في مثل هذا الشهر من
عام 2013، تبارى سياسيون ونشطاء وإعلاميون وفنانون وشخصيات كانت حاضرة بالمشهد المصري
في تأييد جريمة الفض الدموي لاعتصام “رابعة العدوية” و”النهضة”،
إلا أنه وبعد مرور 13 عاما على المجزرة غدر بهم قائد الانقلاب حينها ورئيس النظام حاليا
عبدالفتاح السيسي، إما بإبعادهم عن المشهد السياسي، أو بسجنهم، أو بفصلهم من أعمالهم،
أو السطو على حقوقهم.

وبعيدا عن إطاحة السيسي،
بجميع القيادات العسكرية والشرطية التي نفذت المجزرة التي أودت المجزرتان بحياة
624 مدنيا في اعتصام “رابعة” وحده بحسب تقديرات الحكومة المصرية، في أرقام
بلغت 817 شخصا في “رابعة” وحدها وفق توثيق منظمة “هيومن رايتس
ووتش” ، وبأرقام أكبر من هذا بكثير بحسب جماعة الإخوان المسلمين، فهناك قائمة
من المدنيين المؤيدين للمذبحة وطالتهم يد التنكيل لاحقا.

واشار متابعون إلى
شخصيات مثل: عدلي منصور، وحازم الببلاوي، وإبراهيم محلب، وزياد بهاء الدين، وأحمد الزند،
وحمدين صباحي، وعمرو موسى، والسيد البدوي، وحازم عبدالعظيم، وعمرو حمزاوي، وفريدة الشوباشي،
وباسم يوسف، وخالد يوسف، وتوفيق عكاشة، ومحمد الغيطي، وإلهام شاهين، ومحمد صبحي، وهاني
رمزي، وأحمد بدير، وناصر أمين، وحافظ أبوسعدة، وأحمد دومة، وعلاء عبدالفتاح، وحمدي
الفخراني، وسامح أبو عرايس، ومظهر شاهين، وعلي جمعة، ومحمد حسان، وجبهة الانقاذ، وأحزاب
الوفد، والتجمع، والمصريين الأحرار، وحزب النور، والجبهة السلفية وكبار مشايخها مثل
ياسر برهامي، ويونس مخيون، وغيرهما.

شاركوا في قتلنا
وفي الذكرى الـ13 لمجزة
فض اعتصام “رابعة” و”النهضة” وما تلاهما من مجازر مثل ميداني
“رمسيس” و”المطرية” وغيرها، انتقد كثيرون من شهود تلك المجازر
والناجين منها تحريض كثير من الشخصيات على فض الاعتصام بالقوة، وفي هذا السياق، تقول
أسرة أحد شهداء مجزرة الفض، لـ”عربي21″، إنهم “شاركوا في قتلنا، واليوم
استشهد ابننا وترك ابنته 15 عاما بلا أب، وجميع المقربين من أسرتنا إما مسجون أو مطارد،
وبينما هم نسوا جريمتهم لا يمر يوما إلا وندعو عليهم”.

وتحكي، موضحة، أن نجلهم،
“من أوائل الذين سقطوا برصاص الشرطة”، وأنه “ما حمل يوما ضغينة لأحد،
بل كان يحلم لابنته أن تعيش في بلد ينعم بالحرية والرخاء، فقتلوا أمله وحرموه من ابنته
ووأدوا حلمها في أن يكون لها أب كغيرها من البنات”، وفق قول إحدى سيدات الأسرة
مؤكدة أننا “من تبقى من العائلة، فالرجال منهم 5 معتقلين ومثلهم مشردون في بلدان
أخرى، وتوفي الأب والأم والأخ الأكبر”.

 وفي ذات السياق، كتب الأكاديمي المصري الدكتور
عصام عبد الشافي عبر صفحته بـ”فيسبوك”، يقول: “اللهم اجعل دماء
الشهداء في #رابعة_والنهضة وفي كل ساحات مصر وميادينها لعنة على كل من ساهم وشارك،
وموّل وخطط وتواطأ وروّج لسفكها، ولعنة على كل من انتهك حرماتك، وقهر العباد وخرّب
البلاد”.

نظام شمولي لا يتحمل
الشركاء
وفي رؤيته، قال الحقوقي
والإعلامي هيثم أبوخليل: “بداية نمد أيدينا للجميع، ونقول إن هناك بالفعل قائمة
سوداء للمجرمين الذين أيدو مجزرة رابعة؛ لكن بعضهم تراجع وكتب خلال السنوات الأخيرة
عكس ما قال سابقا، وربما لم تكن الصورة واضحة بالنسبة له”.

أبوخليل، وفي حديثه
لـ”عربي21″، أضاف: “أنا ضد الفرز والوسم للأبد، وأود أن يكون الباب
مفتوحا للناس لكي تستعيد إنسانيتها، ورأينا ذلك بمقارنة مواقف أكثر من شخص فهناك من
صحح أوضاعه مثل أحمد دومة وعلاء عبد الفتاح، كما أن حمدين صباحي مع احترامي الشديد
ورغم دوره القذر ككومبارس في انتخابات 2014، فإن ما كتبه خلال الساعات الأولى من الفض
يختلف عما كتبه مؤخرا”.

واستدرك: “لكن
هناك مجرمون وقتلة يجب محاسبتهم، ولا يُقبل منهم تصحيح أوضاعهم إلا بعد محاكمتهم، مثل
حازم الببلاوي، وكل من اشترك في الإشراف على وتنفيذ المجزرة بصورة مباشرة”.

اظهار أخبار متعلقة

وشدد على ضرورة أن
“نترك الباب مفتوحا لكل من صحح أوضاعه وتحدث بإنسانية، مثل المهندس حازم عبد
العظيم الذي دفع ثمن موالسة النظام سنوات سجن ثم اختفى تماما بعدما تم الإفراج عنه”.

وفي نقطة أخيرة لفت
أبوخليل، إلى أنه “وكما رأينا في العهد الناصري، فأي نظام دكتاتوري لا يطيق أن
يكون له شركاء ويتخلص منهم واحدا تلو الآخر، وفي مشهد (3 يوليو) تم التخلص من نسبة
تتجاوز 90 بالمئة لأن الأنظمة الشمولية لا تتحمل الشركاء”.

أصحاب الجريرة الكبرى
والأولى
وعبَّر الكاتب والمحلل
السياسي عزت النمر، عن أسفه من أن “القائمة طويلة، وهؤلاء لم تكن جريرتهم الأولى
أنهم أيدوا الفض الدموي لاعتصام رابعة، وإن كانت الدماء الحرام هي جناية كبرى يتحملون
وزرها في الدنيا والآخرة، فهؤلاء وغيرهم كانوا سدنة الاستبداد طوال تاريخه، ولم يكن
يعنيهم إلا أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم ومكان ومنصب في دولة الظلم في كل عهودها”.

وأوضح أنه “لا
يخفى على أحد الأدوار المركبة التي قام بها هؤلاء في الإضرار بأول تجربة ديمقراطية
في تاريخ مصر، وبعضهم تلبس رداء الأحرار وركب الموجة وتقدم الثوار وخدع الناس في الميادين
لما تأكد من انتصار الثورة فتلون وأصبح زورا وغدراً مع الثائرين؛ وربما يقبل البعض
أن يتعايش مع الظلم حينا لجبن في نفوسهم ورداءة في أخلاقهم، لكن منتهى الخسة والإجرام
أن يخاتلوا الشعب ويكونوا لبنة غدر وخداع ولا تهدأ نفوسهم الخبيثة حتى يردوا الوطن
إلى سواد الاستبداد والظلم”.

النمر، يعتبر أن
“دورهم الخياني وتحالفهم مع العسكر وتحالفهم مع الثورة المضادة وإثارة الغبار
والتلبيس على الشعب في فترة حكم الرئيس محمد مرسي، وصناع الكذب ومحاربة المسار الديمقراطي
هي الجريرة الكبرى والأولى، ولولاها ما فشلت التجربة الديمقراطية ولولاها ما كانت رابعة
ولا امتلأت ساحات مصر بالدماء، وأمثال هؤلاء لا تصح أن تنجح معهم ثورة ولا يستقيم بهم
وطن ولا تنصلح معهم أمة”.

وقال إن “أوجب
واجبات مسار الإصلاح الحقيقي هو الأخذ على يد كل ثعابين الخيانة وحيات التآمر على الوطن
والتحايل على سبل إصلاحه وترميمه”، مضيفا: “ومن أسف أنه من سوء حظ مصر وثورتها
العظيمة؛ أن مثل هؤلاء لم يكتشفوا حينها، ومنحوا الفرصة والوقت حتى نجحوا في هدم الثورة
والإطاحة بأول تجربة ديمقراطية”.

“يتحملون مسئولية التيه والضياع”
وتابع: “يقيني
أنهم جميعاً يتحملون مسئولية التيه والضياع الذي تعيشه مصر تحت حكم السيسي والعسكر،
ويتحملون كل الدماء التي أريقت طوال السنوات الماضية وكل الأعمار التي استنزفت في السجون
والمعتقلات، بل يتحملوا الانتكاسة الكبرى التي منى بها الربيع العربي بفشل تجربة مصر
الكبيرة، ويتحملون كذلك دماء إخواننا في غزة لأن السيسي كان شريكا فيها وفي حصار أهلها
وتقديمهم قرابين للصهاينة المحتلين”.

وأضاف: “أتذكر
بمرار دور الدكتور محمد البرادعي وهو من عاش في الغرب وانتظرنا منه أن يكون مرشداً
لأول تجربة ديمقراطية، فإذا به يصبح معول هدم ويستخدم نفوذه وعلاقاته في الإطاحة بأحلام
المصريين؛ ولن يشفع له ولن ينسى جريرته أن العسكر ركلوه وألقوه خارج التاريخ”.

“ومثله بل أشد شيخ الأزهر أحمد الطيب، الرجل
الذي يفترض أن يمثل القيم الرسالية ويحمل أمانة أكبر مؤسسة إسلامية في عالمنا؛ والذي
كان يُنظر إليه وإلى منصبه عامة الناس كإمام وهادي للعامة والبسطاء ورمز أيقوني للأمانة،
فإذا به يمارس النجوى ضد أول تجربة ديمقراطية لمصر، بل ويجلس في صدر بيان انقلاب 3
يوليو كمشارك في ما ذهب بالبلاد الى رابعة وغيرها”.

اظهار أخبار متعلقة

وقال: “أتصور
أن اكتشاف هذه النماذج هو أحد غنائم الواقع المصري، وحتى لو تحملنا في ذلك التضحيات
والدماء والأشلاء وطول الابتلاء، لكن عسى أن يكون مقدمة حسنة حينما تزول دولة العسكر
وتحين لحظة البناء ننظف واقعنا من أمثال هؤلاء ونبني دولتنا وتجربتنا على أشراف الناس
والأيادي المؤهلة للإصلاح والبناء وحتى تكون عباءة التجربة القادمة نظيفة خالية من
مثل هؤلاء الحيات والعقارب”.

شركاء الجريمة: كيف
تعيشون؟
وفي حديثه لـ”عربي21″،
قال الباحث الحقوقي أحمد هلال: “رغم مرور 13 عامًا على مذبحة رابعة غير أنها لا
تزال الدماء ساخنة لم تبرد ولم تنزوي تلك الجريمة في زوايا النسيان، ولا يمكن لها أن
تنزوي دون تقديم الجاني للعدالة التي يستقيم بها حياة الإنسان، وسوف يتكرر السؤال الذي
لم تستطع السنوات أن تتجاهله؛ ومع كل ذكرى يتجدد السؤال: كيف يعيش من ارتكب وأيد المجزرة”،
لافتا إلى “سؤال السيدة سناء عبدالجواد، في ذكرى مقتل نجلتها أسماء البلتاجي.  

وأكد أن “سؤالها
ليس استفهاماً عن الجلاد بقدر ما هو كشفٌ عن جرحٍ نازف في وجدان الأمة. حين تقول:
(كيف تعيشون بعدما قتلتم رمز الطهر والجمال؟)، فإنها تنتزع الحدث من خانة السياسة الضيقة،
وتضعه في قلب الإنسانية المفجوعة، فأسماء لم تكن مجرد ضحية ضمن إحصاءات الموتى؛ بل
كانت طفلةً في السابعة عشرة، تجسّد ذلك الجيل الذي راهن على الحياة، ففاجأه الموت بغتة.
إن تحويل الأم لابنتها إلى (رمز) ليس مبالغة عاطفية، بل هو استعادةٌ للكرامة الإنسانية
التي سُلبت تحت وطأة العنف”.

واستدرك: “لكن
السؤال، في بعده الثاني، يتعلق بالذاكرة الرسمية التي تحاول سنوياً إعادة إنتاج التبرير.
فبينما تتصدر تغطيات الذكرى عناوين عن سلاح الإخوان وتحريضهم يظل سؤال المحاسبة غائباً
كغياب الشمس في ليلٍ مدلهمّ، والتقارير الحقوقية، التي تجاوزت الألف شهيد في رابعة
وحدها، لم تجد طريقها إلى الاستنكار الرسمي، بل قوبلت بالصمت أو التشكيك. هذا الصمت
هو إجابة فعلية عن سؤال الأم: الجلاد يعيش لأن النظام قرر أن يمنحه حصانة أخلاقية،
ولأن الإعلام اختار أن يكون حارساً للرواية لا للحقيقة”.

ولفت إلى أن
“هنا يأتي البعد الأكثر إيلاماً: تحويل الضحية إلى متهم في المحكمة الإعلامية.
كل عام، يُعاد بناء صورة المعتصمين كبؤر إرهابية، وكأن الدم الذي سال كان ثمناً واجباً
لتطهير الوطن. هذا الخطاب لا يمحو الجريمة، بل يضيف إليها جريمة أخرى هي جريمة النكران.
إن الإعلام الذي يكتفي بتكرار الرواية الرسمية دون تمحيص، يصبح شريكاً في القتل الرمزي،
بل ويُقصي الأسئلة الحقيقية: أين التحقيقات المستقلة؟ أين محاكمة المسؤولين عن أوامر
إطلاق النار؟ أين حق الأسر في معرفة مصير أحبائها؟”.

اظهار أخبار متعلقة

وأكد أن “رابعة،
بعد 13 عاماً، ليست ذكرى عابرة، بل هي اختبار دائم لمدى التزام الدولة بالقانون والضمير.
إن تحويلها إلى مجرد حادث أمني  في خطاب السلطة، ومحاولة طمس قبور الشهداء ودهن
معالمها، يكشف عن خوفٍ عميق من مواجهة الحقيقة. لكن الذاكرة الجمعية، التي تحفظها الأمهات
والصور والأسماء، لا تُخمد بقرارات إدارية. فكما بقيت أسماء البلتاجي حاضرة في قلب
أمها، سيبقى سؤالها معلقاً في عنق الزمن، يذكرنا بأن الحقيقة وإن طال عليها الحصار،
تبقى أقوى من كل محاولات التزييف”.

وختم قائلا:
“في النهاية، حين تسأل الأم: كيف تعيشون؟ ، فإنها تسألنا جميعاً: كيف نعيش ونحن
نعلم أن دماء الأبرياء لم تأخذ حقها بعد؟ كيف نؤسس لدولة القانون ونحن نرفض محاسبة
من انتهكه؟ الجواب ليس في كلام، بل في فعل: في اعتراف بالجريمة، ومحاسبة للجلادين،
وإنصاف للضحايا. غير ذلك، ستبقى رابعة جرحاً مفتوحاً، وسؤال الأم صرخةً لا تخفت”.