعادة حياتها
في بلدة فرون، التي تشكل إحدى «المناطق التجريبية» الأخرى، رصدت الصحيفة مشهداً مشابهاً من الدمار. وعلى الرغم من أن البلدة تبعد نحو 10 كيلومترات فقط عن زوطر الغربية، فإن الطريق المباشرة بينهما دُمرت جراء الغارات الإسرائيلية، ما أجبر السكان على استخدام طريق بديلة تستغرق أكثر من ساعة.
وسط ركام منزله، قال عاصم جعفر إنه لا يفهم استمرار المفاوضات في ظل بقاء القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية، معرباً عن أمله في أن تنتهي المفاوضات بانسحاب إسرائيل الكامل.
وكان جعفر قد فقد ابنته وصهره وحفيدته في القصف الإسرائيلي، وقال إن وقف إطلاق النار المعلن لا يبدو موجوداً عملياً بالنسبة إلى السكان، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية.
وعلى غرار زوطر الغربية، لم تجد الصحيفة أدلة واضحة على وجود إسرائيلي بري دائم داخل فرون، رغم الدمار الواسع الذي أصاب البلدة.
سكان فرون يرفضون اتفاق الإطار ويشككون في جدواه
قال أحد سكان فرون، المعروف باسم أبو علي، إنه عاد إلى البلدة للبدء في إعادة بناء منزله، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية لم تدخل القرية أو بلدة صريفا بصورة دائمة.
وأضاف أن الجيش اللبناني لم يكن موجوداً داخل القرية في السابق، وأن عناصره بدأوا في الظهور مؤخراً لإقامة حواجز في محيطها. كما رصدت الصحيفة أن حاجزاً عند مدخل فرون كان يديره حزب الله، وليس الجيش اللبناني.
ويرى أبو علي أن الاتفاق المبرم في يونيو 2026 كان «خطأً كبيراً»، معتبراً أنه لا يحقق مصالح سكان جنوب لبنان ولا يوفر ضمانات واضحة لإنهاء الوجود الإسرائيلي.
وقال إن سكان الجنوب لا يقبلون التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية، في موقف يعكس حجم المعارضة الشعبية التي تواجهها الترتيبات الجديدة في بعض المناطق الحدودية.
اتفاق يتحدث عن السيادة وواقع ميداني مختلف
تكشف الجولة الميدانية في زوطر الغربية وفرون عن مفارقة أساسية في اتفاق «المناطق التجريبية»: فالانسحاب الإسرائيلي من بعض النقاط لا يترافق بالضرورة مع عودة كاملة للحياة الطبيعية أو استعادة واضحة للسيادة اللبنانية.
فالبلدات التي يفترض أن تكون نموذجاً للانسحاب وتسليم المسؤوليات الأمنية ما زالت محاطة بمناطق تشهد نشاطاً عسكرياً إسرائيلياً، فيما يعاني السكان من الدمار وقطع الطرق والخوف من استمرار التصعيد.
وفي الوقت نفسه، لم يكن وجود الجيش اللبناني داخل بعض هذه القرى بالحجم الذي يوحي به الخطاب السياسي حول انتقال السيطرة الأمنية. وهذا يطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة الانتقالية ومدى قدرتها على تحويل الاتفاق من صيغة سياسية إلى واقع ميداني مستقر.
جنوب لبنان أمام اختبار صعب
تتزامن هذه التطورات مع استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في مناطق أخرى من جنوب لبنان، ما يجعل الحديث عن انسحاب تدريجي موضع اختبار حقيقي.
وبحسب “ميدل إيست آي”، فإن المناطق التي يُقال إنها شهدت تخلياً إسرائيلياً عن السيطرة تتزامن مع عمليات عسكرية مستمرة في مناطق أخرى، بما في ذلك حداثا، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن الخريطة العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان لم تتغير بصورة جوهرية رغم الخطاب السياسي حول الانسحاب.
وتبقى النتيجة الأبرز أن سكان جنوب لبنان يجدون أنفسهم أمام واقع معقد: اتفاق يتحدث عن تسليم السيادة للجيش اللبناني، وقرى مدمرة تحاول إعادة بناء حياتها، ووجود إسرائيلي مستمر في مناطق محيطة، إلى جانب خلافات متواصلة حول سلاح حزب الله وآليات تنفيذ الاتفاق.
وبذلك، تبدو «المناطق التجريبية» اختباراً حقيقياً ليس فقط لقدرة الجيش اللبناني على استعادة دوره في الجنوب، بل أيضاً لمدى جدية الانسحاب الإسرائيلي وإمكانية تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع يتيح لسكان القرى الحدودية العودة إلى حياة مستقرة وآمنة.
اقرأ أيضاً
الحرب في لبنان تترك النازحين بين الخيام والقلق.. أزمة صحة نفسية تتفاقم تحت ضغط الجوع والتهجير
إسرائيل تشن هجمات جديدة على جنوب غرب سوريا.. وكاتس: لن ننسحب من المناطق الأمنية
احتجاجات في بيروت ضد اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة.. وحزب الله يرفض نزع السلاح
