الرياض ـ لم تعد مشاهدة الفن في الرياض حكرا على قاعات المعارض والمتاحف، بل غدا العمل الفني جزءا من المشهد اليومي للعاصمة، يلتقيه العابر في محطات القطار والساحات ومواقع العمل.

في محطة قطار قصر الحكم، يطل عمل الفنان السعودي زمان جاسم ‘لما اكتمل القمر’، بينما تقف منحوتة لألكسندر كالدر وسط المشهد المعماري الحديث في مركز الملك عبدالله المالي ‘كافد’، وعلى مقربة منها تحضر “LOVE” لروبرت إنديانا.

وعند حلول الليل، يتحول جسر للمشاة على طريق الملك عبدالعزيز إلى مشهد ضوئي بتوقيع الفنان الإيطالي أنجيلو بونيلو.

وتنتمي هذه الأعمال إلى أجيال ومدارس فنية متباينة، وتتنوع موادها بين الضوء والفولاذ والصوت والكلمة والأشياء اليومية، لكنها تلتقي جميعا في فضاء واحد يمتد عبر أرجاء العاصمة. ويندرج هذا الحضور ضمن برنامج ‘الرياض آرت’، أحد مشاريع الرياض الكبرى الذي أُطلق في مارس/آذار 2019 بهدف تحويل المدينة إلى معرض فني مفتوح، من خلال تنفيذ معالم فنية لفنانين سعوديين ودوليين وعرضها في الأحياء السكنية والحدائق والساحات ومحطات النقل والجسور ومداخل المدينة.

وتضم المجموعة الدائمة للبرنامج 75 عملا موزعة في بيئات حضرية متعددة، تربط كل عمل بالمكان الذي يحتضنه وتمنحه حضورا يتجاوز حدود قاعة العرض التقليدية.

في محطة قطار قصر الحكم، يقدم زمان جاسم عمله ‘لما اكتمل القمر’، وهو تركيب فني غامر أُنجز عام 2021 يمزج بين الأقراص المضيئة والصور المسقطة والصوت متعدد الطبقات والشعر والخط.

يستحضر العمل القمر رمزا للوداع والتجدد والذاكرة، امتدادا لممارسة الفنان التي تتناول الهوية الثقافية والروحانية، ويكتسب بعدا إضافيا من موقعه في مكان يرتبط بالحركة والرحلات اليومية.

ومن قلب الرياض التاريخية إلى أحد أبرز مشاهدها العمرانية الحديثة، يحضر في ‘كافد’ عمل ‘جايني وايني’ للأميركي ألكسندر كالدر، أحد رواد النحت الحركي في القرن العشرين.

أُنجزت هذه المنحوتة الضخمة من الفولاذ المطلي عام 1969، وتستولد إحساسًا بالحركة عبر مستوياتها المتوازنة ومنحنياتها الواسعة، إذ يتبدل إدراكها كلما تحرك المشاهد من حولها.

وفي الموقع نفسه، يقدم الفنان الهندي سوبوده غوبتا عمله ‘شجرة العائلة’ (2020)، مستخدما أدوات منزلية من الفولاذ المقاوم للصدأ لتشكيل شجرة ‘بيبال’ ضخمة تتحول فيها صناديق الطعام والأواني وأوعية الحليب إلى تكوين متفرع يصل بين الذاكرة الجماعية وحياة المدينة المعاصرة؛ ومنذ تركيبه، أصبح العمل معلمًا ونقطة تجمع في قلب المنطقة.

وعلى مقربة منه، تحضر واحدة من أشهر الصيغ البصرية في الفن المعاصر: عمل ‘LOVE’ للأميركي روبرت إنديانا، المثبت في ساحة الوصول بـ’كافد’.

ويتألف العمل من أربعة أحرف متراكبة يتوسطها حرف ‘O’ المائل، وهي صيغة ارتبطت باسم إنديانا منذ ستينيات القرن الماضي وحوّلت الكلمة إلى بناء بصري يجمع اللغة والفن والثقافة الشعبية.

وفي الحي الدبلوماسي، يقدم الأميركي جيف كونز عمله “ألماسة أحمر” أمام قصر الثقافة، وهو منحوتة من الفولاذ شديد الصقل تحاكي حجرًا كريمًا ضخمًا متعدد الأوجه.

وتعكس أوجهها الـ52 المطلية بالأحمر العمارة والضوء والجمهور المحيط، فتتغير صورتها باستمرار وفق زاوية النظر، ضمن سلسلة “الاحتفاء” التي تُعد من أبرز مراحل تجربة كونز.

أما عند تقاطع طريق الملك عبدالعزيز مع طريق هشام بن عبدالملك، فيتخذ الفن العام شكلًا مختلفًا؛ إذ يمتد عمل ‘الجري إلى ما وراء’ للإيطالي أنجيلو بونيلو فوق جسر للمشاة. أُنجز هذا العمل عام 2022 محوّلا هيئة الجسد الإنساني في أثناء الحركة إلى سلسلة ظلال مضيئة بتقنية ‘ليد’، في دورة بصرية توحي بالانطلاق والاستمرار والعودة، لتتحول نقطة عبور حضرية إلى معلم ضوئي في المشهد الليلي للعاصمة.

ويكشف هذا التنوع عن أبرز ملامح الفن العام في الرياض: فحضور الأعمال لا يتوقف عند قيمتها الفنية أو أسماء مبدعيها، بل يمتد إلى علاقتها بالمكان وطريقة تفاعل الجمهور معها في سياق حياته اليومية.

وتجمع المجموعة الدائمة لـ’الرياض آرت’ أسماء من التجربة السعودية إلى جانب فنانين دوليين بارزين، مشكّلةً شبكة فنية تمتد عبر المدينة وتضيف أبعادًا بصرية وثقافية إلى الطرق والساحات ومحطات النقل والمناطق الثقافية والاقتصادية.

ويتكامل هذا المسار مع برامج أخرى تابعة لـ’الرياض آرت’، من بينها ‘نور الرياض’ و’ملتقى طويق للنحت’، الذي يجمع فنانين من مختلف أنحاء العالم لتحويل أحجار مستخرجة من المملكة إلى أعمال نحتية عامة دائمة.

ويندرج تطوير الفن العام في العاصمة ضمن التحولات التي تشهدها الرياض في إطار رؤية السعودية 2030، وما توليه من اهتمام بتعزيز جودة الحياة وتنمية القطاع الثقافي والإبداعي وترسيخ مكانة المدينة وجهةً عالمية للفنون والثقافة.

وهكذا، بين ‘لما اكتمل القمر’ لزمان جاسم في محطة قصر الحكم، وأعمال كالدر وغوبتا وإنديانا في ‘كافد’، و’ألماسة’ كونز في الحي الدبلوماسي، وضوء بونيلو الممتد فوق الطريق، تتشكل في الرياض تجربة لا يعود فيها الفن غريبًا عن المدينة أو منفصلًا عن إيقاعها، بل جزءًا من المكان ومن حركة الناس فيه ومن صورته المتجددة. وهنا تكمن خصوصية المشهد: أن يخرج الفن من جدران القاعات ليمضي إلى حيث تمضي المدينة، ويلتقي بالجمهور في تفاصيل يومه العابر.